القلق على الهوية بين الانفتاح والانطواء

 

يقول تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [سورة البقرة، الآية: 132].

يحرص كلّ مجتمع من المجتمعات البشرية على حفظ هويته الخاصة والاعتزاز بها.

والهُوية لغة: لفظ مشتق من الضمير (هو)، ويقصد به ذات الشيء بعناصره ومكوناته الثابتة. ويقال: هُوية بضم الهاء، أما هَوية بفتح الهاء هي البئر العميقة.

هُويّة المجتمع

وهُويّة كلّ مجتمع، هي السمات التي يتميّز بها عن المجتمعات الأخرى في انتمائه وثقافته وأنماط سلوكه، من حيث الانتماء العرقي أو الديني أو القومي أو أيّ انتماء فرعي آخر.

تتشكل الهُويّة الاجتماعية من عدة دوائر متداخلة ضمن العرق والدين واللغة وسائر الانتماءات. فيكون المجتمع مسلماً ضمن دائرة الهُويّة الدينية، متمايزًا عن اتباع الديانات الأخرى، ويكون عربيًّا متمايزًا عن أبناء سائر القوميات، ويكون من المذهب الفلاني، متمايزًا عن أتباع سائر المذاهب، وكذلك بالنسبة للانتماء القبلي أو المناطقي.

ويفترض في الحالة السويّة ألّا يكون هناك تضاد بين دوائر الهويّات، ولكن قد يحصل التضاد، ويفرض على المجتمع الانحياز إلى إحدى الدوائر التراتبية، إما من منطلق فكري، كالاعتقاد الديني والثقافة العنصرية، أو استجابة لتحدي الاستهداف المتوجه لدائرة بعينها.

فإذا تعرّض المجتمع للتضييق عليه بسبب إحدى دوائر انتمائه، فإنه يصبح أكثر انحيازًا لذلك الانتماء بفعل التحدي.

دور الهُويّة في المجتمع

إنّما تحرص المجتمعات على تعزيز هويتها، لأنّ لذلك دورًا في بناء قوتها وتنشيط فاعليتها.

أولًا: إنها تبعث الثقة والشعور بالذات في نفوس أبناء المجتمع.

ثانيًا: تحفّز المجتمع لمواجهة التحديات.

ثالثًا: تعزز التماسك والتلاحم الداخلي.

وفي المجال الديني، فإنّ الهُويّة الدينية تعني الانتماء إلى القيم الإلهية والمنهج الإيماني، الذي يقرب الإنسان إلى الله تعالى ويؤهله لرضاه، والآية الكريمة ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [سورة البقرة، الآية: 132] تبيّن اهتمام الأنبياء وتأكيدهم على أبنائهم حفظ هويتهم الدينية حتى الرمق الأخير من الحياة.

صراع الهُويّات

شاءت حكمة الله تعالى وجود التنوع بين بني البشر في هوياتهم وانتماءاتهم، لإظهار الابداع والقدرة الإلهية، ولإثراء الحياة.

يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ [سورة الروم، الآية: 22].

وعلى الناس مع اختلاف هُويّاتهم أن يتجهوا للتعارف والتعاون فيما بينهم، من أجل إعمار الكون وتسيير شؤون الحياة.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [سورة الحجرات، الآية: 13].

التنافس الإيجابي مطلوب في هذه الحياة، بين الأفراد وبين الجماعات المختلفة في انتماءاتها، لكنّ الطبيعة البشرية غالبًا ما تتجه للصراع والنزاع بين الهُويّات المختلفة، وكثيرًا ما تحصل حالات عدوان وجور من قبل هُويّة على أخرى، بقمعها أو السعي لإذابتها أو تهميشها والازدراء بها، بدافع الهيمنة والسيطرة. وحينئذٍ تكون الهُويّات قاتلة، على حدّ تعبير الكاتب والروائي اللبناني أمين معلوف[1] .

والتاريخ الماضي والمعاصر حافل بالصراع بين الجماعات والأمم والفئات المختلفة في هُويّاتها. وتتوجس كلّ فئة الخطر والقلق على هويتها من الفئات الأخرى.

الانطواء حماية للهُويّة

إنّ بعض المجتمعات قد يدفعها القلق على هُويّتها، خاصة الهُويّة الدينية والثقافية، للانغلاق والانطواء على نفسها، لتحمي هُويّة أبنائها من الذوبان في المحيط المختلف عنها.

فتكوّن لنفسها عالمها الخاص وتعيش همومها الخاصة، وتنعزل عن الأجواء الاجتماعية المحيطة بها، وتقلّ مشاركاتها وحضورها العام، وتتقلص صداقات وعلاقات أبنائها مع الآخرين.

وهذا الانغلاق والانطواء قد ينفع جزئيًّا ومرحليًّا، لكنه يضرّ بمستقبل المجتمع، ويؤدي إلى ضعفه وتراجعه، ويزيد من قوة منافسيه وقدرة مناوئيه على تهميشه والاضرار به.

