الحج‮: ‬ليشهدوا منافع لهم

الشيخ حسن الصفار * جريدة الأيام البحرينية - جريدة الأيام البحرينية

الحج عنوان لموسم روحي‮ ‬اجتماعي،‮ ‬يتفاعل معه كل المسلمين،‮ ‬الذين‮ ‬يربو عددهم الآن على المليار نسمة،‮ ‬في‮ ‬مختلف انحاء العالم‮.‬

صحيح ان من‮ ‬يشارك فعلا في‮ ‬مناسك الحج في‮ ‬حدود المليوني‮ ‬شخص،‮ ‬لكنهم‮ ‬ينتمون لمختلف الاعراق والشعوب والمجتمعات الاسلامية،‮ ‬كما ان انظار جميع المسلمين في‮ ‬هذا الموسم،‮ ‬تشخص باتجاه مكة والمشاعر المقدسة‮.‬
والحج عنوان لرحلة مادية معنوية،‮ ‬يقوم بها الانسان المسلم،‮ ‬بروحه وجسده وافكاره واحاسيسه،‮ ‬يقطع فيها مسافات المكان والزمان،‮ ‬ليتعلق بأستار الكعبة اول بيت وضع للناس،‮ ‬وليصافح الحجر الاسود‮ (‬يمين الله تعالى في‮ ‬الارض‮)‬،‮ ‬وليصلي‮ ‬عند مقام ابراهيم اب الانبياء،‮ ‬وليترسم خطوات رسول الاسلام محمد‮ (‬صلى الله عليه وآله وسلم‮)‬،‮ ‬حيث نشأ في‮ ‬بطاح مكة وانطلق بدعوته من‮ ‬غار حراء‮.‬

وإذا كان الحج معناه اللغوي‮: ‬القصد على جهة التعظيم،‮ ‬ومعناه الشرعي‮: ‬القصد الى بيت الله الحرام بأعمال مخصوصة في‮ ‬اوقات مخصوصة،‮ ‬حسب تعريف‮ (‬ابو البقاء‮) ‬في‮ ‬الكليات‮. ‬فإنه في‮ ‬الاساس من الظواهر الدينية العامة والقديمة،‮ ‬تقول الموسوعة العربية الميسرة‮: ‬عرف الحج منذ القدم،‮ ‬ودعت اليه الاديان السماوية الثلاثة،‮ ‬وكذلك عرف في‮ ‬سائر الديانات كالديانة الهندوسية التي‮ ‬من طقوسها الدينية الحج الى نهر الغانج‮ (‬مهَفه‮) ‬الذي‮ ‬يقع في‮ ‬الجزء الشمالي‮ ‬من الهند،‮ ‬يخرج من جبال الهملايا،‮ ‬ويجري‮ ‬جنوبا بشرق ليصب في‮ ‬خليج البنغال‮. ‬ولشهرة الحج كظاهرة دينية اشتهر تعريفه في‮ ‬الموسوعات الثقافية ودوائر المعارف العامة بأنه‮: ‬رحلة الى مكان مقدس لغرض ديني‮. ‬والاغراض الدينية التي‮ ‬يهدف اليها المتدينون من القيام بالحج تختلف باختلاف المعتقد‮ (‬مبادئ علم الفقه،‮ ‬الدكتور عبدالهادي‮ ‬الفضلي‮).‬

فلسفة الحج‮:‬


‮١- ‬اعمال الحج ومناسكه تدرب الانسان على الخضوع لله تعالى،‮ ‬فيما‮ ‬يأمر به وينهي‮ ‬عنه،‮ ‬وتؤكد في‮ ‬النفس حالة العبودية والانقياد لأوامره تعالى،‮ ‬على اختلاف اصنافها واشكالها،‮ ‬ومهما استلزمت من تعب وعناء،‮ ‬وحتى لو لم‮ ‬يعرف الانسان مقاصدها واغراضها المباشرة‮.‬

بدءا من عملية الاحرام،‮ ‬حيث‮ ‬ينزع الحاج ما كان اعتاد عليه من الملابس،‮ ‬ليرتدي‮ ‬قطعتي‮ ‬الاحرام ازارا ورداء،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يتقيد بمحظورات الاحرام،‮ ‬والتي‮ ‬تصل الى حوالي‮ ٥٢ ‬محظوراً،‮ ‬على اختلاف في‮ ‬بعضها وفي‮ ‬تفاصيلها بين فقهاء المسلمين‮. ‬ومرورا بواجب الطواف والسعي،‮ ‬والتقصير او الحلق،‮ ‬ورمي‮ ‬الجمار والذبح او النحر،‮ ‬والوقوف بعرفة ضمن زمن محدد،‮ ‬وكذلك المزدلفة،‮ ‬والمبيت بمنى،‮ ‬الى سائر شعائر الحج ومناسكه،‮ ‬والتي‮ ‬تشكل بمجملها دورة تدريبية،‮ ‬تربي‮ ‬الانسان على الطاعة والخضوع لخالقه،‮ ‬في‮ ‬مسائل الزمان والمكان،‮ ‬وما‮ ‬يرتبط بجسده،‮ ‬وحركته وسائر تصرفاته وممارساته‮. ‬يقول الامام علي‮ ‬عليه السلام‮: »‬وفرض عليكم حج بيته الحرام،‮ ‬الذي‮ ‬جعله قبلة للانام‮.. ‬وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته،‮ ‬واذعانهم لعزته‮«.‬

