خيركم لأهله

الشيخ حسن الصفار *

الخطبة الأولى: خيركم لأهله

تمثل العائلة، الدائرة الاجتماعية الأقرب للإنسان. فمتى ما كانت الأجواء السائدة في العائلة طيبة كان الإنسان أكثر سعادة وسروراً، أما إذا كان الوسط العائلي مليئا بالتوترات فهذا يجعل حياة الفرد أكثر انزعاجا ونكدا.

فهناك ما يريح الإنسان ويسره، وهناك ما يزعجه ويؤذيه، وكلما كان الوضع السار أقرب إلى الإنسان جعله أكثر سرورًا، والعكس بالعكس. وذلك يشبه تماما تعاطي الإنسان مع مصادر الروائح، فالرائحة الطيبة العطرة يرتاح لها الانسان ولذلك يقربها من أنفه، وعلى العكس من ذلك إذا شم رائحة كريهة فإنه يحاول أن يبتعد عنها لأنها تؤذيه. من هنا ينعكس تأثير العائلة على الفرد على نحو مباشر لأنها الدائرة الأقرب له، فهو يعيش معها تحت سقف واحد، وتتشابك مصالحه معها، ويتأثر بوضعها، كما تتأثر العائلة بوضع أي فرد من أفرادها.

لقد وردت العديد من النصوص المؤكدة على الاهتمام بالعائلة على نحو خاص. ذلك لأن سلامة الوضع العائلي سينعكس ايجابا على السلامة النفسية والصحية للفرد. فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (من حسن بره بأهله زاد الله في عمره)[1] ، ومضمون ذلك أن علاقة الإحسان والبر بالعائلة تؤدي بطبيعة الحال لارتياح الإنسان مع عائلته وهذا ينعكس على حياته العامة، وفاعليته وعطائه في الدراسة والعمل، وحتى الأخلاق والتعامل مع الآخرين، فالحالة العائلية السليمة منها يتعلم الإنسان، وتتعزز عنده الأخلاقيات والسلوكيات والآداب العامة. اذ يتأثر الفرد بالسلوك والأخلاق والحالة السائدة داخل عائلته.

إن مسؤولية صناعة الأجواء الإيجابية داخل الأسرة تقع على عاتق جميع أفراد العائلة. فليس من الصحيح تقاذف المسئولية بين أفراد العائلة، سواء بين الزوج والزوجة أو الأولاد، بل العكس هو الصحيح، أي أن الجميع مسؤول عن توفير الأجواء الإيجابية. من هنا جاء الخطاب النبوي موجها للجميع، فقال (خيركم ـ يعني أكثركم خيرًا ـ خيركم لأهله)[2] ، وتأتي أهمية هذا الحديث النبوي، انطلاقا من مشكلة شائعة مفادها، اصابة بعض الناس بالازدواجية في الشخصية، فمثل هؤلاء غالبا ما يتقمص مع الناس دور الشخصية اللطيفة الطيبة، فيما يتقمص داخل المنزل ووسط العائلة شخصية أخرى مغايرة. ولذلك يتملكنا العجب في بعض الأحيان حين تصلنا شكاوى عائلية ضد أشخاص معروفين في الأوساط العامة بحسن الأخلاق، فكيف تشكو منهم زوجاتهم وعوائلهم!، وعند الفحص سرعان ما يتبن لنا أن هناك ازدواجية في الشخصية لدى هذا الشخص أو ذاك تدفعه باتجاه التعاطي على نحو مختلف داخل الأسرة عنه في خارجها، الأولى أن تكون شخصية المرء مع أهله أفضل منها مع الناس، وبذلك يفخر رسول الله (وأنا خيركم لأهلي). ومثل ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين في وصيته لابنه الإمام الحسن (لا يكن أهلك أشقى الخلق بك)[3] .

ثمة العديد من التوجيهات الإسلامية التي ترمي لإنجاح العلاقات العائلية، ومنها:

أولا: الاهتمام بالعلاقة مع العائلة:

تشدد التعاليم الإسلامية على ايلاء الفرد اهتماما أكبر بحسن علاقته بالعائلة، أكثر من علاقته مع الناس. غير أن البعض يمارس العكس، كما لو كانت العلاقة مع العائلة شيئاً كمالياً! وهذا بخلاف تعاليم الإسلام التي توجه الإنسان إلى أن يعطي هذا الجانب أهمية كبيرة، بل إن بعض النصوص ترى أن حسن العلاقة مع العائلة أفضل من كثير من العبادات، والأعمال الصالحة. فقد ورد عن رسول الله (جلوس المرء عند عياله أحب إلى الله تعالى من اعتكاف في مسجدي هذا)[4] ، وعنه (أعظم الناس حقاً على المرأة زوجها)[5] ، فالمرأة التي تهتم بالزيارة وحضور المجالس الدينية وكثير من العبادات، عليها أن تعلم أن أعظم الناس حقا عليها هو زوجها، وعن الإمام الباقر (لا شفيع للمرأة أنجح عند ربها من رضا زوجها عنها، ولما ماتت فاطمة قام عليها أمير المؤمنين وقال: اللهم إني راض عن ابنة نبيك)[6] . وكأن غرضه أن يبين أن حالة رضا الزوج عن الزوجة له أهميته قصوى حتى بالنسبة لامرأة عظيمة كفاطمة الزهراء . وورد عنه (ويل لامرأة أغضبت زوجها وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها)[7] .

وكذلك على الجانب الآخر، فقد شددت النصوص على ضرورة اهتمام الرجل بأهله. فقد ورد عن رسول الله (أوصاني جبريل بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلا من فاحشة مبينة)[8] ، وفي حديث عنه (من كان له امرأة تؤذيه لم يقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها حتى تعينه وترضيه. وعلى الرجل مثل ذلك الوزر إذا كان لها مؤذيا ظالمًا)[9] . لقد جاءت جميع هذه النصوص لغرض التأكيد على أهمية العلاقات العائلية وأولويتها في حياة الأفراد.

ثانياً: الخدمة داخل العائلة:

إن أحد عوامل نجاح العلاقة العائلية، هو بلوغ أفراد الأسرة حد التباري في خدمة بعضهم البعض. وذلك بأن يعمل الرجل على خدمة زوجته وأبنائه، فيما تقوم الزوجة والأولاد بخدمة الأب. يقول النبي فيما روي عنه (لا يخدم العيال إلا صديق أو شهيد أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة)[10] ، وفي حديث آخر عنه (إذا سقى الرجل امرأته الماء أجر)[11] ، وورد عن الإمام زين العابدين (إن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله)[12] . فلا ينبغي للرجل أن يجلس في البيت وكأنه جلالة الملك يأمر وينهى فقط، لأن في خدمته لعياله أجراً كبيراً.

ثالثاً: التنازلات المتبادلة

على غرار باقي العلاقات، تبقى العلاقة العائلية خاضعة لمعايير العلاقات البشرية بما يعتريها من أخطاء. فوقوع الأخطاء من أفراد العائلة هو أمر طبيعي نتيجة الغفلة أو نحو ذلك، ولذلك ينبغي على الفرد من العائلة أن يكون مرنا في تقبل الأخطاء، وليس من الصحيح أن يتحلى بعض الناس بالمرونة في تقبل أخطاء الآخرين خارج البيت، فيما يصعب عليه تقبل ذلك من أفراد عائلته، فهذا خطأ كبير. فقد ورد في هذا الصدد عن الإمام الباقر القول (إني لأصبر من غلامي هذا ومن أهلي على ما هو أمر من الحنظل، إنه من صبر نال بصبره درجة الصائم القائم ودرجة الشهيد)[13] . إن على لإنسان أن يتحلى بمزيد من التحمل تجاه المشاكل العائلية. وورد عن رسول الله (ألا ومن صبر على خلق امرأة سيئة الخلقوأحتسب في ذلك الأجر أعطاه الله ثواب الشاكرين)[14] . وقد ضرب أروع الأمثلة في التعامل مع عياله، ومن ذلك ما رواه أخوتنا أهل السنة في مصادرهم بسند جيد، حيث روى أبو يعلى بسند لا بأس به وأبو الشيخ بن حيان بسند جيد قوي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت كان في متاعي خف وكان على جمل ناج وكان متاع صفية فيه ثقل، وكان على جمل ثقال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حولوا
متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب"، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أم عبد الله، إن متاعك فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ الركب فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها، قالت: فقالت: ألست تزعم أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أوفي شك؟ أنت يا أم المؤمنين يا أم عبد الله، قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلا عدلت وسمعني أبو بكر وكان فيه غرب أي حدة، فأقبل علي فلطم وجهي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهلا يا أبا بكر"، فقال: يا رسول الله، أما سمعت ما قالت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغيري لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه، ورواه الإمام أحمد بسند لا بأس به عن صفية رضي الله تعالى عنها)[15] . والشاهد فيه موقف رسول الله(ص ) من زوجته وكيف تلمس لها العذر.

