تطلّع الإنسان للخلود

مكتب الشيخ حسن الصفار

﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا 16 وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى[سورة الأعلى، الآيتان: 16-17].

تُعَدّ الرغبة في البقاء والخلود في الحياة مسألة غريزية متجذّرة، يشترك فيها كلّ البشر. ذلك أنّ الإنسان، بعد أن يذوق حلاوة الحياة، يقلقه هاجس الرحيل عنها، ويزعجه مجرّد التفكير في ترك الدنيا والخروج منها، هذه الرغبة في البقاء وتحاشي الموت، هي التي تحرّض الإنسان على دفع الأضرار والأخطار عن نفسه، كما تدفعه إلى التفكير فيما يخدم بقاءه في هذه الحياة.

الخلود وَهْمٌ أم حقيقة؟

وقد تساءل الفلاسفة منذ القدم، حول ما إذا كانت الرغبة في الخلود، هي رغبة وتطلّع إلى أمر وهمي، أم أنها تكشف عن سعيٍ لأمر حقيقي ممكن؟

ذهب العلماء والفلاسفة الربانيون إلى الاستدلال بوجود هذه الرغبة، على حقيقة وجود الآخرة والمعاد، فالإنسان لدية رغبة في الحياة الأبدية، والحياة الدنيا لا خلود فيها. من هنا يأتي السؤال، عن سبب إيجاد هذه الرغبة من قبل الله تعالى في نفس الإنسان؟ سيّما وأنه تعالى لم يجعل الرغبات والغرائز في نفس الإنسان اعتباطًا، بقدر ما ينبغي أن تكشف عن حقائق فعلية، وعلى الإنسان أن يفتش عن الطريق الصحيح الموصل إليها.

وتناول العالم الكبير الفيض الكاشاني، في تفسيره لوجود الرغبة في الخلود في نفس الإنسان، بقوله: «وكيف تنعدم النفس وقد جعل الله عزّ وجلّ بواجب حكمته في طبائعها محبّة الوجود والبقاء، وجعل في جبلّتها كراهة العدم والفناء، وقد ثبت وتيقّن أنّ بقاءها ودوامها في هذه النشأة الحسّية أمر مستحيل، فلو لم يكن هناك نشأة أخرى، تنتقل إليها، لكان ما ارتكز في طبائعها، وأودع في جبلّتها، في محبة البقاء الأبدي، والحياة السرمدية، باطلًا ضائعًا، تعالى الله عن ذلك»[1]  . فوجود الرغبة في الخلود عند الإنسان دليل على أنّ البقاء والخلود أمر قائم وممكن، ودليل على وجود عالم آخر لا بُدّ وأن يتحقق فيه، وغاية ما هناك، أنّ الرسالات السماوية ترشد الإنسان إلى أن هذه الرغبة، القابلة للتحقق وجدانًا، ليست في وارد التحقق في عالم الدنيا، وإنما في ذلك العالم آخر.

وكما قال أبو العلاء المعري:

خلق الناس للبقاء فضلت           أمّة يحسبونهم للنفاد

إنما ينقلون من دار أعمال         إلى دار شقوة أو سعاد

سعي الانسان نحو الخلود

إنّ الرغبة في الحياة أمرٌ فطري غريزي متجذّر في نفس الإنسان، منذ أن يفتح عينه على الدنيا، وهي رغبة مشروعة يعزّزها الدين. فلا يحقّ للإنسان شرعًا أن يختار الموت ويقتل نفسه، فالانتحار أمرٌ محرّم في كلّ الأحوال، حتى وإنْ كان على سبيل الموت الرحيم كما بات يعرف، وذلك بأن يختار المريض الذي لا يرجو الشفاء الموت على تكبّد آلام المرض طويلًا، فالبقاء على قيد الحياة قرار إلهي ينبغي أن يحترمه الإنسان. كما أنّ من النصوص الدينية ما يفيد بكراهة تمنّي الإنسان الموت.

ورد عن رسول الله أنه قال: «لا يتمنّى أحدكم الموت لضرٍّ نزل به»[2]  .

وعنه: «لا يتمنَّى أحدُكمُ الموتَ، إمّا محسِنًا فلعلَّه يَزدادُ، وإما مُسيئًا فلعلَّه يَستَعتِبُ»[3]  .

