الصفار.. الرقم الصعب

صباح عباس


قد يخيم السكون على أقلامنا بعض الوقت لكنه لن يستمر طويلا. إذ لا يمكن لأي عاقل أن يغمض بصره ويصم سمعه ويصادر ضميره لبيان وزارة الداخلية الصادر بتاريخ 20 فبراير 2012 م في اتهام سماحة الشيخ حسن الصفار بالتحريض وإثارة الفتن وما أعقب ذلك من الحملة الإعلامية المشحونة ضده في وسائل الإعلام والصحف المحلية للتشكيك في نواياه وأهدافه الاصلاحية والتشهير به والإساءة لشخصه بكل الوسائل الممكنة في محاولة جادة لتهميش دوره الفاعل والمؤثر وإخماد صوته وزعزعة ثقة مريديه وأتباعه من جانب. وتجييش الناقمين والحاقدين عليه من جانب آخر.

وكم ادهشني مستوى الشجاعة والثقة العالية التي كان يتمتع بها. وإنا اتابع تصريحاته وخطبه عقيب هذا البيان فهو لم يحيد قيد أنمله عن ما هو ماض عليه من مطالبته الحقيقية بالاصلاح والتغيير الشامل وأهمية التناصح السياسي والاجتماعي ما دام الفساد قائما وبان ذلك جليا في خطبة الجمعه الثانية في مدينة القطيف شرق السعوديه بتاريخ 24 فبراير 2012 م.

حيث قال: ان المنطقه العربية تمر بمنعطف خطير تحتاج معه الى الانفتاح والإصغاء لأصحاب الرأي في سبيل تجاوز حالة الجمود السياسي. كما هاجم مروجي ثقافة التخويف بين السنة والشيعة وإثارة القلق، واستنكر بقوة اقامة ندوة في الرياض بعنوان: "حقيقة المعتقد الرافضي وخطره على المجتمعات السنيه "، وقال: ان الخطر الحقيقي الذي يحيط بالأمة الإسلاميه هو خطر الهيمنة الاجنبية وإسرائيل. وأضاف: ان التخلف العلمي والفقر وتعثر التنمية هو الخطر الذي يجب ان نحذر منه، ودعا العقلاء في المجتمع الى الوقوف امام هذه اللغة التحريضية وان لا ينجروا الى هذه اللغة".

والحقيقة التي اريد ان اشير اليها هنا أن الكثير توقعوا ولعل البعض اجزم قائلا: ان حركة الشيخ الصفار قد تصاب بالعطب والجمود بعد هذا الاعلان لكن شيئا من كل هذه التوقعات لم يحدث بل ازداد قوة وشموخا إذ لا يمكن لأساليب الضغط ومحاولات الايذاء ان تنال من عزيمته وتشل حركته وتهبط بمستوى فاعليته. فكل يوم يأتي يكون اشد عودا واقوى وقودا وهذا ما يجب ان يعرفه اعداؤه أولا وقبل كل شيء.

لقد علمنا الشيخ ونحن نقرأ سيرته العطره ومسيرته الشامخة بأن اشواك الطريق لا تزيد المؤمن الواعي إلا ثباتا وإصرارا. وان من يحمل رسالة الاصلاح لابد ان يتحمل الاذى فالطريق لإحداث التغيير صعب مستصعب وما اكثر العراقيل التي كان يضعها المغرضون في طريقه طوال تلك السنوات وما احسبها إلا عتبات رفعت من شأنه وأعلت من مكانته.

ولقد لفت نظري بل ازداد اعجابي واحترامي بمستوى حرصه ودقته بالالتزام بالشعار التبليغي الذي كان يرفعه والذي كان يتصدر كل مؤلفاته وإصداراته لأكثر من ثلاثين سنه خلت والمتمثل في قوله تعالى في الاية الكريمة ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً.

هذا هو الصفار لم تغيره السنين ولم يحيد عن شعاره يوما فهو في الخمسين من عمره كما هو ابن العشرين يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، فكلماته الصادقة اضحت ترانيم وحي تنبض بالأمل وتدعو الى التفاعل الانساني في المجتمع الواحد والجسد الواحد والقلب الواحد.

