الإمام علي وريادة الوقف الخيري
يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة يس، الآية: ١٢].
امتازت شخصية أمير المؤمنين علي
وسيرته بالريادة والتفوق في جميع مجالات الفضل والكمال، لكنّ بعضها لم تسلّط عليه الأضواء بالقدر المطلوب، ومنها ريادته في إنشاء الأوقاف الخيرية الإنسانية.
والوقف ظاهرة إنسانية قديمة تعبّر عن نزعة الخير التي أودعها الله تعالى في أعماق نفس الإنسان، وتدلّ على الاهتمام بمصالح الأجيال اللاحقة.
والوقف لغة: الحبس.
واصطلاحًا: حبس العين بأن لا يتملكها أحد، وتسبيل منافعها لما وقفت عليه. فيقال: وقف الرجل داره أو بستانه، أي أخرجه من ملكيته وجعله وقفًا، لا يمتلكه أحد، ليستفاد من منافعه عبر الزمن للجهة المعينة للوقف. ووقف هي الأصحّ، أما أوقف فهي لغة رديئة غير فصيحة.
الصدقة الجارية
ولأنّ الدين جاء لينمّي نزعة الخير والعطاء عند الإنسان، فقد شجّع على البذل والإنفاق، وأكّد على سنة الوقف، ووصفه بأنه صدقة جارية، أي مستمرة دائمة، ينال الإنسان منها الثواب والأجر في حياته وبعد وفاته، مهما تعاقبت العصور والأجيال.
وتشير الآية الكريمة، قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة يس، الآية: ١٢].
إلى أنّ أعمال الإنسان في الخير والشر، تسجّل وتكتب في صحيفته، وكذلك إن كانت لها نتائج وآثار مستقبلية، فإنها تسجّل وتكتب أيضًا في كتاب وسجل وثائقي مرجعي، تُحصى فيه كلّ الحوادث والأعمال، صغيرة كانت أم كبيرة، وبشكل واضح بيّن لا لبس فيه ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾.
فإذا وقف الإنسان وقفًا لعمل الخير، فإنّ آثار عمل الخير من ذلك الوقف تُكتب في سجل أعماله، وينال أجرها وثوابها.
فمن بنى مسجدًا - مثلًا - فإنه يكتب له ثواب بناء المسجد، وهو معنى ﴿َنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾، أي العمل الذي أنجزوه وقدموه، كما يكتب له ثواب آثار المسجد في حياة الناس، كلّما صلى فيه أحد، أو أقيمت فيه صلاة الجماعة، أو انعقدت فيه حلقات دروس، وألقيت فيه المواعظ والإرشادات، وهو معنى ﴿وَآثَارَهُمْ﴾.
وقد جاء عن رسول الله
: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[1] .
وجاء عن الإمام جعفر الصادق
: «لَيْسَ يَتْبَعُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنَ الْأَجْرِ إِلَّا ثَلَاثُ خِصَالٍ، صَدَقَةٌ أَجْرَاهَا فِي حَيَاتِهِ فَهِيَ تَجْرِي بَعْدَ مَوْتِهِ، وَسُنَّةُ هُدًى سَنَّهَا فَهِيَ يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ»[2] .
وقد بادر رسول الله
للعمل بسنة الوقف، فوقف عدة بساتين على الفقراء والمساكين، والغزاة المجاهدين، وذوي الحاجات، كما شجّع أصحابه المتمكنين على وقف بعض ممتلكاتهم، حتى ورد عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنه قال: «لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ ذُو مَقْدُرَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَقْفًا»[3] .
الريادة في الوقف الخيري
وكانت لعليٍّ الريادة والتميّز من بين الصحابة في هذا المجال، كما في سائر مجالات الفضل والكمال. رغم أنه لم يكن يعمل في التجارة، كما كان كبار الصحابة من قريش.
وقد أصدر الأستاذ عبدالله بن محمد بن سعد الحجيلي، أستاذ الأنظمة الإسلامية بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، كتابًا توثيقيًا مهمًا، بعنوان: (الأوقاف النبوية وأوقاف الخلفاء الراشدين) ضمّنها فصلًا يقع في حوالي 200 صفحة تمثل نصف الكتاب تقريبًا، عن أوقاف أمير المؤمنين علي
، وأوقاف البضعة النبوية فاطمة الزهراء
.