إنّ التشبّث بالبقاء على قيد الحياة أمرٌ فطري طبيعي، لذلك انطلت على أبينا آدم خدعة إبليس، ونجح في إخراجه من الجنة؛ لأنه دخل عليه من مدخل حبّه للخلود والبقاء، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ، فهي رغبة أصيلة متجذّرة منذ الإنسان الأول.

وما زال الإنسان في بحثٍ دائب عن تحقيق الرغبة في الخلود. ويتجلى ذلك في البحث عن سبُل إطالة عمره في هذه الحياة، فبعد أن كان معدّل أعمار البشر قصيرًا فيما سبق، دفع حبّهم للبقاء إلى تطويرهم أساليب وسبلًا تطيل أعمارهم، وكلما توفرت البيئة على سبل الرعاية الصحية المتقدمة، كان متوسط عمر الإنسان في تلك البيئة أطول من البيئات الأخرى.

إنّ متوسط أعمار الناس في اليابان يُعَدّ الأطول في العالم، بالنظر إلى توفرهم على رعاية صحية نموذجية، فقد بلغ متوسط العمر في اليابان (82.1) سنة. بينما جاء أدنى متوسط للأعمار في جمهورية انغولا الأفريقية، بلغ 38 سنة فقط، أي أقلّ من نصف متوسط عمر الفرد الياباني، وهكذا يتفاوت متوسط العمر من بلدٍ لآخر، تبعًا لمستوى الرعاية الصحية المتوفرة، فمتوسط العمر في الولايات المتحدة يفوق 78 سنة بقليل، ونيجيريا 46 سنة، و66 سنة في روسيا. وذكرت منظمة الصحة العالمية أنّ متوسط عمر الرجال في السعودية 74سنة، فيما بلغ متوسط عمر النساء 77 سنة. وهكذا لا يزال البشر في سعيٍ دؤوب لإطالة أعمارهم في هذه الحياة.

هل يطول العمر مئات السنين؟

 من الواضح أنّ هناك إمكانية نظرية لأن ينجح البشر في إطالة معدّل أعمارهم إلى أكثر مما هم عليه الآن، وعلى نحوٍ يمكن أن يبلغ مئات السنين. وقد كتب أحد الباحثين من القطيف، الأستاذ حسن الخاطر، كتابًا جميلًا تحت عنوان «الخلود البيلوجي»، تناول فيه الطموح البشري للخلود في هذه الحياة. وهناك في الوقت الحاضر بعض الحالات الفردية لبشر بلغت أعمارهم سنين متقدمة، حتى إنّ أكبر معمّر موجود في الهند، بلغ عمره 179 سنة، وهو مولود في مدينة بنغلور سنة 1835، ويُعَدّ الآن أكبر معمّر مسجل في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، وقد توفي جميع أبنائه وأحفاده، وهو ما يزال على قيد الحياة، وينقل عنه أنه لم يتقاعد عن العمل إلّا بعد أن بلغ 122سنة[4]  . وإن كانت هذه حالة فردية، إلّا أنّ العلماء ما يزالون في دأبٍ للوصول إلى إطالة أعمار البشر على نحوٍ يبلغون فيه المئات أو ربما الآلاف من السنين. ومع أنّ النهاية المحتومة للبشر هي الموت، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، إلّا أنّ الإنسان لا يريد أن يذوق طعم الموت، وإنما يبحث عن البقاء والخلود.

أين تتحقق رغبة الخلود؟

إنّ الله سبحانه وتعالى، ولسابق علمه برغبة الإنسان في البقاء والخلود، تعهّد سبحانه بأن يُحقّق له هذه الرغبة في عالم الآخرة. وهذا ما تؤكّده النصوص الدينية، فقد ورد عن رسول الله أنه قال: «ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار»[5]  ، وبذلك، فالرغبة في الخلود لم تأتِ من فراغ، وليست شكلًا من أشكال البحث عن السراب، وإنّما هي رغبة في طور التحقق، غاية ما هناك، أنّها ستأخذ مكانها للتحقق في دار أخرى، وعلى الإنسان أن يعمل لتلك الدار الأخرى، لأنّ بقاءه في الدنيا يظلّ محدودًا مؤقتًا، غير أنّ مشكلة الإنسان هي إيثاره للحياة الدنيا، وفقًا للتوصيف القرآني، في قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ.

