حديث الفطرة عن الله

مكتب الشيخ حسن الصفار
الخطبة الأولى: حديث الفطرة عن الله

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ. [سورة الأعراف، الآية: 127].

يدرك كلّ إنسان بعقله ووجدانه ساعة يفتح عينيه على هذه الحياة، أنّ وجوده إنما جاء بفعل قوة خارجة عن حدوده الذاتية. حيث يدرك أنه ليس الموجد لنفسه، وذلك لأنه من حيث الأصل لم يكن موجودًا، فكيف يتسنّى له منح الوجود لنفسه!. وفيما لو تجرّأ أحد على الادّعاء بأنه قد أوجد نفسه، فهذا يعني بطبيعة الحال أنه قادر على إدامة وجوده في هذه الحياة، ولا أحد يدّعي ذلك، بل وأبعد من ذلك، لا يدّعي القدرة على دفع الضرر أو جلب المنفعة إلى نفسه على النحو الذي يريد، وهذا أمر وجداني يعيشه الإنسان في كلّ لحظة.

ومعنى ذلك أنه لا بُدّ وأن تكون هناك قوة خارجة عن وجود الإنسان، هي التي أوجدته وخلقته، وهنا يلتفت ذهن الإنسان وفطرته، إلى أنّ له خالقًا موجدًا قائمًا بذاته، ولا يحتاج لغيره، وهو الله سبحانه وتعالى، وبهذا المعنى يكون الإيمان بالله تعالى وتوحيده أمرًا فطريًّا وجدانيًّا تقرره حقيقة وجود الإنسان نفسه.

لقد أودع الله الحياة في الإنسان، وأشهده على نفسه، وقد شهد بفطرته ووجدانه أن الخالق الموجد هو الله سبحانه. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ  قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا  أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ﴾، ومعنى الآية الكريمة الذي يرجّحه العلماء المحقّقون، هو ما تشهد به حقيقة وجود الإنسان وخلق الحياة، هذه الحياة التي يشعر الإنسان فيها أنه مفتقر لغيره، وأنه ليس الموجد لنفسه، ولا قدرة لديه على إدامة وجوده، وذلك ما يكشف بطبيعة الحال عن قوة أخرى قد أوجدته وهي الله سبحانه وتعالى. وذهب البعض إلى القول في تفسير الآية بأنّ هناك عالماً، سبق عالمنا هذا، يقال له عالم الذّر، وقد حشر الله سبحانه وتعالى الناس على هيئة الذر، أي الوجود الضئيل، وهناك سألهم سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فأجابوا بالقول: ﴿بَلَىٰ شَهِدْنَا، حسبما ورد في بعض الروايات التي ذهبت في تفسير الآية وفق هذا المنحى، لكن فيها نقاشًا من حيث السند والمتن.

لماذا ينكرون وجود الله

قد ترين على قلب الإنسان ووجدانه بعض الشبهات والأهواء التي تصرفه عن الاعتراف بحقيقة خلقه ووجوده. ومن أسباب ذلك، ما يترتب على الاعتراف من آثار، وما يلزم من إخلاص العبادة له وحده، والخضوع له سبحانه، وذلك ما يتعارض بطبيعة الحال مع الشهوات والرغبات التي تأبى الخضوع والتزام أوامر الله، لذلك يلجأ الإنسان إلى إنكار هذه الحقيقة، كوسيلة للتهرب من التزام عبادة الله تعالى، لكنه يبقى مع ذلك إنكارًا ظاهريًّا، سرعان ما يتلاشى أمام شهادة أعماق نفسه بهذه الحقيقة الساطعة، وقد كشف سبحانه عن هذه الحقيقة في الآية الكريمة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا[سورة النمل، الآية: 14]، فسبب الإنكار، وفقًا للآية الكريمة، هو الظلم والتعالي، ومن ثم الاسترسال مع الرغبات والأهواء، فكانت أفضل وسيلة هي إنكار الخالق سبحانه تمامًا، حتى لا يرى المنكِر نفسه ملزمًا بالخضوع له.