وقام برصد أوقاف الإمام علي
في المدينة المنورة، وفي ينبع، وفي وادي القرى ومدينة العلا، وفي بحرة الرجلاء قرب خيبر، وفي قرية خيبر، فبلغت 33 وقفًا.
ذكرها بأسمائها وأنواعها وتاريخها وأماكنها، وما ورد من صيغ الوقفية لها، والاستفادة الفقهية من نصوص تلك الصّيغ الوقفية، وأسماء النظّار على كلّ واحد منها عبر التاريخ، والاعتداءات التي حصلت على كلّ واحد منها، ونهاية أمر هذه الوقوفات إلى عصرنا الحاضر[4] .
لقد اتسعت الرقعة الجغرافية لأوقاف أمير المؤمنين علي
، فلم تقتصر على المدينة المنورة التي كان يقطنها بعد الهجرة، وله فيها سبعة أوقاف، بل امتدّت أوقافه إلى قرية خيبر التي تبعد عن المدينة حوالي 153كم، وكان له فيها خمسة أوقاف من الأودية الزراعية وأربعة آبار.
ووصلت أوقافه إلى مدى أبعد، وهي وادي القرى، ومدينة العلا، التي تبعد عن المدينة حوالي 400كم، وله فيها خمسة أوقاف.
لكنّ المساحة الأوسع من أوقاف أمير المؤمنين
كان في قرية ينبع النخل، وهي تبعد عن المدينة حوالي 240 كم، وفيها ستة أوقاف كبيرة ضخمة الإنتاج.
فأحد أوقافه
في ينبع النخل، وقف ضيعة عين أبي نيزر، نسبة للقائم بأمرها، وهو مولى للإمام علي اسمه (أبو نيزر). وقد جاء في الكامل للمبرد أنّ معاوية عرض على الحسين بن علي أن يشتريها منه بـ (مائتي ألف دينار)، فأبى أن يبيعها، وقال: «إنّما تَصَدَّقَ بِها أبي لِيَقِيَ الله بِها وَجهَهُ حَرَّ النّارِ، ولَستُ بائعَها بشَيءٍ»[5] .
وذكروا أنه قد بلغ جزاؤها (أي مقدار غلتها وثمرتها) في زمن أمير المؤمنين علي
ألف وسق[6] . والوَسْقُ: سِتُّون صاعًا، وهو حِمْلُ بَعِيرٍ[7] .
وحكى ابن شبّه أنّ الإمام عليًّا قد اشترى أرضًا واسعة في ينبع، من عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، بـ (30) ألف درهم[8] ، ثم أضاف إليها عيونًا كثيرة، وكان يتوطن ينبع بعد وفاة النبي
، وفي خلافة أبي بكر وعمر، وأكثر من الإقامة فيها في خلافة عثمان.
بل استمر هذا التردد إلى ينبع حتى إبّان خلافته، رغم ما كان في خلافته من الحوادث الجسام، فقد كانت أوقافه من أهمّ اهتماماته، فقد ذكر المبرد عند ذكره لوقفية عين أبي نيزر (أنها كانت لسنتين من خلافته)[9] .
أغراض الأوقاف العلوية
أما أغراض تلك الأوقاف وجهات مصارفها، فتفيد النصوص المنقولة من وصايا الإمام علي
ووثائق أوقافه، أنها كانت تتمحور حول الأغراض الإنسانية والاجتماعية، كمساعدة الفقراء والمساكين، والحجيج لبيت الله الحرام، والمسافرين المنقطعين (ابن السبيل)، وتزويج المحتاجين للزواج، وأداء ديون المعسرين، وتوفير النفقات لأرحامه، من بني هاشم وبني عبدالمطلب، خاصة ذوي الفضل والدين منهم.