ان المتتبع لخطواته الرسالية في نهجه الاصلاحي يرى ما لا يقبل الشك حضوره النابض في الساحة الثقافية والاجتماعية على اتساع رقعة الوطن ومحاولاته الدائبة لوحدة الكلمه ولم الشمل ونشر ثقافة الحب والاخاء بين الاشقاء وضرورة التعايش في التعاطي مع الاخر والتركيز على نقاط الالتقاء لا نقاط الاختلاف ولقد اجمع كل من عرفه على قدرته البالغه في تجاوز الخلافات وفن ادارتها وذلك بما وهبه الله تعالى من قدرات عقليه خلاقة وذكاء وفطنه قلما تجتمع لأحد والاهم من ذلك كونه احد ابرز الدعاة الى العمل الوحدوي ودعوته لنبذ ثقافة الكراهية ومحاربة الطائفيه ولقد طالب بتشريع قانونا لتجريم الكراهية والتحريض ضد الاخر وأعطى لذلك اهميه خاصة في احد خطبه يوم الجمعه المؤرخه في 11 مارس 2012 م.

وهاجم سدنة التخلف وحراس الاستبداد في الامة واتهم اتباع التيار الديني المتشدد بأنهم جعلوا من أنفسهم سدنة للتخلف وحراسة الاستبداد.

وقال: ان الفهم المتشدد للدين هو الذي جعل من الدين سببا للنزاعات والخصومات بين المذاهب والأديان.

وهنا اريد ان اوضح امرا في غاية الاهمية ان ما دفعي للكتابة اليوم هو الواجب والأمانة التي حمّلنا الله تعالى اياها بأن نقول الحق ونقف مع الحق «فالساكت عن الحق شيطان اخرس».

انها مسؤوليتنا أمام الله وأمام التاريخ وأمام الاجيال بأن لا نسكت سكوت الضعفاء الخانعين ونقف مكتوفين الايدي ونتفرج على ما حدث وما يحدث وما قيل وما يقال بل يجب ان يكون لكل فرد في الأمة دوره الانساني والديني في رفع الظلامه عمن تعرض للظلم فإننا موقوفون غدا للسؤال بين يدي السميع البصير الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء.

وأما الامر الاخر الذي اردت الاشارة اليه انني هنا لا امجد شخصا لشخصه بل امجد بطلا لصولاته وجولاته ومواقفه المشرفة فالماضي والحاضر شاهدين على تضحيات هذا المصلح الصابر واجتهاده وإخلاصه.

وهنا ادعو جميع اخواني في المذهب والمعتقد للإلتفاف حول قياداتنا ورموزنا وعلماؤنا وضرورة القراءة الواعية في نهضتهم وسيرتهم والإستفادة الحقيقية من حركتهم الجهادية ضد الفساد والانحراف وأهمية الوقوف الى جانبهم وضرورة التواصل معهم مع لحاظ انني لا ادعو الى الصنمية والانحناء امام الاشخاص بل أدعو إلى اللحمه بين الناس وعلماء الدين الاخيار فهذه احد ابرز ثوابتنا الاصيلة التي يجب ان نحافظ عليها.

كما انني ادعو جميع اخواني على تراب هذا الوطن الكبير الى نبذ الطائفية التي تدمرنا وتحولنا الى اشلاء لا حول لنا ولا قوة فنحن اخوة وإن اختلفت مشاربنا وتعددت اطيافنا وأعراقنا وأصولنا.

وأخص بقولي هنا الاعلاميين والمثقفين وأصحاب الرأي بأن لا يخوضوا مع الخائضين ويؤدوا دورهم بأمانة ويبتعدوا عن مناطق التوتر ونقاط الخلاف لأن مسؤوليتهم اكبر وأثقل وان لا يقفوا ما ليس لهم به علم فإن الله تعالى حذر من ذلك تحذيرا شديدا في كتابه المجيد حيث قال:

﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً.

كاتبة سعودية، صفوى.