حين تتجلى الحقيقة

وعادة ما يجد الإنسان نفسه في أوقات الشدائد والأزمات وجهًا لوجه أمام حقيقة وجود الخالق سبحانه، وإن تظاهر بإنكارها والغفلة عنها. وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، إنّ هذا المنكِر إذا ما كان على ظهر سفينة، وأحدق به الخطر، وسط الأمواج العاتية، فسرعان ما يبحث عن قوة أو جهة يمكن أن تنقذه مما هو فيه، فيقر حينها تلقائيًّا أنّ هناك قدرة ما في هذا الكون بيدها أزمّة الأمور فيلجأ لها، وهي قدرة الله سبحانه وتعالى. وهذا ما يشير تحديدًا إلى أن الإنسان عندما تحدق به الشدائد، فهو يصبح أمام الحقيقة الواضحة الجلية، بوجود الخالق القادر عزّ وجلّ. وفي هذا السياق يذكر أحد الباحثين أنه التقى أحد الشيوعيين العرب، وهو صاحب كتب ومؤلفات عديدة، فدار بينهما جدل حول حقيقة وجود الله التي ينكرها الشيوعي، حتى إذا انتهى الجدال، يروي الباحث أنه التفت إلى وجود صورة امرأة معلقة على الجدار، فسأل عن صاحبة الصورة، فأجاب الشيوعي: بأن تلك صورة لزوجتي يرحمها الله!، فهذا الشيوعي الذي استغرق في الجدل طويلًا منكرًا حقيقة وجود الله، إذا به في تلك اللحظة يقرّ عفويًّا بفطرته بأنه سبحانه قد توفى زوجته وهو الوحيد المسبغ للرحمة عليها!.

فولتير يعلن إيمانه أخيرًا

وعلى هذا النحو جرت الأمور مع كثير من المفكرين والفلاسفة، حيث يعترفون في لحظة ما بحقيقة الخالق سبحانه التي طالما أكثروا الجدل في إنكارها. فقد ورد في سيرة المفكر الفرنسي الشهير فولتير (1694 – 1778) رائد عصر التنوير الذي هزّ بأطروحاته الفكرية أوروبا والعالم، حتى قال عنه ديورانت في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة: إنّ فولتير ربما كان أعظم المفكرين حيوية ونشاطًا عبر التاريخ.

وقد وردت عنه أطروحات ضدّ الأديان، حتى قال ذات مرة ساخرًا: إنه قرأ 200 مجلد من كتب اللاهوت المسيحي، فتصورت نفسي مع قراءتها أنني أتنقل بين أقسام مستشفى للأمراض العقلية، فولتير الذي ولد مريضًا، ويعاني من الهزال، لدرجة لم يتوقع له الأطباء العيش أكثر من يوم واحد، عاش عمرًا مديدًا ناهز 84 عامًا، كتب خلالها 99 كتابًا ملأت عصره وشغلت الناس فكريًّا وعلميًّا، فهو من المفكرين الذين يستفيد القارئ حقًّا من علمهم وفلسفتهم، وكان هذا الرجل ضعيفًا في تعليمه وعمله، وكان والده يائسًا منه، حتى قال عنه: إنّ ابني لا يصلح لشيء، ولا يرجى منه خير، قبل أن يتفتّق عن ذلك الفكر العظيم الذي بلغ آفاق أوروبا والعالم.

شاهدنا من الحديث أنّ فولتير هذا ومع كلّ مارورد عنه من كفر بكلّ الأديان، ورفض الاعتقاد بالغيب، إلّا أنه في نهاية المطاف وجد نفسه أمام حقيقة وجود الخالق، على نحو لم يستطع إنكارها، حتى بنى بنفسه كنيسة في أواخر حياته، قال عنها: إنّها الكنيسة الوحيدة في أوروبا التي بنيت لعبادة الله، وكتب واصفًا إيمانه بالله، بأنه ليس على إيمان الطوائف المختلفة، بل إيمان بوجود الله الخالق القوي الذي يجزي بالحسنة ويأخذ بالسيئة. وقد تراجع عن كتاباته المسيئة للنبي محمد بعد أن اطّلع على سيرته، فعاد وكتب في امتداح النبي، والإشادة به في مؤلفاته الأخيرة.