لقد جعل سبحانه الخلود والبقاء في الحياة الآخرة، وما على الإنسان إلّا السعي بهذا الاتجاه. من أجل نيل الخلود في نعيم الآخرة، وقد ورد عن أمير المؤمنين أنه قال: «عجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء»[6]  ، وقال: «إِنَّكُمْ إِنَّما خُلِقْتُمْ لِلفَناءِ وَالتَّزَوُّدِ لِلْآخِرَةِ لا لِلْدُنيا وَالْبَقاءِ» [7] ، كما ورد عنه أنه قال: «ينبغي لمن أيقن ببقاء الآخرة ودوامها أن يعمل لها»[8]  . فما دام البقاء والخلود متحقّقًا في الدار الآخرة، فإنّ على المرء أن يعمل لتلك الدار، ولا يعني ذلك أن يهمل الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وذلك ما يشبه امتلاك الفرد رأس مال معيّن، وأمامه مهّمتان، مهمة أكثر أهمية وربحية من جميع النواحي، ومهمّة أخرى أقلّ أهمية، فإنّ من الطبيعي أن يخصص القسط الأكبر من رصيده لصالح المهمة الأكثر ربحية، دون أن يهمل الأخرى تمامًا.

من هنا، ينبغي للإنسان أن يصرف من وقته وجهده وماله واهتمامه لشؤونه في هذه الحياة الدنيا، لكن عليه في الوقت عينه أن يوفّر معظم رصيده ووقته وجهده لتلك الدار الآخرة، علمًا بأنّ ذلك لا يتنافى مع تمتع الإنسان في الحياة الدنيا. ذلك أنّ من يعمل للآخرة ليس مطلوبًا منه أن يجوع أو يعرى ويعاني في الدنيا، وإنّما يريد الله تعالى من الإنسان أن يتمتع بحياته الدنيا على أحسن وجه، على نحوٍ يأخذ مستقبله الأخروي في عين الاعتبار.

 

الخطبة الثانية: مكافأة الإحسان

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ. [سورة الرحمن، الآية: 60]

جبلت الفطرة الإنسانية على مقابلة الإحسان بالإحسان. فإذا ما تلقّى الإنسان إحسانًا من أحد، فسيكون ذلك سببًا لتنامي مشاعره الودّية تجاه ذلك المحسن، ما يدفع تلقائيًّا إلى ترجمة ذلك الإحسان إلى شكر مقابل، واستعداد لتقديم أيّ خدمة لقاء ذلك الإحسان، هذه حالة فطرية وجدانية عند بني البشر، فقد ورد عن رسول الله_ أنه قال: «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها»[9]  ، وورد عن الإمام عليّ أنه قال: «بالإحسان تملك القلوب»[10]  ، إنّ الإحسان من طبيعته أن يترك أثرًا في الطرف المُحسَن إليه.

حتى الحيوان يتأثر بالإحسان

وقد يتخطّى الأثر الإيجابي للإحسان إلى الحيوان أيضًا. فالحيوان ينجذب بطبيعته إلى من يعامله بالرفق والإحسان، وهذا أمر ملحوظ في علاقة الناس بالحيوانات، إضافة إلى ما كتب في هذا الصدد من الكتب والبحوث. بل إنّ اللافت على نحو أكبر، أنّ علاقة بعض الحيوان بالبشر ربما كانت أكثر وفاءً وإخلاصًا من بعض علاقة البشر ببعضهم بعضًا، وقد كتب العالم المسلم محمد بن خلف المعروف بابن المرزبان (توفي 309هـ) كتابًا تحت عنوان «تفضيل الكلاب على بعض من لبس الثياب» تناول فيه قصصًا لوفاء الكلاب لأصحابها، في مقابل انعدام هذه الصفة عند بعض البشر، نقيضًا لفطرتهم السوية.

