ممارسة الحرية والدفاع عنها


ما عاناه الشيخ ابن إدريس الحلي من بعض الوسط العلمي الديني بسبب جرأته في الاجتهاد، وممارسة حقه في التعبير عن الرأي، بل القيام بواجبه الشرعي في تبيين ما يدين الله به من رأي وصل إليه اجتهاده، وهو حالة متكررة ومعاناة متجددة يواجهها العلماء الأحرار في تكفيرهم ومواقفهم في مختلف العصور.

وقد تحدث الشهيد الشيخ مرتضى المطهري في عدد من خطاباته وكتاباته عن هذه المشكلة التي تعيق تطور الفكر والفقه الإسلامي، ونقل في حديث له بعنوان (المشكلة الأساس في جماعة علماء الدين) عن الإمام السيد حسين البروجردي شكواه من الضغوط التي تقيده في الوسط الديني من إعلان بعض آرائه وفتاواه، قائلاً: «إن التقية من أصحابنا أهم وأعلى».

وأشار الشيخ المطهري- في كتابه محاضرات في الدين والاجتماع- إلى أن المسألة لا تقتصر على رفض طرح الرأي الجديد، وإنما حتى التجديد في الوسائل والأساليب المتداولة في الحوزة العلمية يواجه عوائق وممانعة، فالشيخ عبدالكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم اضطر للتراجع عن فكرة تخصيص دروس لتعلم اللغة الانكليزية في الحوزة آنذاك، بسبب ضغط بعض الجهات التي أثارت زوابع وتشكيكات بعدم جواز صرف الحقوق الشرعية على تعلم لغة الكفار!! بالطبع تجاوزت الحوزة العلمية في قم أخيراً هذه المشكلة وأصبح تدريس اللغات الأجنبية قائما.

وحين أعلن الإمام السيد محسن الحكيم تغيير رأيه وأفتى بطهارة أهل الكتاب (اليهود والنصارى ومن الحق بهم) ثارت ضده زوبعة من بعض الأطراف الدينية، ويشير الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه «فقه الإمام الصادق» إلى حساسية الأجواء الدينية من طرح مثل هذا الرأي الفقهي في مسألة جانبية فيقول:
«عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس، والثاني في قم، وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان، وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعا بالطهارة ـ طهارة أهل الكتاب ـ واسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفا من المهوّشين، على أن «الشيخ» يس كان أجرأ الجميع، وأنا على يقين بان كثيرا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة ولكنهم يخشون أهل الجهل، والله أحق أن يخشوه».
هذا كان قبل حوالي نصف قرن أما الآن فالرأي السائد بين الفقهاء هو القول بطهارة أهل الكتاب، بل هناك رأي بدأ يتبلور عند بعض الفقهاء بطهارة جميع الكفار فالإنسان لا يكون نجسا بسبب دينه وعقيدته.

ومع قوة شخصية وموقعية الإمام الخميني رحمه الله، فانه لما أفتى ببعض المسائل المخالفة للرأي الفقهي السائد، كفتواه بجواز الشطرنج إذا لم يكن فيه قمار مالي، ثارت ضده بعض الزوابع، وكتب له بعض تلامذته ناصحين بان لا يصدر مثل هذه الآراء المخالفة للمشهور، لان البعض يستغلها لتشويه سمعته والتشكيك في نزاهته!

وأشار الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي إلى أن كثيراً من العلماء يحملون رأيهم في صدورهم، ولا يبوحون به خشية الوقوع في الخلاف والاختلاف، وضرب مثلا على ذلك بقول الشيخ محمد أبو زهرة في احد المؤتمرات: انه عنده رأي كتمه عشرين عاما ويريد أن يبوح به الآن، وقال الشيخ القرضاوي: إنني كتمت بعض الفتاوي لسنين طويلة خشية أن يهاجمني المهاجمون ثم بدأت أفصح عن هذه الفتاوي وانشرها، (جريدة الشرق الأوسط 30/1/2001م).

إن الاستسلام لهذه المشكلة والخضوع لها، يكلف الإسلام والأمة ثمنا باهظا، فتشريع الاجتهاد ليس أمراً عبثياً، وليس مسألة ترفيه، وإنما لأن طبيعة الحياة والإنسان تقتضي ذلك، والاجتهاد يظهر حيوية الفكر والفقه الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان.

لكن الجمود والركود والوقوف عند آراء السلف والفتاوى المشهورة على حساب الدليل والبرهان، يفرغ الاجتهاد من محتواه، ويجعله عنوانا شكليا، حينما يجد الفقيه والمفكر نفسه مقيدا بالرأي السائد والمتداول.

والأمة الإسلامية تواجه اليوم تحديات كبيرة على مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والاجتماعية، فلا بد وان يجتهد علماؤها ومفكروها لتلمس طريق الخلاص، والارتقاء إلى مستوى التحدي، وذلك يستدعي استنهاض الفكر واستثارة الرأي، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه للأكفاء والمؤهلين، دون قيود سياسية أو اجتماعية.
إن حرية الفكر وحق التعبير عن الرأي مطلب إنساني، تتطلع إليه كل الشعوب، فهل يصح أن يحرم منه العلماء والمفكرون داخل أوساطهم؟

وإذا كان هناك من يتحدث عن بعض سلبيات حرية الرأي والفكر، فان مواجهة تلك السلبيات لا يكون بالقمع والحصار، وإنما بالمنازلة العلمية، والطروحات المنهجية التي ترشد المسار، فسلبيات الجمود والإرهاب الفكري أكثر ضررا واشد خطرا.

وأود أن أركز في نهاية حديثي على النقاط التالية:

1 ـ إن ممارسة الاجتهاد وإعطاء الرأي والفتوى في مسائل الفقه هو حق للمجتهد الفقيه دون من لا يمتلك هذه الكفاءة، كما أن للاجتهاد ضوابطه المقررة.

2 ـ إن حرية البحث والنظر ومجال التعبير عن الرأي هي من الأجواء الطبيعية للاجتهاد وتنمية القدرات والطاقات، وبلورة الآراء وإنضاج الأفكار وتكامل النظريات.

3 ـ إن الساحة العلمية الدينية بحاجة ماسة إلى وجود الفقهاء المتوفرين على الجرأة والشجاعة لمواجهة التحديات الخطيرة.

4 ـ إدارة الصراع الفكري والاختلاف العلمي يجب أن تتم وفق آداب الإسلام وأخلاقيات العلم والمعرفة، ولا يجوز استخدام الأساليب الخاطئة في إسقاط الأشخاص والتشكيك في النوايا، وتحشيد عواطف الجمهور.

5 ـ آن أن تنبثق داخل الأجواء العلمية والدينية جهات تتبنى الدفاع عن حرية الفكر وحق التعبير عن الرأي، فهناك شريحة واسعة في الوسط الديني تؤمن بذلك، لكنها لم تأخذ مبادرة لخدمة هذا التوجه، مما ترك الساحة فارغة لضغوط الأطراف المحافظة والممانعة للتغيير والتطوير، إن مستوى الوعي عند الجمهور قد تقدم، والإحساس بضرورة التجديد قد اتسعت رقعته، لكن العناصر الواعية في الوسط العلمي والديني بحاجة لتكثيف جهودها من أجل الدفاع عن حرية الفكر وحق التعبير عن الرأي.

الأربعاء 21 جمادى الآخرة 1426هـ الموافق 27 يوليو 2005م