البيئة الدينية الطاردة

هكذا يبدو الإيمان موجودًا في أعماق نفس الإنسان، لكن إعلانه هذه الحقيقة قد يتخلف لجملة أسباب. ومن تلك الأسباب وجود رد فعل على الحالة الدينية التي تنحرف عن قيم الدين، فالعيش في ظلّ بيئة دينية سيئة قد يدفع للتنكر لأصل الدين، لكن متى ما عاد الإنسان إلى نفسه وفطرته، يمكنه الفرز بين الحالة الدينية المنتسبة إلى الدين، وبين الدين نفسه، كحقيقة يقرّرها الوجدان.

من هنا، على الإنسان أن يستحضر في نفسه وجود الله سبحانه وتعالى، وأن يوثّق علاقته به، لا أن يقتصر في علاقته مع خالقه على أوقات الشدائد وحسب، فالوجود كلّه من الله، وحياتنا وآخرتنا كلّها مرتبطة بالله الخالق الرحيم، الذي إليه مرجعنا وبين يديه سبحانه حسابنا.

 

الخطبة الثانية: خطر الغفلة عن رعاية الأبناء

ورد عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه قال: «ضادّوا الغفلة باليقظة»[1]  .

تمثل الغفلة مشكلة حقيقية على مختلف الصُّعد، إلّا أنها تلامس حدّ الخطر عندما تطال مجال رعاية الأبناء. وقد جاء في تعريف الغفلة أنّها غيبة الشيء عن بال الإنسان، وعدم تذكره له، فليس بالضرورة أن يكون الإنسان جاهلًا بالشيء وإنما هو عارف به خير المعرفة، إلّا أنه قد يكون غائبًا عن باله، فلا يعود يتذكره، وتبعًا لذلك لا يعود الاهتمام به قائمًا، ولا يستطيع التعامل معه على النحو المناسب، مع علمه المسبق بأهميته، هذه هي الغفلة التي لا ينبغي أن يسمح الإنسان بأن تستولي عليه.

لا يجادل أحدٌ في أهمية إيلاء تربية وإصلاح الأبناء الاهتمام الأقصى، غير أنّ كثيرين ربما يغفلون عن هذا الأمر المهم. ولو استعرضنا حياة الفرد العادي لوجدنا اهتمامه متركّزًا قبل مرحلة الزواج على ذاته، غير أنّ ذلك ينبغي أن يتغيّر بعد أن يتزوج ويرزق بالأبناء، لتأخذ رعايتهم الأولوية القصوى عنده، منذ ولادتهم، وحتى يكبروا ويشقّوا طريقهم في الحياة، وليس هناك من شيءٍ يستحقّ أن يقدّمه الآباء على هذه الأولوية.

ومهما بلغت مكاسب الآباء في هذه الحياة، فإنها ستغدو بلا قيمة إذا ما قابلها فشل في تربية الأبناء، حتى صاروا فاشلين ومنحرفين، عندها لن يعوّض الأبوين كلّ متع العالم عن هذه الخسارة، وهما يريان أولادهما على حال بائس، بل ستتحول حياتهما إلى معاناة وجحيم لا يطاق، أقلًا على صعيد المشاعر والأحاسيس.