وقد تناولت وسائل الإعلام مشاهد وقصصًا كثيرة في هذا السياق، ومن أواخر هذه القصص ما عرضه موقع العربية نت، ووسائل إعلام أخرى، من قصة البرازيلي الذي تعرّض لوعكة صحية دخل على إثرها المستشفى، وقد بقي كلبه الوفي «سيكو» في انتظاره على باب المستشفى مدة ثمانية أيام، في وقت لم يقم أحد من عائلة الرجل أو معارفه بزيارته أو الاطمئنان عليه، وقد بقي الكلب منتظرًا طوال هذه المدة، إلى أن سمح الأطباء في اليوم الثامن لصاحبه المريض بالخروج على كرسي متحرك، لرؤيته عند باب المستشفى، وقد أظهر الفيديو الذي عرضته القنوات، كيف انطلق الكلب نحو الرجل كالبرق، وأخذ يتمرّغ على قدميه ويتشممه ودموعه تجري[11]  . وهذا ما يظهر أنّ أثر الإحسان ليس مقتصرًا على البشر فقط. 

واستطرادًا، ينبغي الإشارة هنا، إلى عدم وجود أصل شرعيّ لذكر عبارة «أجلكم الله» أو «أكرمكم الله»، عند ذكر اسم حيوان من الحيوانات. فقد اعتاد بعض الناس على ذكر هذه العبارات كلما جاؤوا على ذكر الكلب أو الحمار أو البقرة في أحاديثهم، ونحن وإنْ كنّا نعد هذه العبارات من قبيل الاحترام والتقدير الذي اعتاد البعض تقديمه لمخاطَبيهم، بحكم التقاليد الاجتماعية، إلّا أنّه ينبغي التذكير أن جميع ذلك مما لا أصل ديني له، فهناك في القرآن الكريم سور بأكملها حملت أسماء الحيوانات؛ كالبقرة والفيل والنمل، ولم يذكر أحد من أئمة الإسلام، شيئًا من هذه العبارات التبجيلية أمام مستمعيه عند ذكره أسماء الحيوانات.

مبدأ يتجاوز الانتماءات والأديان

إنّ مكافأة الإحسان بالإحسان يُعَدّ مبدءًا عامًّا، غير مختصّ بلون أو فئة من البشر. وهذا بالتحديد ما تريد الآية الكريمة الإشارة إليه، في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ، فمقابلة الإحسان بالإحسان، ينبغي أن تكون سمة عامة في تعامل البشر بعضهم مع بعض، فأيّما إنسان أحسن إلى آخر، فإن المتوجب أخلاقيًّا، هو التفكير فورًا في الردّ على هذا الإحسان بإحسان مقابل، بصرف النظر عن خلفية ذلك المحسن الدينية والعرقية والقومية. وقد ورد أنّ الإمام جعفر بن محمد الصادق حين تلا الآية الكريمة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ أنه قال: «جرت في الكافر والمؤمن والبرّ والفاجر ومن صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، وليس المكافأة أن تصنع كما صنع، فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء»[12]  .

ورغم أن أحدًا لا يعترض على مبدأ ردّ الإحسان بالإحسان، لكون ذلك عملًا إنسانيًّا فطريًّا، إلّا أنّنا لا نعدم رؤية من يتنكر لذلك. فلا يعود يكافئ الإحسان بالإحسان، وتزداد حالة التنكر هذه جرّاء تقادم الزمن على الإحسان الذي أسبغه الآخرون عليه، أو نتيجة لخلاف أو سوء تفاهم ناشب بينه وبينهم، علمًا بأنّ الحاجة لتذكر إحسان الآخرين إنّما تغدو أشدّ إلحاحًا مع مرور الزمن، وحين الاستغناء عن ذلك الإحسان القديم، حيث إنّه مبدأ ملزم وواجب التنفيذ حتى مع تقادم السنين، فمرور الزمن لا يلغي ولا يجمّد تطبيق هذا المبدأ. وكذلك الحال حين ينشب الخلاف مع صاحب الفضل والإحسان القديم، لا يجوز أن تطغى مشكلة الخلاف البيني على شعور المرء بإحسان الطرف الآخر إليه في يومٍ ما.