وفيما يلي نماذج مما نُقل من نصوص وقفياته
:
1/ وقفه على فقراء المدينة:
جاء في كتاب الكامل للمبرّد عن أبي نيزر: جاءَني عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ أميرُ المُؤمِنينَ وأنَا أقومُ بِالضَّيعَتَينِ؛ عَينِ أبي نَيزَرَ وَالبُغَيبِغَةِ، فَقالَ لي: هَل عِندَكَ مِن طَعامٍ؟ فَقُلتُ: طَعامٌ لا أرضاهُ لِأَميرِ المُؤمِنينَ؛ قَرعٌ من قَرعِ الضَّيعَةِ، صَنَعتُهُ بِإِهالَةٍ سَنِخَةٍ[10] . فَقالَ: عَلَيَّ بِهِ، فَقامَ إلَى الرَّبيعِ ـ وهُوَ جَدوَلٌ ـ فَغَسَلَ يَدَيهِ، ثُمَّ أصابَ مِن ذلِكَ شَيئًا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرَّبيعِ، فَغَسَلَ يَدَيهِ بِالرَّملِ حَتّى أنقاهُما، ثُمَّ ضَمَّ يَدَيهِ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما إلى أُختِها وشَرِبَ بِهِما حُسًى[11] مِنَ الرَّبيعِ، ثُمَّ قالَ: يا أبا نَيزَرَ، إنَّ الأَكُفَّ أنظَفُ الآنِيَةِ. ثُمَّ مَسَحَ نَدى ذلِكَ الماءِ عَلى بَطنِهِ، وقالَ
: مَن أدخَلَهُ بَطنُهُ النّارَ فَأَبعَدَهُ اللهُ! ثُمَّ أخَذَ المِعوَلَ وَانحَدَرَ فِي العَينِ، فَجَعَلَ يَضرِبُ، وأبطَأَ عَلَيهِ الماءُ، فَخَرَجَ وقَد تَفَضَّجَ[12] جَبينُهُ عَرَقًا، فَانتَكَفَ العَرَقَ عَن جَبينِهِ[13] ، ثُمَّ أخَذَ المِعوَلَ وعادَ إلَى العَينِ، فَأَقبَلَ يَضرِبُ فيها، وجَعَلَ يُهَمهِمُ، فَانثالَت كَأَنَّها عُنقُ جَزورٍ، فَخَرَجَ مُسرِعًا، فَقالَ: أُشهِدُ اللهَ أنَّها صَدَقَةٌ، عَلَيَّ بِدَواةٍ وصَحيفَةٍ. قالَ: فَعَجَّلتُ بِهِما إلَيهِ، فَكَتَبَ: بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ. هذا ما تَصَدَّقَ بِهِ عَبدُاللهِ عَلِيٌّ أميرُ المُؤمِنينَ، تَصَدَّقَ بِالضَّيعَتَينِ المَعروفَتَينِ بِعَينِ أبي نَيزَرَ وَالبُغَيبِغَةِ عَلى فُقَراءِ أهلِ المَدينَةِ وَابنِ السَّبيلِ؛ لِيَقِيَ اللهُ بِهِما وَجهَهُ حَرَّ النّارِ يَومَ القِيامَةِ، لا تُباعا ولا توهَبا حَتّى يَرِثَهُمَا اللهُ وهُو خَيرُ الوارِثينَ، إلّا أن يَحتاجَ إلَيهِمَا الحَسَنُ أو الحُسَينُ فَهُما طِلقٌ[14] لَهُما، ولَيسَ لِأَحَدٍ غَيرِهِما[15] .
2/ إسكان خالاته وذرياتهن:
جاء عن الإمام جعفر الصادق
: «تَصَدَّقَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ بِدَارٍ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فِي بَنِي زُرَيْقٍ فَكَتَبَ «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ» هَذَا مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ حَيٌّ سَوِيٌّ، تَصَدَّقَ بِدَارِهِ الَّتِي فِي بَنِي زُرَيْقٍ صَدَقَةً لاَ تُبَاعُ وَ لاَ تُوهَبُ حَتَّى يَرِثَهَا اللهُ الَّذِي يَرِثُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَسْكَنَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ خَالاَتِهِ مَا عِشْنَ وَ عَاشَ عَقِبُهُنَّ فَإِذَا اِنْقَرَضُوا فَهِيَ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»[16] .
