الشيخ الصفار يرد على د.البريك: لا ولن نقبل مرجعاً تكفيرياً وأرفض تدخل أي مرجع في الشؤون السياسية الداخلية لبلادنا

الشيخ حسن الصفار * صحيفة المدينة - ملحق الرسالة

أتقدم  بوافر الشكر والتقدير للأخ الكريم فضيلة الشيخ سعد البريك حفظه الله لثنائه على المقال الذي نشرته في ملحق الرسالة  بتاريخ 30/12/1427هـ -19/1/2007م وإشادته بما تضمنه من (دعوة إلى الوحدة والالتقاء ورص صفوف الأمة) وإبداء فرحته بما فيه من (دعوة إلى نبذ الفرقة وعدم الانجرار إلى أتون الفتنة المذهبية التي يخطط لها أعداؤنا، والوعي بما يراد بالأمة من صراع مهلك واقتتال مدمر).

د. سعد البريك

وهذا الكلام من الدكتور سعد البريك دلالة إنصاف وإخلاص لما يخدم وحدة الأمة ومصلحة الإسلام، وهو متوقع من أمثاله، جزاه الله خيراً.

لكنه أشار إلى ما يعكر صفو هذا الكلام الجميل حسب تعبيره، وهو وجود فتوى للسيد السيستاني بتكفير أهل السنة، ولأني اعتبره المرجع الديني فهذا يعني التزامي بفتواه مما يناقض الدعوة إلى الوحدة والتقارب.

وطلب حفظه الله بياناً صريحاً حول الموضوع واستجابة لطلبه، وتجاوباً مع اهتمامه وتقديره، اخط السطور التالية، راجياً أن تؤدي الغرض المطلوب.

مركزاً بياني الصريح في نقطتين:

الأولى: إني لا أعرف فتوى ولا رأياً للسيد السيستاني في تكفير أهل السنة، وخروجهم من الإسلام إذا لم يعتقدوا بوجوب إمامة علي وذريته من بعده، واستغرب جداً من الدكتور البريك كيف أرسل هذا الاتهام إرسال المسلمات ولم يذكر نص كلام السيد السيستاني ولا مصدر فتواه المزعومة.

مع أن الدكتور قد أسهب في ذكر الشواهد والأدلة على ارتباطي بمرجعية السيد السيستاني الدينية، مقتبساً نصاً من مقابلة لي على قناة الجزيرة مع ذكر التاريخ، ومشيراً إلى فقرة في مقابلة لي مع وكالة رويتر مع ذكر التاريخ أيضاً، ومصدر النشر، معدداً شواهد أخرى موثقة لإثبات شيء معروف واضح أجاهر به ولا أنكره، هو ارتباطي بمرجعية السيد السيستاني الدينية.

ثم يقرر دعوى خطيرة هي اتهام أكبر مرجع للشيعة بتكفير أكثر من ألف وثلاثمائة مليون مسلم، مرسلاً لهذه الدعوى إرسال المسلمات دون أن يكلف نفسه ذكر نص الفتوى أو مصدرها.

إنه لأمر غريب جداً لم أكن أتوقعه من الأخ الكريم.

أعود لأقول إن ما أعرفه  من فتوى ورأي السيد السيستاني هو رفض التكفير ورفض النزاعات والاحتراب الطائفي.

وبين يديَّ رسالته الفقهية التي تضم فتاواه في جميع أبواب الفقه وتقع في ثلاثة أجزاء تحت عنوان (منهاج الصالحين) تحتوى على 3500 مسألة فقهية، واللهِ ما وجدت فيها أثراً لمثل هذه الدعوى الخطيرة.

وبين يدي أيضاً كتاب توثيقي لجميع (النصوص الصادرة عن السيد السيستاني في المسألة العراقية) أعده ممثل سماحته في بيروت الأستاذ حامد الخفاف، ونشرته دار المؤرخ العربي في بيروت/ 1427هـ.

وكل سطور بياناته وآرائه تؤكد على رعاية حرمة المسلم سنياً كان أو شيعياً، بل على رعاية حرمة جميع المواطنين بمختلف دياناتهم. وتدعو إلى الوحدة والتعايش وحفظ الأمن والنظام.