وبالوالدين إحسانًا

إنّ النصوص الدينية تشدّد على استحضار مبدأ الإحسان مقابل الإحسان في كلّ الحالات. وهناك نماذج عديدة يمكن الإشارة لها في هذا السياق، منها ما يرتبط بالعلاقة بالوالدين، فلا أحد على الإطلاق يحسن للإنسان كإحسان الأبوين، وعلى نحوٍ لا يشبهه إحسان أحدٍ لأحد في هذا العالم، غير أنّ الأبناء سرعان ما يكبرون ويمتلكون وسائل القدرة، فلا يعودون يشعرون بالحاجة إلى الوالدين، وربما تقادم الزمن ببعض الأبناء حتى ينسون ما فعل الوالدان لأجلهم، وأيّ إحسان قدّماه لهم، ويتفاقم الحال أكثر حين يصبح الوالدان أو أحدهما في حالة نفسية أو صحية غير مؤاتية، وهنا تحديدًا ينبغي أن يتذكّر الأبناء مبدأ مكافأة الإحسان بالإحسان، بأن يتذكروا أن هذين الوالدين طالما أحسنا إليهم أيّما إحسان، وعلى نحو لو جند المرء كلّ حياته لأجلهما لما خرج من طوق إحسانهما. ومما ورد في هذا الشّأن، أنّ رجلًا شكى لرسول الله سوء خلق أمه، فقال: «إنّها لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر، وحين أرضعتك حولين، وحين سهرت لك ليلها، وأظمأت نهارها»، فقال الرجل: إني جازيتها، وحججت بها على عاتقي، فقال: «ما جازيتها ولا طلقة»[13]  .

لا تنسَ إحسان زوجتك

كما ينبغي عدم تجاهل مبدأ الإحسان ضمن سياق العلاقات الإنسانية الأخرى. ومن ذلك ما يندرج ضمن علاقة الرجل بزوجته، سيّما وأنّ الزوجة في مجتمعاتنا الشرقية تتحمل أعباءً كبيرةً في حياتها الزوجية، فهي التي تهيئ الطعام، وتغسل الثياب، والأهمّ من ذلك إنجابها وحضانتها للأبناء، حيث إنّ مهمتها لا تنتهي مع الإنجاب، وإنّما تتحمّل كامل المسؤولية عنهم منذ أن يفتحوا أعينهم على هذه الحياة، فهي التي ترضعهم، وتسهر على رعايتهم، وتداري مختلف شؤونهم حتى يبلغوا أشدّهم، بما في ذلك متابعتهم في مرحلة الدراسة والتعليم، وهذا الجهد الجبار الذي تقوم به المرأة، مما لا يجوز للزوج أن يتجاهله أو ينساه.

إنّ تقادم الزمن بالزوجين ينبغي ألّا يُنسي الزوج الإحسان الذي بينهما. سيّما مع بلوغ الزوجين سنًّا متقدمة، وفي ظلّ انتهاء دور الأمومة مع بلوغ الأبناء، أو عجز الزوجة عن القيام بأعباء المنزل. إنّ جميع ذلك لا ينبغي أن يُنسي الزوج إحسان هذه المرأة إليه، وإلى أولاده، كما ورد في قوله تعالى حول العلاقة بين الزوجين ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ.

كما أنّ المرأة هي الأخرى ينبغي ألّا تنسى فضل زوجها عليها، فقد ستر عليها، وأمتع حياتها، وقام بشؤونها، وكان أبًا لأبنائها، إلّا أنّ الخطاب هنا يتوجّه للرجل على نحو أكبر، لكونه الأكثر شعورًا بالاستغناء والاستقلالية عن المرأة.

ومن المشاهد اللافتة في هذا المجال، ما نقل عن رجلٍ أصيبت امرأته الطاعنة في السّن بالزهايمر، وفقدت الذاكرة إثر ذلك، غير أنّه لم ينقطع عن زيارتها في المستشفى في تمام الساعة الثامنة من صباح كلّ يوم، ليتناول الإفطار معها، وفي أحد الأيام كان الرجل نفسه يتلقى العلاج عند الطبيب، وأثناء ذلك كان قلقًا ينظر إلى السّاعة بين لحظة وأخرى، فسأله الطبيب عن سبب  قلقه، فأجاب بأنّ لديه موعدًا مهمًّا، فاستفسر الطبيب عن طبيعة ذلك الموعد، فأجاب الرجل بأنه على موعد يومي في الثامنة صباحًا مع زوجته الراقدة في المستشفى، فسأله الطبيب عن طبيعة مرضها، فأجابه الرجل بأنّها طاعنة في السّن ومصابة بالزهايمر، فسأل الطبيب الرجل، عمّا إذا كانت زوجته تتعرف عليه وهي مصابة بهذا المرض المسبّب لفقدان الذاكرة؟ فأجاب الرجل بالنفي، عندها تساءل الطبيب عن سبب حرص الرجل على الالتزام بموعد الذهاب لزوجته المريضة في الوقت المحدد، رغم عدم معرفتها به؟ فقال الرجل الكبير؛ نعم هي لا تعرفني، ولكني أعرفها.

