كتاب الطائفية بين السياسة والدين للشيخ حسن الصفار

الكتاب: الطائفية بين السياسة والدين
المؤلف: الشيخ حسن الصفار
الناشر: المركز الثقافي العربي
الطبعة: الأولى 2009م
عدد الصفحات 192 من القطع الوسط

يندرج كتاب (الطائفية بين السياسة والدين) للشيخ حسن الصفار، في إطار الاهتمام بالدعوة إلى الوحدة والتقارب والتعايش بين مكونات الأمة والوطن، والتبشير بثقافة الحوار والانفتاح والمساواة، وشجب حالات التمزق والتنازع، وهو يأتي (استجابة لنداء الواجب) على حدِّ قول الشيخ الصفار.

في مسألة الطائفية

السياسة والدين مفردتان تتحكمان في تفاصيل أوضاع المجتمعات الإنسانية، حينما توظف السياسة من جهات داخلية وخارجية في استغلال عناوين الهويات الفرعية في تكريس الشعور بالتفوق والتعالي عند فئة، والإحساس بالغبن والحرمان عند الفئة الأخرى، واللعب على هذا الوتر في إثارة صراع مذهبي يمنع تلاحم قوى الأمة، وعندما يستثمر الدين في التعبئة الطائفية والتحريض ضد الآخر، لدفع قوى الأمة إلى النزاع الطائفي.

يشير الشيخ الصفَّار في مقدمة كتابه بالقول: إن مشكلة الطائفية في مجتمعات الأمة يصنعها ويمدها عنصران رئيسان: سياسي وديني.يتمثل العنصر الأول في اعتماده سياسة التمييز الطائفي بين المواطنين، وتشجيع حالات الصراع المذهبي لأغراض سياسية. بينما يتمثل العنصر الآخر في نهج الخطاب الديني، حين يعتمد التعبئة المذهبية، والتحريض ضد الآخر.

وأن هذين العنصرين السياسي والديني يثيران القلق، فهما يعملان بشكل محموم في تأجيج الصراع الطائفي في أكثر من موقع في ساحة الأمة، حصلت مشاهده في أكثر من بلد إسلامي كالعراق.

ويوضح الشيخ الصفار أنه لا نزاع أخطر على الأمة من النزاع الطائفي، حيث يوظف الدين في إذكاء أواره، ويكون الدفاع عن العقيدة والمذهب عنوانا لمعاركة، فتستباح حرمات الإسلام بأيدي المسلمين أنفسهم.

وفي موضع آخر من الكتاب يشير الشيخ الصفار إلى أن الأمة انشغلت كثيرا بخلافاتها المذهبية، وأصبح لها تراث ضخم من الجدل المذهبي، يفوق تراثها في الجدل مع الأديان الأخرى، مما أوجد خللا في العلاقة بين أتباع المذاهب الأخرى نتيجة ثقافة التعبئة المتبادلة؛ إذ لا تزال كل طائفة تشعر بالحاجة إلى الحديث عن إثبات أحقية مذهبها، في مواجهة إشكالات وطعون أتباع المذهب الآخر، وأنها معنية بتحصين أبنائها، حتى لا يتأثروا بالاتهامات التي تستهدف مذهبهم.

وهذه الثقافة التعبوية من وجهة الشيخ الصفار، كرست حالة من القطيعة والتباعد النفسي والعاطفي بين أتباع المذاهب، وقلّلت من فرص التعارف المباشر، فأصبحت كل طائفة كيانا اجتماعيا مستقلا، لا ارتباط له بكيان الطائفة الأخرى.

وأمام هذا الخطر المحدق بواقع الأمة والتهديد بتمزيق وحدتها واستقرارها، وتزايد حالة التخلف الحضاري، ونفوذ الهيمنة الأجنبية في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية، كان بإمكان القيادات السياسية ضمن الحكومات والأحزاب الإمساك بأزمة الأمور في مجتمعاتنا الإسلامية، وبإمكانها أن تنجز الوحدة والتضامن في واقع الأمة، كما صنعت ذلك القوى السياسية في أوروبا، شرط امتلاكها لوعي حضاري، وتوفرها على استقلالية القرار.

إلا أن كثيرا من القيادات السياسية في عالمنا العربي والإسلامي، لا تحمل أكثر من همّ بقائها في سدة الحكم وموقع النفوذ، لذا لاتجد نفسها معنية بمشاريع التغيير والتطوير الحضاري.