وانقل هنا فقرات من بيانه الأخير بتاريخ 14 محرم 1428هـ  3/2/2007م وقد تداولته وسائل الإعلام. حيث جاء فيه:

«تمر الأمة الإسلامية بظروف عصيبة وتواجه أزمات كبرى وتحديات هائلة تمس حاضرها و تهدد مستقبلها، ويدرك الجميع- والحال هذه- مدى الحاجة إلى رص الصفوف ونبذ الفرقة و الابتعاد عن النعرات الطائفية والتجنب عن إثارة الخلافات المذهبية، تلك الخلافات التي مضى عليها قرون متطاولة ولا يبدو سبيل إلى حلها بما يكون مرضياً ومقبولاً لدى الجميع، فلا ينبغي إذاً إثارة الجدل حولها خارج إطار البحث العلمي الرصين، ولا سيما أنها لا تمسّ أصول الدين وأركان العقيدة، فإن الجميع يؤمنون بالله الواحد الأحد، وبرسالة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله، وبالمعاد، وبكون القرآن الكريم -الذي صانه الله تعالى من التحريف – مع السنة النبوية الشريفة مصدراً للأحكام الشرعية، وبمودة أهل البيت عليهم السلام،ونحو ذلك مما يشترك فيها المسلمون عامة، ومنها دعائم الإسلام: الصلاة والصيام والحج وغيرها.

فهذه المشتركات هي الأساس القويم للوحدة الإسلامية، فلا بد من التركيز عليها لتوثيق أواصر المحبة والمودة بين أبناء هذه الأمة، ولا أقل من العمل على التعايش السلمي بينهم مبنياً على الاحترام المتبادل، وبعيداً عن المشاحنات والمهاترات المذهبية والطائفية أياً كانت عناوينها.

فينبغي لكل حريص على رفعة الإسلام ورقي المسلمين، أن يبذل ما في وسعه في سبيل التقريب بينهم، والتقليل من حجم التوترات الناجمة عن بعض التجاذبات السياسية، لئلا تؤدي إلى مزيد من التفرق والتبعثر، وتفسح المجال لتحقيق مآرب الأعداء الطامعين في الهيمنة على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها».

وفي إطار هذا المخطط تنشر بعض وسائل الإعلام- من الفضائيات ومواقع الانترنت والمجلات وغيرها – بين الحين والآخر فتاوى غريبة تسيء إلى بعض الفرق والمذاهب الإسلامية، وتنسبها إلى السيد السيستاني، في محاولة واضحة للإساءة إلى موقع المرجعية  الدينية، وبغرض زيادة الاحتقان الطائفي وصولاً إلى أهداف معينة.

إن فتاوى السيد السيستاني إنما تؤخذ من مصادرها الموثوقة- ككتبه الفتوائية المعروفة الموثقة بتوقيعه وختمه- وليس فيها ما يسيء إلى المسلمين من سائر الفرق والمذاهب أبداً، و يعلم من له أدنى إلمام بها كذب ما يقال وينشر خلاف ذلك.

ويضاف إلى هذا أن مواقف سماحته والبيانات الصادرة عنه خلال السنوات الماضية بشأن المحنة التي يعيشها العراق الجريح، وما أوصى به أتباعه ومقلديه في التعامل مع إخوانهم من أهل السنة من المحبة والاحترام، وما أكد عليه مراراً من حرمة دم كل مسلم سنياً كان أو شيعياً وحرمة عرضه وماله والتبرؤ من كل من يسفك دماً حراماً أياً كان صاحبه، كل هذا يفصح بوضوح عن منهج المرجعية الدينية في التعاطي مع أتباع سائر المذاهب ونظرتها إليهم، ولو جرى الجميع وفق هذا المنهج مع من يخالفونهم في المذهب لما آلت الأمور إلى ما نشهده اليوم من عنف أعمى يضرب كل مكان، وقتل فظيع لا يستثني حتى الطفل الصغير والشيخ الكبير والمرأة الحامل وإلى الله المشتكى.

هذا هو السيد السيستاني الذي اعرفه واعتمد مرجعيته الدينية.