ينبغي للإنسان أن يكون وفيًّا مع زوجته. حتى لو قُدِّر أنْ فارقها شرعًا، فليكن الفراق بإحسان، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، وقد جاء في آية أخرى التذكير الإلهي للإنسان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا.

إنّه ليقشعر البدن إزاء بعض الحالات التي يصبغها الجفاء وقلة الوفاء بين الأزواج، في حين يجدر بالإنسان أن يتذكّر دائمًا المبدأ القرآني الوارد في الآية الكريمة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ، فالأولاد الذين يسرّ المرء برؤيتهم، ألم يكن لتلك الزوجة الدور الأكبر في إنجابهم وتربيتهم وتنشئتهم؟ أفلا يعتبر هذا إحسانًا ينبغي أن يجازى بإحسان؟ أوَلا يشفع لها ذلك في التجاوز عن زلّاتها؟

التنكّر لإحسان الدائنين

أما النموذج الأخير الذي ينبغي فيه استحضار الإحسان، فهو في التعامل مع الدائنين. إذْ من الوارد جدًّا، أن يلجأ كثيرون من منطلق الحاجة إلى أن يقترضوا المال من غيرهم، فإذا ما تيسّرت أمور المقترض، وحان وقت السّداد، فعليه أن يبادر لأداء الدَّين، مع تقديم الشكر لمن أقرضه، أو صبر عن استرجاع حقّه، لكن بعض المديونين يتنكّر لإحسان الدّائن، بل يقابله بالإساءة والمماطلة، وربما قاد ذلك إلى نشوء المشاكل واللجوء إلى أروقة المحاكم، وذلك أبعد ما يكون عن مبدأ الإحسان مقابل الإحسان. ورد عن الإمام الصادق أنه قال: «لعن الله قاطعي سبيل المعروف، قيل: وما قاطعي سبيل المعروف؟ قال: الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره، فيمنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره»[14]  ، وهذا أمر مألوف، حيث إنّ كثيرين من أصحاب المعروف لديهم ما يكفي من الشواهد على نكران الجميل، ونسيان الإحسان الذي جادوا به على الآخرين، حتى لم يعد لديهم الاستعداد لتقديم المزيد من الإحسان للآخرين، في حين كان ينبغي مكافأة الإحسان بالإحسان، كأن يعيد للمقرض ماله بأكثر من القرض الأصلي، دون شرط مسبق.

هكذا ينبغي للإنسان أن يتذكر في كلّ الحالات مبدأ مكافأة الإحسان بالإحسان، هذا المبدأ الشرعي العقلي الوجداني، أثناء تعاملاته المختلفة مع الناس.

خطبتي الجمعة 14 جمادى الآخرة 1436هـ الموافق 4 أبريل 2015م
[1] محسن الفيض الكاشاني، علم الیقین في أصول الدين، ج 2، ص837.
[2] صحيح البخاري. ج4 ص173، حديث6351.
[3] صحيح البخاري. ج4 ص401، حديث7235.
[4] حسن الخاطر، الخلود البيلوجي، الطبعة الأولى 1435ﻫ، (القطيف: أطياف للنشر والتوزيع)، ص43.
[5] الشيخ الصدوق، الاعتقاد، باب (15)، ص47.
[6] غرر الحكم ودرر الكلم، ص261، حكمة2.
[7] عيون الحكم والمواعظ،ص174.
[8] عيون الحكم والمواعظ، ص555.
[9] كنز العمال، ج16، ص115، حديث 44102.
[10] غرر الحكم ودرر الكلم، ص163، حكمة5.
[11] العربية نت. الثلاثاء 15 جمادي الثاني 1435هـ الموافق 15 أبريل 2014م.
[12] بحار الأنوار، ج72، ص43، حديث7.
[13] السيد حسن القبانجي. شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين، ص٥٤٨.
[14] وسائل الشيعة، ج16، ص309، حديث 21624.