ينبغي أن يتحلى المرء بالمرونة في علاقاته العائلية وأن لا يقف متصلباً عند الأخطاء. فتحمل الأخطاء هو أحد عوامل قيام الحياة العائلية السعيدة، أما إذا تمسك كل طرف في العائلة بموقفه المتعنت من الآخر، واختار التعامل بشدة مع الطرف المخطئ، هنا لا تنتظم الحياة العائلية. ولذلك يقول تعالى عند تناول الحياة العائلية ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً. والمودة هي المحبة بينما الرحمة تعني العطف والشفقة في حالة الضعف والحاجة، ولذلك. على كل منا أن يهتم بصناعة جو سعيد في عائلته، وأن يجعل هذه الدائرة في حياته الأكثر اهتماما في تعامله والأوفر نصيبا من إحسانه.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المهتمين والملتزمين بتعاليمه وأحكامه.

الخطبة الثانية: أين العقل في السياسة العربية؟

إن من أبرز ملامح سيادة التعقل في حياة أي أمة أو مجتمع، التزام السلم، والنأي عن العنف، التمحور حول المصالح المشتركة. فمع اعتماد الإدارة السلمية المرنة لحل الخلافات البينية بين مختلف الأطراف، والنأي عن استخدام العنف والشدة، إلى جانب التمحور حول المصالح المشتركة، فإن جميع ذلك يعني سيادة جو التعقل في الأمة. أما إذا سادت المجتمعات أجواء نقيضة لما سبق، فلا معني لذلك سوى غياب التعقل، والخضوع للأهواء والعصبيات، وفي المحصلة العيش في حالة جنونية. وبالنظر في آي الذكر الحكيم نجد بأن الآية الكريمة التالية حينما تتحدث عن اليهود والمنافقين فإنها تصفهم بهاتين الصفتين: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، أي أنهم يستخدمون شدتهم وقوتهم ضد بعضهم البعض، والصفة الثانية ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، أي أنهم بخلاف ما قد يظهر للآخرين، لا يجمعهم هدف معين، فكل يغني على ليلاه، بل تجدهم ممزقين تحت ضغط المصالح القبلية، أو الطائفية أو الفئوية، ناهيك عن الغياب التام لأي مصلحة عليا مشتركة فيما بينهم. وخلاصة الأمر، يصف ربنا المجتمعات التي تعتمد أسلوب الشدة والعنف الداخلي وتغيب مصالحها المشتركة بأنهم غير عقلاء ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
.

لقد بات من الواضح أن من أهم عوامل قوة وتقدم الأمم التزامها النهج السلمي الداخلي والتوافق حول المصالح العليا المشتركة. فقد وضع أولئك حداً لفصل النزاعات سلميا من خلال القانون، إلى جانب اقرار التداول السلمي للسلطة، وغيرها من الطرق التي تدار بها الخلافات السياسية، سواء كان ذلك في داخل الدولة الواحدة أو بين مختلف الدول. ولعل أبرز مثال على ذلك هو الدول الأوروبية التي لديها الكثير من الخلافات الحدودية والتاريخية والثقافية والمصلحية، ولكنهم تجاوزوا كل تلك الخلافات، لأنهم بلغوا مرحلة التعقل، ولذلك تجد بأسهم بينهم ليس شديدا، وإنما يشتد بأسهم على غيرهم في خارج الحدود، وتجدهم شديدي التمسك بمصالحهم العليا المشتركة. ولنا مثال آخر في الشعب الأمريكي الذي يربو سكانه على 280 مليون نسمة، فهؤلاء جميعا ليسوا متفقين في دياناتهم وأعراقهم وأحزابهم، ولكنهم متفقون جميعاً على المحافظة على مصالحهم المشتركة كأمريكيين. وبذلك يمكن القول أن هذه الأمم (قوم يعقلون) وفقاً للتعبير القرآني، في مجال علاقاتهم الداخلية، فإنهم يحكمون العقل.

في مقابل ذلك، إذا نظرنا إلى وضع أمتنا الإسلامية، فإننا نجد الصفتين اللتين ذكرهما الله لليهود والمنافقين في ذلك الزمن، تنطبقان تماماً على الأمة الاسلامية في هذا الزمن!، وبذلك ينطبق على أمتنا الآن اليوم في علاقاتها الداخلية بأنهم قوم لا يعقلون، أي مجانين بمعنى آخر!.