3/ حجيج بيت الله وعابري السبيل:
ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «قَسَمَ نَبِيُّ اللهِ
الْفَيْءَ فَأَصَابَ عَلِيًّا
أَرْضًا فَاحْتَفَرَ فِيهَا عَيْنًا فَخَرَجَ مَاءٌ يَنْبُعُ فِي السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ عُنُقِ الْبَعِيرِ، فَسَمَّاهَا يَنْبُعَ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ يُبَشِّرُ فَقَالَ
: بَشِّرِ الْوَارِثَ، هِيَ صَدَقَةٌ بَتَّةً بَتْلًا فِي حَجِيجِ بَيْتِ اللهِ وَعَابِرِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، فَمَنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»[17] .
4/ لبني فاطمة وبني هاشم وعبدالمطلب:
عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى الكاظم
بِوَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
.. ومما جاء فيها: مَا كَانَ لِي مِنْ مَالٍ بِيَنْبُعَ يُعْرَفُ لِي فِيهَا وَمَا حَوْلَهَا صَدَقَةٌ وَ رَقِيقَهَا غَيْرَ أَنَّ رَبَاحًا وَأَبَا نَيْزَرَ وَجُبَيْرًا عُتَقَاءُ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فَهُمْ مَوَالِيَّ يَعْمَلُونَ فِي الْمَالِ خَمْسَ حِجَجٍ وَفِيهِ نَفَقَتُهُمْ وَرِزْقُهُمْ وَأَرْزَاقُ أَهَالِيهِمْ وَمَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ لِي بِوَادِي الْقُرَى كُلُّهُ مِنْ مَالٍ- لِبَنِي فَاطِمَةَ وَرَقِيقُهَا صَدَقَةٌ وَمَا كَانَ لِي بِدَيْمَةَ وَأَهْلُهَا صَدَقَةٌ غَيْرَ أَنَّ زُرَيْقًا لَهُ مِثْلُ مَا كَتَبْتُ لِأَصْحَابِهِ وَمَا كَانَ لِي بِأُذَيْنَةَ وَأَهْلُهَا صَدَقَةٌ وَالْفُقَيْرَيْنِ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ صَدَقَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَإِنَّ الَّذِي كَتَبْتُ مِنْ أَمْوَالِي هَذِهِ صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ بَتْلَةٌ[18] حَيًّا أَنَا أَوْ مَيِّتًا يُنْفَقُ فِي كُلِّ نَفَقَةٍ يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَوَجْهِهِ وَذَوِي الرَّحِمِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ فَإِنَّهُ يَقُومُ عَلَى ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْفِقُهُ حَيْثُ يَرَاهُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي حِلٍّ مُحَلَّلٍ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ»[19] .
5/ للتزويج والديون:
ذكر البلاذري في أنساب الأشراف هذا النص: هَذَا مَا وَقَفَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوْصَى بِهِ أَنَّهُ وقف أرضه الَّتِي بَيْنَ الْجَبَلِ وَالْبَحْرِ أَنْ يُنْكَحَ مِنْهَا الأَيِّمُ، وَيُفَكَّ الْغَارِمُ[20] .
6/ وقفيات مختلفة:
ذكر الخصاف في أحكام الأوقاف وثيقة وقف لعلي
جاء فيها: أبتغي بها مرضاة الله، ليدخلني الله بها الجنة، ويصرفني عن النار، ويصرف النار عنّي، في سبيل الله، ووجوهه تنفق في كلّ نفقة في سبيل الله، ووجهه في الحرب والسلم، والحياة وذوي الرحم البعيد والقريب، لا يباع ولا يوهب، ولا يورث[21] .
وعن أبي معشر قال: كان علي بن أبي طالب: اشترط في صدقته أنها لذوي الدين والفضل من أكابر ولده[22] .
وفي كنز العمال عن أبي جعفر: فجعلها عليٌّ صدقة فكتبها: صدقة لله تعالى يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ليصرف الله بها وجهه عن النار، صدقة بته بتله، في سبيل الله تعالى للقريب والبعيد، في السلم والحرب، واليتامى والمساكين وفي الرقاب[23] .