في مسألة التقارب والتنازل

يثير المتشددون والمحافظون بين فترة وأخرى الكثير من الإشكالات وعلامات الاستفهام في نفوس جماهير الأمة تجاه دعاة الوحدة والتقريب، تريد إثارة مشاعر القلق والشكوك خوفا من أن تقدم تلك اللقاءات تنازلات للطرف الآخر على حساب المعتقد والطائفة، وهو مالا يتناغم مع المنظومة الفكرية وما يطرحه الشيخ الصفار الذي يؤكد على أن الوحدة والتقارب والانفتاح لا يعني التنازل عن شيء من المعتقدات أو تحوّل أتباع مذهب إلى مذهب آخر، ولا تلفيق مذهب ثالث بين المذهبين، وإذا كان التنازل في غير مطلوب ولا وارد في المعتقد، فإنه قد يكون مطلوبا وواردا في بعض المظاهر والممارسات، إذا اقتضته المصلحة العامة للأمة، أو المصلحة الخاصة بالطائفة، أو المصلحة الأخص على المستوى الفردي.

ويرى الشيخ الصفار ان كان من أمر يجب التنازل عنه ولا يمكن قبوله شرعا و لا عقلا، هو الإساءة والعدوان من أي طرف تجاه الأخر، فالغرض الأساس من الدعوة للوحدة والتقريب، هو تحقيق التعايش السلمي بين أبناء الأمة، وتوفير أجواء الاحترام المتبادل، والسعي للتعاون في خدمة المصالح المشتركة.

ويبين الشيخ الصفار أن ثقافتنا الدينية السائدة مشبعة في طرحها المذهبي، بما يدعو إلى التباعد والتنافر بين أتباع المذاهب الإسلامية، وهنا يجب أن نعترف بأننا نواجه صعوبة في النقد الذاتي لثقافتنا المذهبية. لكن هذا النقد الذاتي يكاد يكون خطًّا أحمر عند أتباع المذاهب والثقافات المذهبية.

ومع تصاعد الصراع بين المتشددين والرافضين لمشروع التقارب والوحدة وبين الداعين له، يرى الشيخ الصفار نفسه معني بالدفاع عن دعاة الوحدة والتقريب بالقول: أن دعاة الوحدة والتقريب يسيرون عكس تيار العواطف والمشاعر، ويواجهون اللعبة السياسية القذرة التي تريد تفتيت الأمة، وتمزيق وحدة أوطانها.

وهذا يعني أن دعوتهم لمشروع التقارب والتعايش والوحدة، تنطلق من باعث ديني شرعي، ومن إخلاصهم واهتمامهم بمصلحة الإسلام والأمة، وأن الدعوة إلى الانفتاح والوحدة والتقريب إنما جاءت لإنقاذ الأمة من هذا الواقع السيئ، ولإصلاح خلل العلاقة بين أتباع المذاهب، بما يضع حدًّا لتلك الإفرازات البغيضة.

النخب وازدواجية الخطاب في أوطاننا

عن هذه الإشكالية يتحدث الشيخ الصفار عن ازدواجية الخطاب عند بعض النخب التي حضرت جلسات الحوار الوطني بالقول: ليس مقبولا أن يتحدث البعض منا في جلسات الحوار بلغة الوحدة الدينية والوطنية، وأن يظهر الاحترام للرأي الآخر، ويدعو إلى مواجهة الأخطار المحدقة بالدين والوطن، فإذا ما عاد إلى وسط جمهوره وتياره، خضع للأجواء السائدة، من تجاهل الآخر، والدعوة إلى إلغائه، واستخدام لغة التشدد والتزمت. فالشيخ الصفار يرى أن هذه الازدواجية تضعف مصداقية تلك اللقاءات الحوارية أمام الجمهور، وتصيبهم باليأس والإحباط، خاصة، وقد استقر - كما يتصوره الشيخ الصفار- في أذهان مجتمعاتنا العربية انطباع سلبي عن اللقاءات والمؤتمرات التي تتكرر بشكل رتيب بين الزعماء والوزراء والعلماء والمثقفين، ثم تقف عند إصدار البيانات، دون أن تحقق شيئا من آمال الناس وتطلعاتهم.

لذلك يأمل الشيخ الصفار من جميع الواعين من أبناء الوطن، أن يتجاوز لقاؤنا الوطني هذه السلبية، وأن يثبت مصداقية توجهاته، بالانتقال إلى البرامج العملية والخطوات التنفيذية، لتفعيل مكاسبه وتوصياته. والشيخ الصفار المتفائل بنتائج هذه اللقاءات والحوارات على المستوى المحلي، يرى أن تلك المسؤولية مشتركة لا تخص الحكومة، بل تعم نخبة الحوار، وجمهور المواطنين.