إن هناك علاقة طردية بين استشراء العنف الداخلي في أي أمة وضعفها أمام العدو الخارجي. فبقدر استخدام الشدة في العلاقات البينية في الداخل، تجد انعكاس ذلك في موقف الذلة تجاه الخارج. فالناس الذين يكونون أشداء على بعضهم البعض لا يمكن أن يكونوا أشداء على العدو، لأنهم استنزفوا قوتهم داخلياً، وانشغلوا ببعضهم البعض، وهذا ما نفهم من قول الله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، ومضمون ذلك أن القوم الذين يتسمون بالمرونة والتسامح واللين والتذلل لبعضهم البعض، يمكن أن ينالوا العزة على الكافرين، أما إذا استنفذوا قوتهم داخليا بالنيل من بعضهم البعض، فإن قواهم تخور وتستنزف، فيكونون عرضة للإذلال على يد الأعداء، وهذا بالضبط ما تعيشه اليوم الأمة العربية والإسلامية مع الأسف الشديد. فما نجده اليوم داخل الأمة هو تفشي العنف بين الحكومات والفئات المعارضة من جهة، وبين الدول الإسلامية نفسها، والطوائف فيما بينها على الجهة الأخرى، فهل ثمة جنون وتغييب للعقل أكثر من هذا؟

ولعل أبرز حالات غياب العقل في الأمة هو ما نجده من اقتتال دموي عنيف بين فئات وطوائف الشعوب الاسلامية الخاضعة للاحتلال الأجنبي. فمع ما يفعله الغزاة الامريكان في افغانستان من احتلال وقتل وتدنيس للقرآن الكريم، لا نلبث أن نرى سقوط العشرات من المحتجين الأفغان ضحايا لاقتتال فيما بينهم، فهل من العقل أن نقتتل فيما بيننا ردا على حرق العدو كتابنا المقدس؟

وعلى غرار ذلك ما حدث بين العراقيين أبان مرحلة الغزو الامريكي، فقد اقتتلوا فيما بينهم حتى قتلوا من بني جلدتهم مقتلة عظيمة لا يبلغ مقدار ما قتلوا من الجيوش الغازية عشر معشارها. أفلا ينطبق على من يقومون بهذا الفعل (بأنهم لا يعقلون).

لقد أصبحت العلاقات الداخلية في الأمة تدار بالعواطف، والانفعالات، والعصبيات، بدلاً من العقل. وهذا أقرب مصداق لقول الله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ. ولعل الناظر لواقع الساحة الإسلامية اليوم يرى بوضوح، كيف يعربد الكيان الاسرائيلي الغاصب، يفتك بالفلسطينيين ويعيث في الأرض الفساد، وقد كان قطاع غزة في الأسبوع المنصرم ميدانا لهجمات الصهاينة وطائراتهم، حتى سقط خلال خمسة أيام أكثر من 25 شهيد، بينهم قادة في المقاومة الشعبية، وأكثر من سبعين مصاباً وجريحاً، وتهديم عشرات من البيوت. فالحصار مستمر على قطاع غزة، حتى الكهرباء بالكاد تصلهم مدة ست ساعات يومياً، هي أقصى ما يمكن أن تنتجه محطة الكهرباء الوحيدة عندهم، علماً بأن الوقود اللازم لتشغيلها على وشك النفاذ إذا لم يتدارك الأمر وتقوم مصر، وهي الدولة العربية المسلمة، بتزويد الفلسطينيين بالوقود!.

إن المستفيد الأكبر من انشغال العرب ببعضهم البعض اليوم هي إسرائيل. فهي ماضية في مشاريع الاستيطان وتهويد القدس، ولقد بنت لحد الآن في أراضي جبل أبو غنيم جنوب القدس أكثر من ثلاثة آلاف وحدة سكنية، من أصل أربعة آلاف وحدة يعتزمون إنشاءها، فيما يبلغ المشروع الأساس سبعة آلاف وحدة سكنية معتمدة للبناء على أراضي الفلسطينيين، والمعدة لإسكان اليهود القادمين من دول أخرى.

أضف إلى ذلك، ما قامت به إسرائيل في الآونة الأخيرة من سحب لبطاقات الهوية الخاصة بالفلسطينيين المقدسيين، حتى وصل عدد الهويات المسحوبة أكثر من 14000 بطاقة، وذلك تمهيدا لإبعادهم عن القدس واحلال اليهود محلهم!، ناهيك عن وجود مائة ألف مقدسي مهددين بالطرد والابعاد من القدس، وقد هدمت إسرائيل لحد الآن 3800 منزل في القدس وهي لا تزال مستمرة في جريمتها.