وفي هذا العصر، فإنّ العزلة والانكفاء أكثر ضررًا وخسارة على أيّ مجتمع يختارها، ضمن محيطه المحلي والعالمي.

إنّ من مصلحة المناوئين لأيّ مجتمع في هُويّته، أن يدفعوه إلى العزلة والانكفاء، ليتكرّس في نفوس أبنائه الشعور بالضعف، وليبعدوهم عن ساحة المنافسة على المصالح والمكاسب والمشاركة في الشأن العام.

الانفتاح الواعي تعزيز للهّويّة

إنّ المسار الصحيح هو الانفتاح الواعي الذي يحفظ الهُويّة، ويضمن المشاركة والمنافسة الإيجابية مع الآخرين، في ميادين الحياة.

ويبدو أنّ المسلمين المتواجدين في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عدد من الدول الغربية، قد اختاروا هذا المسار وحققوا خلاله إنجازات ونجاحات حريّة بالدراسة والاهتمام.

كان كثير من المسلمين في أمريكا وأوروبا من المهتمين بانتمائهم الديني، عازفين عن الانفتاح على الحياة العامة للمجتمعات في البلدان التي يعيشون فيها، حفاظًا على هويتهم الدينية، وقد صنعوا لهم جوًّا اجتماعيًّا خاصًّا بهم، من خلال ما أقاموا من مساجد ومراكز ومدارس ونوادٍ، وانشغلوا بتداول قضاياهم وثقافتهم الدينية والاجتماعية، ولم يجدوا أنفسهم معنيين بالانخراط في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي للمجتمعات التي يعيشون بينها.

حذرًا من أن يتأثروا بالأفكار والسلوك السائد غير المنسجم مع معتقداتهم واتجاهاتهم الدينية والثقافية.

فأصبحوا يعيشون على هامش تلك المجتمعات، وكأنهم وجود غريب، مع أنهم اكتسبوا كلّ امتيازات المواطنة في تلك البلدان على المستوى النظامي والقانوني.

وحين قبلوا لأنفسهم العزلة والانكفاء، افتقدوا القدرة على التأثير والنفوذ وصاروا في مواقع التّأثّر، حيث تتخذ القوى الأخرى قرارات لا تراعي مصالحهم ولا مشاعرهم.

الوعي الجديد في الجاليات الإسلامية

بدأ ينمو وعي جديد في أوساط الجاليات الإسلامية في الدول الغربية، يحفّزهم على تجاوز حالة الانكفاء والانطواء، ويدفعهم إلى الاندماج والمشاركة في الحياة العامة لأوطانهم الجديدة. مع الاعتزاز بهُويّتهم الدينية، والثقة بانتمائهم الثقافي والاجتماعي.

واكتشفوا قدراتهم الكامنة، وأنهم يستطيعون التأثير في محيطهم، وتحقيق إنجازات تجعلهم في موقع الاحترام والنفوذ، وبذلك يكونون أقدر على حماية هُويّتهم والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم من خلال الانفتاح والمشاركة.

ورأينا كيف حقق المسلمون فوزًا قياسيًا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة (نوفمبر 2025م)، الذي يمثل نقطة تحوّل في مسار حضورهم السياسي والاجتماعي.

فقد ترشح في هذه الانتخابات 76 مسلمًا، فاز منهم 38 بمناصب تتنوع بين عُمد مدن وأعضاء مجالس تشريعية، ونواب حكّام ولايات.

ومن أبرز تلك المناصب فوز مسلم (زهران ممداني) بمنصب عمدة مدينة نيويورك لأول مرة في تاريخها، وهي أكبر المدن الأمريكية وأكثرها تأثيرًا في المال والإعلام، كذلك انتخاب (غزالة هاشمي) نائبًا لحاكم فرجينيا.

وفي بريطانيا انتخب (صادق خان) كأول مسلم لتولي منصب رئيس بلدية العاصمة البريطانية لندن سنة 2016م، وجدد انتخابه لفترة ثالثة سنة 2024م.

تغيير في نمط التفكير

وما كانت هذه الإنجازات لتحصل لولا التغيير الذي حصل في نمط التفكير عند المواطنين المسلمين في أمريكا وأوروبا، حيث تصاعد نشاط الجاليات الإسلامية التنظيمي داخل تلك المجتمعات بعد أن كان نشاطهم مقتصرًا على داخلهم.

وأصبحت لهم مؤسسات تهتم بالتدريب والتأهيل والتمويل للعمل الوطني العام، وليس فقط بناء مساجدهم، وإقامة برامجهم الخاصة، والاهتمام بداخل مجتمعهم الخاص.