لقد ساهمت ظروف الحياة الحديثة في بعث اهتمامات كثيرة عند الآباء والأمهات، على حساب رعاية الأبناء. وقياسًا على الأزمان السابقة، التي كانت فيها الانشغالات قليلة، بات الآباء أقلّ اهتمامًا بتربية الأبناء في عصرنا الراهن المليء بالانشغالات التي لا تكاد تنتهي. كذلك الحال مع المحيط الاجتماعي، الذي كان عنصرًا مساعدًا في تربية الأبناء سابقًا، وبات اليوم عنصرًا معاكسًا يلعب دورًا غير بنّاء في تربية الأبناء، سيّما في ظلّ الحياة الصاخبة، والتدفق المتسارع لوسائل الإعلام والاتصالات. واللافت أنه في الوقت الذي باتت تربية الأبناء تتطلب اهتمامًا أكبر، يتجاوز بكثير ما كان يوليه الآباء في مرحلة زمنية سابقة، نجد آباء اليوم وقد انصرفوا نحو اهتمامات تجعلهم في غفلة عن رعاية أبنائهم.

أسباب الغفلة

ما هي يا ترى أسباب الغفلة التي تنتاب البعض حيال الأمور المهمة في حياتهم؟ إنّ سبب ذلك هو غياب الإدراك الملائم لأهمية تلك الأمور، ذلك أنّ هناك تناسبًا بين حضور الأمر في ذهن الإنسان، وإدراكه لأهميته، فبمقدار الاهتمام يكون الحضور في الذهن نشطًا.

ومن الأسباب الرئيسة للغفلة أيضًا، الانشغال عن الأكثر أهمية بما هو أدنى أهمية، كمن يجهد نفسه في الحصول على مقعد على الطائرة، ثم ينشغل بأشياء جانبية حتى تضيع عليه الرحلة التي استمات في اللحاق بها. من هنا نفهم سبب اهتمام برامج الإدارة الحديثة بترتيب جداول الأعمال، وحفظ المواعيد، عبر مختلف الوسائل، والغرض من ذلك تذكير الإنسان بالأولويات، حتى لا يتشتّت انتباهه بأشياء أخرى.

في العُطل انتبه لأبنائك

إنّ رعاية الأبناء لا بُدّ وأن تكون عملية دائمة مستمرة ما دام الأبناء لم يبلغوا سنّ الرشد. ولطالما قرأنا عن أناس يعربون عن الأسف لضياع أبنائهم نتيجة الغفلة عن رعايتهم لفترة معينة، بسبب ظروف طارئة ألمت بهم، أو انشغال أخذهم بعيدًا عن بيوتهم وأبنائهم، وما عسى يجدي الأسف بعد أن يسقط الأبناء في الهاوية. لذلك ينبغي ألّا يغفل الإنسان ولو لوقت قصير عن رعاية الأبناء والاهتمام بهم.

كما تتضاعف الحاجة إلى رعاية الأبناء خلال العطل المدرسية على وجه التحديد، سواء كانت أيامًا أو أسابيع، وذلك بالنظر إلى حالة الفراغ التي يعيشها الأولاد والبنات، فإذا لم يجرِ التوجّه نحو إغداق المزيد من العاطفة عليهم، وملء أوقات فراغهم بالبرامج المفيدة، فلربما حدث التحوّل السيئ في حياتهم خلال فترة أقصر مما يتخيّل الأبوان. وهذا ما تفيده التقارير السنوية التي تتناول تزايد قوائم المجرمين والمنحرفين في الفترات التي تعقب العطل الصيفية.

من هنا ينبغي أن يكون الإنسان دائم اليقظة، وأن يحذر الغفلة عن رعاية الأبناء. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه قال: «مَنْ عَرَفَ الأَيَّامِ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ الاسْتِعْدَادِ» [2]  ، ذلك أنّ من يدرك طبيعة الأوضاع في زمانه، فإنه ينبغي أن يضعها بعين الاعتبار في تعامله مع الأمور، وبالأخصّ فيما يتعلق بموضوع رعاية الأبناء والاهتمام بهم. فليس من المفهوم أن يترك ربّ العائلة زوجته وأطفاله خلف ظهره، ويسافر خارج البلاد طلبًا للراحة، ومن غير المفهوم أيضًا أن يترك بعض الآباء زوجته وأبناءه يسافرون بمفردهم فيما يتخلف هو عنهم دون مبرر مقبول، فمن يا ترى سيتولى رعايتهم والاهتمام بهم هناك، سيّما في ظلّ المحاذير الكثيرة المحيطة. وهذا ما يتطلب من الآباء البقاء قريبًا من أبنائهم، وألّا يتركوهم بعيدًا عن أعينهم مع التزام الأساليب المناسبة.