فأين الجامعة العربية؟ وأين مجلس التعاون الخليجي؟ الذين يتصرفون وكأن أمر فلسطين لا يعنيهم، فيما تجدهم مشغولين حتى النخاع بإيران، والأوضاع في سورية، والخلافات الداخلية فيما بينهم، فهل يمت هذا التصرف للعقل بصلة؟ فها نحن نستخدم بأسنا الشديد فيما بيننا، ونسكت عن العدو المحتل، حتى بلغ الحال ببعض الحمقى والمغفلين أن يكتب بكل وقاحة أن إيران هي الأخطر على العرب والخليج من إسرائيل!. إيران بلد مسلم، والاختلاف السياسي بين الحكومات في مد وجزر، فمرة يتفقون وأخرى يختلفون، ولكن أن تكون إيران أخطر من إسرائيل؟ فأي عقل هذا؟

لقد كانت مفارقة عجيبة أن تتداول الجامعة العربية أو بعض دولها بشأن تسليح المعارضة السورية، فيما يلفها الصمت ازاء الانتهاكات الصهيونية. ولنا أن نتساءل اليوم لماذا لا تتجه الجامعة العربية وهذه الدول لتسليح المقاومة الفلسطينية في وجه العدو الصهيوني؟! والأشد غرابة أنه في حين يجري الحديث عن تسليح العرب ضد بعضهم، يقوم العرب أنفسهم بسد كل المنافذ الممكنة، حتى الأنفاق منها تحت الأرض، منعاً لإيصال المساعدات والسلاح لإخوانهم الفلسطينيين في قطاع غزة!. فعرب اليوم لا يمتنعون فقط عن تزويد الفلسطينيين المقاومين للاحتلال بالسلاح، بل تجتهد الحكومة المصرية في سد الأنفاق وبناء حاجز فولاذي تحت الأرض اقامته سلطة مبارك البائدة، هذه الحالة التي تعيشها الأمة اليوم حالة جنونية خاضعة لسيطرة الأهواء.

ومن مظاهر غياب العقل أن تقام في العديد من المساجد في بلادنا أدعية القنوت وعوضاً عن أن توجه سهامها للمحتلين الصهاينة فإنها تخصص للدعاء على أتباع المذاهب الإسلامية الذين يصفونهم بالمبتدعة والرافضة!. فهؤلاء يسكتون عن المحتلين لبيت المقدس والفاتكين بالشعب الفلسطيني، فيما يتوجهون بالدعاء على إخوانهم في الدين!. هذا قنوت يشيع روح التعصب الطائفي ويثير الناس على بعضهم البعض، وهي حالة أبعد ما تكون عن العقلانية. إن الاختلاف السياسي بين الافرقاء السياسيين أمر مفهوم، أما أن ينسحب الأمر إلى التعبئة الطائفية، واثارة الكراهية، وصناعة الأضغان والإحن في النفوس، وتهييج الناس على بعضهم بعضا، فهذا هو الجنون بعينه.

هناك ثمة مصالح مشتركة عند كل شعب ومجتمع وأمة، يجب أن يتمحور الجميع حولها. ولعل ما يسلينا و يعزز الأمل في نفوسنا أن هناك وعياً متنامياً في صفوف أبناء الأمة وهناك مقاومون واعون وإن كانوا قلة لكنهم هم المنتصرون إن شاء الله.

للمشاهدة:

الخطبة الأولى: خيركم لأهله

الخطبة الثانية: أين العقل في السياسة العربية؟

الجمعة بتاريخ 23 ربيع الآخر 1433هـ الموافق16 مارس2012م.
[1]  الكافي. ج8، ص219، حديث269.
[2]  من لا يحضره الفقيه. ج3 ص555، حديث4908.
[3]  نهج البلاغة.
[4]  تنبيه الخواطر، جج، ص122.
[5]  كنز العمال، ج16، ص332، حديث 44772.
[6]  بحار الأنوار. ج78، ص345.
[7]  وسائل الشيعة، ج20، ص214، حديث117.
[8]  الكافي، ج5، ص512، حديث6.
[9]  جامع أحاديث الشيعة، ج20، ص254، حديث 804.
[10]  مستدرك الوسائل. ج13، ص49، حديث17.
[11]  كنز العمال. ج16، ص275، حديث44435.
[12]  الكافي. ج4، ص11، حديث 1.
[13]  وسائل الشيعة، ج15، ص264، حديث20458.
[14]  من لا يحضره الفقيه. ج4، ص16.
[15]  سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، ج9، ص71.