صارت نخبهم تشارك في التفكير حول المشاكل والقضايا التي تهمُّ عامة المواطنين، مما يرتبط بإدارة الحياة وجودتها وتيسير أمور المعيشة وتحقيق العدالة.

وبرزت منهم شخصيات ونماذج أثبتت كفاءتها وجدارتها، واكتسبت ثقة مواطنيها من مختلف الأديان والقوميات.

الرؤية الإسلامية

إنّ الإسلام يربي أبناءه على الاهتمام بالناس والحياة وينمّي فيهم النزعة الإنسانية التي تتجاوز الانتماءات الدينية والعرقية والطبقية، فـ «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ نَفَعَ عِيَالَ اللَّهِ»[2] ، كما ورد في الحديث عن رسول الله .

وكما ورد عن أمير المؤمنين علي : «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»[3] .

إننا نعاني في أوساط مجتمعاتنا الدينية من انتشار ثقافة تدعو إلى الانكفاء والانغلاق الديني والمذهبي، حيث تصنع كلّ جماعة وكلّ أتباع مذهب لأنفسهم سياجًا يفصلهم عن الآخرين من مواطنيهم، بمبرر الحفاظ على الهُوية والخصوصية، وذلك ما يكرّس حالة التباعد والقلق المتبادل. ويضعف روح التواصل والاندماج الوطني.

إنّ الانفتاح الواعي على المحيط الوطني، هو ما يعزّز الهُوية الدينية، ويهيّئ لأجواء الثقة المتبادلة بين المكونات الوطنية والاجتماعية، ويبرز الكفاءات والقدرات في أبنائها، ويُشجّع فرص المنافسة الإيجابية.

ولا يصحّ أن تكون الهوية الدينية عائقًا لحركة المجتمع وتفاعله مع الآخرين، بل يجب أن تكون دافعًا للفاعلية في ساحة الحياة والعلاقات النشطة مع المحيط الاجتماعي.

يقول تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [سورة المائدة، الآية: 48].

توجيهات أئمة أهل البيت

وكان أئمة أهل البيت يوجهون الأكفاء من تلامذتهم للتصدّي للشؤون العامة والمشاركة الاجتماعية، والحضور في ساحة الأمة، فقد أمر الإمام محمد الباقر أبان بن تغلب، أن يتصدّى للإفتاء بين الناس، وقال له فيما روي عنه: «اِجْلِسْ فِي مَسْجِدِ اَلْكُوفَةِ وَأَفْتِ اَلنَّاسَ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُرَى فِي شِيعَتِي مِثْلُكَ»[4] .

وفي رواية أخرى قال له: «جَالِسْ أَهْلَ اَلْمَدِينَةِ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَوْا فِي شِيعَتِنَا مِثْلَكَ»[5] .

وشجّع الإمام جعفر الصادق عبدالله بن النجاشي على التصدي لولاية الأهواز، في زمن المنصور العباسي، وكتب له رسالة توجهه لخدمة الدين والمجتمع، من خلال منصبه[6] .

كما شجّع الإمام موسى الكاظم علي بن يقطين، أن يدير حكومة هارون الرشيد، وأصرّ عليه أن يستمر في هذه المهمة.

وجاء في وصية رواها زيد الشّحام عن الإمام جعفر الصادق : لأتباعه: «يَا زَيْدُ، خَالِقُوا النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ، صَلُّوا فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ فَافْعَلُوا»[7] .

وحينما شكا (أَبو عَلِيٍّ الْحَرَّانِيِّ) أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق إليه أنّ إمام جماعة المسجد في محلته يُسيء إلى أتباع أهل البيت في حديثه، وأنه سيترك الحضور إلى المسجد، بسبب ذلك، نهاه الإمام ، وشجّعه على تكثيف الحضور في المسجد، وعدم العزلة عن جمهور الناس، وقال له: «مَا عَلَيْكَ مِنْ قَوْلِهِ، وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَأَنْتَ أَحَقُّ بِالْمَسْجِدِ مِنْهُ، فَكُنْ أَوَّلَ دَاخِلٍ وَآخِرَ خَارِجٍ، وَأَحْسِنْ خُلُقَكَ مَعَ النَّاسِ، وَقُلْ خَيْرًا»[8] .

 

خطبة الجمعة 7 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق 28 نوفمبر 2025م.

[1]  أمين معلوف، الهويات القاتلة، ورد للطباعة والنشر، دمشق، ط1، 1999م.
[2]  الشيخ الكليني، الكافي، ج٢، ص١٦٤، ح6.
[3]  نهج البلاغة، من عهد له كتبه لمالك الأشتر النخعي.
[4]  رجال النجاشي، ص10.
[5]  رجال الكشي، ص330.
[6]  السيد الخوئي، معجم رجال الحديث، ج11، ص382، رقم 7200.
[7]  الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه، ج1، ص383، 1128.
[8]  الشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام، ج3، ص55، ح102.