النقطة الثانية: أشار الدكتور البريك إلى مفهوم التقليد للفقهاء المراجع عند الشيعة، وأحب أن أوضح هنا، أن ضوابط المرجعية والتقليد شديدة صارمة عند الشيعة، حيث لا يُقلّد إلا الفقيه المجتهد ذو الخبرة العلمية العتيدة، فالمشهور عندهم وجوب تقليد الأعلم، ولذا فهم لا يعانون من مشكلة انفلات الفتوى، ولا يصل إلى موقع المرجعية العليا إلا من توفرت فيه المؤهلات الكافية.

والتقليد لأي مرجع ليس ارتباطاً حتمياً نهائياً فإذا ما تبين للمُقلِد – بكسر اللام- اختلال شروط التقليد بفقد العدالة مثلاً، أو بروز من هو أعلم، يجب عليه العدول عن ذلك المرجع وتقليد غيره.

كما أن التقليد لا يكون في القضايا العقدية ولا الموضوعات الخارجية، فالمقلِّد- بكسر اللام- غير ملزم بآراء مرجعه العقدية والسياسية.

جاء في كتاب العروة الوثقى بتعليقة السيد السيستاني مسألة رقم (67) من كتاب الاجتهاد والتقليد: «محل التقليد ومورده هو الأحكام الفرعية العملية فلا يجري في أصول الدين، ولا في الموضوعات الصرفة».

وأخيراً فإني أعلنها ببيان صريح: لا ولن نقبل مرجعاً تكفيرياً. فمدرسة أهل البيت عليهم السلام المعتمدة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليست من المدارس المتسرعة في رمي الآخرين بالكفر والشرك وهي ترفض نهج التكفير. فقد ورد عن الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين عليهما السلام: أن جده علياً لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه كان يقول: «هم إخواننا بغوا علينا».

بقي أن أشير إلى أن الشيعة يأخذون الفتاوى الشرعية والأحكام الفقهية من المرجع ورسالته العملية، أما الأحاديث والروايات الموجودة في المجاميع الحديثية لهم وفي كتب التراث فإنها لا تعبر عن فتوى أو حكم، ولا يصح أن يأخذ منها إلا الفقيه الملتزم بضوابط الاجتهاد والاستنباط، العارف بقواعد علم الحديث والرجال ليمّيز بين الصحيح والضعيف والموضوع.

وأيضاً أعلنها بصراحة: إني ارفض تدخل أي مرجع في الشؤون السياسية الداخلية لبلادنا، فنحن جزء من هذا الوطن وهذا الشعب، ولنا حكومة معنية بإدارة شؤوننا وأمورنا ورعاية مصالحنا، نسأل الله تعالى لها الرعاية والتسديد. وليس من سيرة مراجعنا هكذا تدخلات، بل إنهم يؤكدون على أتباعهم ضرورة رعاية النظام والقانون في أي بلد يعيشون فيه حتى في البلاد غير الإسلامية، حيث افرد سماحة السيد السيستاني حفظه الله في الكتاب الصادر عن مكتبه تحت عنوان: (الفقه للمغتربين) فصلاً كاملاً حول التعامل مع  القوانين النافذة في دول المهجر.

أرجو أن يكون هذا البيان واضحاً كافياً، واعتذر سلفاً عن عدم استعدادي للدخول في أي جدل أو سجال مذهبي، لأني لا أراه مفيداً ولا مجدياً، بل أعتقد أنه يضر بوحدتنا الإسلامية والوطنية وخاصة في هذه الظروف العصيبة.

نسأل الله تعالى أن يحمي بلادنا ويحفظ أمننا وأن يصلح ولاة أمورنا ويوفقهم لخدمة مصالح الوطن والأمة والحمد لله رب العالمين.

 

"الرسالة" تعتذر لكل الأخوة الذين تداخلوا في موضوع الشيخ الصفار ولم تنشر لهم ، حرصا منها على ألا يتشعب الموضوع ويتشتت القارئ، وسيكون السجال محصورا بين الفضلاء د. سعد البريك والشيخ حسن الصفار والباحث بندر الشويقي.

* ملحق الرسالة، الجمعة 28/1/1428هـ الموافق 16/2/2007م، العدد 16004.