‮٢- ‬والحج ارتباط واتصال بالمسيرة الايمانية في‮ ‬بعد الزمان والمكان،‮ ‬والرموز والقيادات التاريخية،‮ ‬فلا‮ ‬يكون الدين مجرد عقيدة نظرية فكرية،‮ ‬بل حركة مستمرة عبر التاريخ،‮ ‬يرتبط بها المسلم،‮ ‬فيرى موقع انطلاقها،‮ ‬ويعيش في‮ ‬رحاب انبثاقها،‮ ‬ويتفقد الاماكن التي‮ ‬شهدت احداثها المصيرية،‮ ‬ويخترق الزمان ليتواصل مع حياة الانبياء،‮ ‬وسيرة الائمة والاولياء،‮ ‬ومواقف الصحابة والسلف الصالح،‮ ‬فهنا مقام ابراهيم،‮ ‬وهنا حجر اسماعيل،‮ ‬وهنا سعت هاجر،‮ ‬وهنا ولد النبي‮ ‬محمد‮ (‬صلى الله عليه وآله وسلم‮) ‬وفي‮ ‬هذا الغار‮ - ‬غار حراء‮- ‬كان بدء نزول الوحي‮ ‬والبعثة النبوية،‮ ‬وهنا اختبأ الرسول‮ - ‬في‮ ‬غار ثور‮ - ‬مع صاحبه ابي‮ ‬بكر عند هجرته الى المدينة،‮ ‬وهنا مسرح بطولات علي‮ ‬بن ابي‮ ‬طالب في‮ ‬بدر وأحد وخيبر والخندق،‮ ‬وهنا تضحيات الصحابة وشهداء الاسلام الاوائل‮.‬

ويشير الى هذه الحكمة الامام جعفر الصادق عليه السلام في‮ ‬حديثه عن الحج حيث‮ ‬يقول‮: »‬ولتعرف آثار رسول الله‮ (‬صلى الله عليه وآله وسلم‮)‬،‮ ‬وتعرف اخباره،‮ ‬ويذكر ولا‮ ‬ينسى‮«.‬

‮٣- ‬وفي‮ ‬الحج تتجسد امام المسلم عالمية الاسلام،‮ ‬ويشعر بانتمائه الى الامة الاسلامية العريضة،‮ ‬حيث‮ ‬يؤدي‮ ‬مناسك الحج ضمن حشد بشري،‮ ‬من مختلف الاعراق والقوميات والشعوب والقبائل والمذاهب والتوجهات المتعددة،‮ ‬التي‮ ‬يجمعها اطار الاسلام،‮ ‬وتوحدها شعائره واصوله واركانه،‮ ‬فقد‮ ‬يعيش المسلم في‮ ‬بلده وبين قومه،‮ ‬فلا‮ ‬يدرك اتساع رقعة الاسلام،‮ ‬ولا تنوع المجتمعات الاسلامية في‮ ‬انتماءاتها ومذاهبها،‮ ‬لكنه في‮ ‬الحج‮ ‬يلحظ هذا التنوع والتعدد تحت لواء واحد،‮ ‬وفي‮ ‬ظل راية الاسلام الواحدة،‮ ‬فكلهم مسلمون‮ ‬يطوفون حول كعبة واحدة،‮ ‬ويتجهون اليها في‮ ‬صلاتهم،‮ ‬ويرددون هتاف الاستجابة لأوامر الله‮: ‬لبيك اللهم لبيك،‮ ‬ويقومون بنسك موحد،‮ ‬فنحن جزء من أمة كبيرة،‮ ‬تعيش تنوعا وتعددية،‮ ‬ضمن المبدأ الواحد،‮ ‬ولا تؤثر تلك الانتماءات الاجتماعية والمذهبية المختلفة،‮ ‬على حقيقة وحدة الامة،‮ ‬واجتماعها على كتاب الله وسنة رسوله‮ (‬صلى الله عليه وآله وسلم‮).‬

‮٤ - ‬وللحج منافعه ومكاسبه العظيمة في‮ ‬جميع مجالات حياة الامة،‮ ‬السياسية والاقتصادية والاجتماعية،‮ ‬لذلك‮ ‬يتحدث الخالق تعالى عن منافع الحج بشكل مفتوح مطلق،‮ ‬يقول تعالى‮: (‬واذن في‮ ‬الناس بالحج‮ ‬يأتوك رجالا وعلى كل ضامر‮ ‬يأتين من كل فج عميق‮. ‬ليشهدوا منافع لهم‮). ‬وتنكير‮ (‬منافع‮) ‬للتعظيم والمراد منه الكثرة وهي‮ ‬المصالح الدينية والدنيوية‮ (‬تفسير التنوير والتحرير،‮ ‬محمد الطاهر ابن عاشور‮).‬

ويسأل الربيع بن خيثم الامام جعفر الصادق عليه السلام عن قوله تعالى‮:‬
‮(‬ليشهدوا منافع لهم‮) ‬منافع الدنيا او منافع الآخرة؟ فقال‮: ‬الكل‮.‬

جريدة الأيام البحرينية: الأحد 5 يناير 2005 م