مصادر الممتلكات الموقوفة
الأوقاف التي وقفها أمير المؤمنين علي
، لم تكن من إرث ورثه من أسرته، ولا من عمل تجاري، وإنما كانت في الأغلب نتاج عمل وكدح وإشراف مباشر من قبله.
كان يعمل ويكدح من أجل أن يعطي ويتصدق ويوقف، ولم يكن يستمتع بدخل عمله في حياته الشخصية.
ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «لَقَدْ أَعْتَقَ - علي
- أَلْفَ مَمْلُوكٍ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ، كُلُّ ذَلِكَ تَحَفَّى فِيهِ يَدَاهُ[24] وَتَعْرَقُ جَبِينُهُ، الْتِمَاسَ وَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْخَلَاصِ مِنَ النَّارِ، وَمَا كَانَ قُوتُهُ إِلَّا الْخَلَّ وَالزَّيْتَ، وَحَلْوَاهُ التَّمْرُ إِذَا وَجَدَهُ، وَمَلْبُوسُهُ الْكَرَابِيسُ[25] »[26] .
وجاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد في ذكر صدقات أميرِ المُؤمِنينَ
: كانَ يَعمَلُ بِيَدِهِ، ويَحرُث الأَرضَ؛ ويَستَقِي الماءَ، ويَغرِسُ النَّخلَ، كُلُّ ذلِكَ يُباشِرُهُ بِنَفسِهِ الشَّريفَةِ، ولَم يَستَبقِ مِنهُ لِوَقتِهِ ولا لِعَقِبِهِ قَليلًا ولا كَثيرًا، وإنَّما كانَ صَدَقَةً[27] .
وتشير بعض النصوص إلى أنّ بعض الأراضي التي استصلحها أمير المؤمنين وزرعها ثم وقفها، كانت من نصيبه من الفيء، عبر مشاركته في غزوات رسول الله
، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «قَسَمَ نَبِيُّ اللهِ
الْفَيْءَ فَأَصَابَ عَلِيًّا
أَرْضًا فَاحْتَفَرَ فِيهَا عَيْنًا فَخَرَجَ مَاءٌ يَنْبُعُ فِي السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ عُنُقِ الْبَعِيرِ، فَسَمَّاهَا يَنْبُعَ»[28] .
وذكر البلاذري بسنده إلى جعفر بن محمد (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقْطَعَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَرْبعَ أَرْضِينَ: الْفَقِيرَيْنِ، وَبِئْرَ قَيْسٍ، وَالشَّجَرَةَ)[29] .
وجاء في أخبار المدينة: أقطع النبي
عليًّا بذي العشيرة من ينبع، ثم أقطعه عمر بعد ما استخلف إليها قطيعة، واشترى عليٌّ إليها قطعة، وحفر بها عينًا[30] .
وجاء فيه أيضًا عن جعفر عن أبيه: أنّ عمر أقطع لعليٍّ ينبع، ثم اشترى عليٌّ إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عينًا[31] .
لكنّ الدكتور الشيخ محمود المظفر في كتابه (إحياء الأراضي الموات) استبعد ذلك تمامًا، انطلاقًا من موقف الإمام علي
الرافض لسياسة إقطاع الأراضي من قبل الخلفاء[32] .
وهناك أراضٍ اشتراها أمير المؤمنين
من أصحابها، ونمّاها ووقفها، كالأرض الزراعية التي اشتراها من عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، بـ (30) ألف درهم[33] ، ويبدو من بعض النصوص أنه أضاف إليها أراضيَ أخرى.
الاقتداء بعليٍّ في الوقف
إنَّ علينا أن نستوحي من هذه السيرة للإمام علي
أهمية الوقف الخيري، فنبادر للاقتداء به، بتخصيص جزءٍ من أموالنا وممتلكاتنا كوقف خيري لوجه الله تعالى، من أجل خدمة الدين والمجتمع، لنستفيد من عائد الأجر والثواب، بعد الرحيل من هذه الدنيا.