ولو أخذت النخب الواعية التي مثلت أطيافها في الحوار الوطني على عاتقها مهمة التبشير بالقيم والتوجهات التي تمخضت عن اللقاء والحوار في أوساط تياراتها، ستمثل دعوته تلك منعطا هاما في استمرار التواصل وتبادل الآراء، ولتطوير مكاسب اللقاء، وتحويلها إلى علاقات دائمة، وتواصل بناء، للتعاون على البر والتقوى، ويبقى دور الجمهور برأي الشيخ الصفار المشجع لهذه التوجهات الوطنية من أجل الإصلاح المنشود، وتأكيد التلاحم والصمود أمام الأخطار والتحديات.

التشدد المذهبي

يشير الشيخ الصفار إلى أن الساحة الشيعية لا تخلو من اتجاهات متشددة مذهبياً، لقناعتها الفكرية،أو ردّ فعل لتطرف من الجهة الأخرى، هذه الاتجاهات الشيعية المتطرفة، تشكل ضغطا على خط الاعتدال الشيعي العام، بدغدغتها للمشاعر الطائفية، وطرح نفسها كسور حصين للدفاع عن العقيدة وحمايتها.

وجود تيار شيعي يركز على قضايا الخلاف ويضخمها، ويجدد طروحات الغلو والمبالغة على حساب أصالة مدرسة أهل البيت ع، مما يربك الساحة الشيعية الداخلية، ويقدم صورة منفرة عن المذهب للآخرين، ويعطي الذرائع للمتطرفين من الجهة الأخرى.

لذلك دعا الشيخ الصفار إلى التفكير في معالجة هذه الحالة، من خلال برامج الحوزة العلمية، وتوجيه المرجعية الدينية، ورعاية الجهات المتصدية لإدارة شؤون المجتمعات الشيعية.

عن حالة التفاؤل

يستغل بعض المتشددين والمحافظين حصول بعض الإساءات من طرف ضد آخر لتعزيز الشكوك في مصداقية الدعوة إلى الانفتاح والتقريب، فكلما وقع حدث طائفي، أو حصلت إساءة مذهبية، استغلها المتشددون لتعزيز مواقعهم، وتبرير مواقفهم المتطرفة، ورفع المتحفظون عقيرتهم تجاه دعاة التقريب والوحدة، ليضعوهم في موقع المساءلة والمحاكمة.

واعتبر الشيخ الصفار أن في ذلك مغالطة فاضحة، وتضليلاً لوعي الناس، فاتجاهات التشدد، والمتحفظون على دعوة الوحدة والتقريب، هم الذين يتحملون مسؤولية استمرار التشنج الطائفي، والخلافات المذهبية، إنهم ينتجون هذا الإفرازات، ويوفرون الأجواء المساعدة على نموها، ثم يوظفونها لإغراق المجتمع في المزيد من التعصب والتشدد، ونهايته المتوقعة هو الاحتراب والفتنة.

لكن الشيخ الصفار في كتابه يبرز رؤيته التفاؤلية من أن تتجاوز الأمة في هذا العصر حالات الصراعات المذهبية، وما يعزز التفاؤل أكثر على حدِّ، هو بروز المزيد من الأصوات التي تدعو إلى الحوار والتقارب بين أبناء الأمة، على اختلاف مذاهبهم من السنة والشيعة، وترفض منحى التكفير والتهريج وتبادل الاتهامات، خاصة حينما تنطلق هذه الأصوات من الوسط السلفي في المملكة العربية السعودية التي كان يسوده التحفظ والحذر تجاه دعوات التقريب والحوار المذهبي.

وتأتي بروز حالة التفاؤل لدى الشيخ الصفار نتيجة ما لامسه ويلمسه من واقع اللقاءات المتعددة من إجماع كبير من علماء ومثقفي الأمة على ضرورة التواصل والتلاقي من أجل رفع حالة الاحتقان والاحتراب بين مكونات الأمة والوطن، ومعالجة الإشكالات بين جميع الفرقاء، وسد كل منافذ التفرقة والتمزق.

هكذا كان يشعر الشيخ الصفار مع كل لقاء بحالة من التفاؤل والأمل والارتياح، و مما يشجع على المبادرة والجرأة، أن الأجواء العامة في الأمة تصب في خدمتها، وتدفع باتجاهها، والمعارضون لذلك تتقلص مساحتهم يوما بعد آخر.

ويقول الشيخ الصفار عن تجربته: وجدت في الانفتاح والتواصل مع الآخرين عظيم الأثر في تجاوز الحواجز النفسية، وتصحيح الانطباعات والتصورات الفكرية، والتجاوزات مع دعوة الحوار والتقريب.

«لقراءة الكتاب اضغط هنا»

17/7/2010م
سيهات