تأثير الأصدقاء على الأبناء

ولعلّ أحد أكثر الأخطار الناتجة لحالة الغفلة عند الأبوين، هي انزلاق الأبناء نحو الشلل الإجرامية المنحرفة. سواء كان ذلك من خلال الانخراط في صداقات مباشرة في المجتمع، أم من خلال الدخول في علاقات غامضة مع مجهولين في العالم الافتراضي، عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما يمكن أن يقود إلى عواقب وخيمة، تطال أخلاق واستقامة الأبناء.

ونظرة عابرة لأحدث التقارير عن انتشار المخدرات في المملكة تكفي للحذر على الأبناء، هذه الآفة المهلكة التي ما ابتلي بها شابّ إلّا قضت على مستقبله إن لم تقضِ على حياته، حيث تفيد التقارير بأنّ الجهات الأمنية في المملكة ألقت القبض خلال الأربعة أشهر الأولى من عام 1435ﻫ على 849 متّهمًا بتهريب وترويج المخدَِّرات، بينهم 278 سعوديًّا فيما بلغ عدد الأجانب 571 ينتمون إلى 31 جنسية.

وقد بلغت قيمة المخدِّرات المضبوطة في حوزة المتهمين نحو مليارين وثلاثة وتسعين مليون ريال. هذا ما يتعلق بالكميات المضبوطة فقط بحسب الجهات الرسمة، فما بالك بالكميات التي نجحت في العبور لأسواق وشوارع المملكة، وليس خافيًا أن بلادنا والدول الخليجية تُعَدّ من الأسواق المغرية لتجار المخدِّرات، لذلك ينبغي مرة أخرى أن نكون يقظين لما يجري حولنا، وأن نفتح أعيننا على رعاية أبنائنا.

دعوة إلى اليقظة والانتباه

إنّ النصوص الدينية تشدّد على دوام الانتباه واليقظة، والنأي عن الغفلة في كلّ الأمور. فقد ورد عن أمير المؤمنين أنه قال: «ضادّوا الغفلة باليقظة»، وفي ذلك دعوة صريحة لبقاء الإنسان متيقّظًا ومنتبهًا غير غافل عن الأمور المهمة في حياته، وألّا يتلهّى بالأمور الأقلّ أهمية على حساب الأهمّ، سواء في أمر دنياه أم آخرته. وقد تناولت آيات كثيرة في القرآن الكريم موضوع الغفلة، إلى درجة شبّه سبحانه وتعالى الغافلين عن أمور دنياهم وآخرتهم بأنهم كالأنعام، قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[سورة الأعراف، الآية: 179]، إنّ الغافلين أسوأ من الأنعام الغارقة في حالة الاسترسال، وغياب الأولويات في حياتها؛ لأنّها لا عقل لها يدفعها لليقظة وجدولة الاهتمامات.

ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ[سورة يونس، الآية: 7]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [سورة الأعراف، الآية: 205]، كما ورد عن أمير المؤمنين أنه قال: «احذروا الغفلة فإنّها من فساد الحسّ»[3]  ، ذلك أن الغفلة تكاد تكون معادلًا موضوعيًّا لحالة فساد الحسّ، وضعف الشعور بالمسؤولية، وغياب الوعي بالحياة.

الجمعة 20 جمادى الأولى 1435ﻫ الموافق 23مارس 2014م
[1] غرر الحكم ودرر الكلم، صفحة 243، حكمة 17.
[2] نهج البلاغة، خطبة الإمام عليّ المعروفة بالوسيلة.
[3] غرر الحكم ودرر الكلم، ص92، حكمة 44.