وقد حرص أسلافنا على الالتزام بهذه السنة الحسنة، ونحن نستفيد اليوم من بركات أوقافهم، ولم تكن الوفرة المالية في زمنهم بمستوى زمننا الحاضر. لكنّ الملاحظ قلّة الأوقاف الجديدة في مجتمعنا المحلي، في الوقت الذي تشهد مناطق أخرى في المملكة نهضة وإقبالًا على الأوقاف الخيرية.
إنه لمن الجدير بكلّ ميسور في المجتمع، بعد توفير متطلبات حياته الأساسية، أن يفكّر في إنشاء وقف، يكون له صدقة جارية، يكسب منها الأجر والثواب الدائم.
وقد وجدت بعض المؤمنين في أكثر من بلد، يوقفون جزءًا من مشاريعهم الاستثمارية في بداية إنشائها، بأن يجعل عشرة في المئة مثلًا من المصنع أو المزرعة، أو المشروع العقاري وقفًا، وأكثرهم كانوا يتحدثون عن البركة والنجاح في تلك المشاريع التي جعلوا لله تعالى فيها نصيبًا كشراكة في المشروع.
كما يمكن إنشاء وقف جمعي، بنظام الأسهم والحصص، بأن يشتري الإنسان فيه عددًا من الأسهم، لتكون وقفًا لله تعالى.
إحياء ثقافة الوقف
إنّ نزعة الخير لم تضمر في نفوس أبناء مجتمعاتنا، لكننا بحاجة إلى مزيد من التذكير والتحفيز، وبث ونشر ثقافة الوقف بالترغيب فيه، واستحضار النصوص الدينية التي تحث عليه، واستعراض عطاء الأوقاف ودورها في تاريخ الأمة، وواقعها المعاصر.
ومما يساعد على ذلك توفير الاستشارات، والمساعدة على تسهيل الإجراءات الوقفية، والتوجيه إلى الحاجات والأغراض المهمة، لتتجه لها الوقفيات الجديدة.
وقد حققت بعض المراكز التي أنشئت لتقديم الاستشارات الوقفية في المملكة تجارب ناجحة رائدة، ومنها مركز وثيقة للاستشارات الوقفية التابع لمؤسسة (ساعي لتطوير الأوقاف)[34] وهي مؤسسة حديثة مضى على إنشائها بضع سنوات، حيث يفيد موقع المؤسسة: أنّ قيمة الأوقاف المستفادة من المركز بلغت أكثر من مليار ونصف المليار[35] .
وهناك مركز آخر في المملكة تأسس عام 2006م لنفس الغرض، بعنوان (استثمار المستقبل)، جاء في تقرير عنه أنّ المركز أسّس أكثر من 4500 وقف داخل المملكة، وأشرف على تأسيس العديد من المراكز الوقفية، وساهم في تطويرها[36] .
إنّ من يوفقهم الله في مجتمعنا لوقف شيءٍ من ممتلكاتهم، غالبًا ما يوقفون للأغراض الدينية المباشرة كالمساجد والحسينيات، وإقامة المجالس والشعائر، للنبي وأهل بيته
.
وهو أمر جيّد مطلوب، وفيه الأجر والثواب، لكن هناك حاجات وأغراض إنسانية واجتماعية وحضارية، لا تقلّ أجرًا وثوابًا، بل قد تكون أكثر أجرًا وثوابًا من الوقوفات الدينية إذا كان الموجود منها كافيًا.
وحتى في الجانب الديني هناك أغراض وجوانب مغفول عنها، فمثلًا: ابتعاث طلبة العلوم الدينية، والإنفاق عليهم، بما يمكنهم من التفرغ لأداء مهماتهم. وتأسيس مراكز أبحاث ودراسات في المعرفة والثقافة الدينية، والاهتمام بوسائل الإعلام والنشر الثقافي المعرفي.
وهناك حاجات اجتماعية لا بُدّ من التوجه لها، كدعم الجمعيات، والمؤسسات الخيرية والاجتماعية والثقافية، والأندية الرياضية.
ونقرأ في تاريخنا الإسلامي عن أوقاف خيرية للمستشفيات، وللإنفاق على المرضى وعلاجهم، بل هناك من وقف للمرضى مراوح خوص لاستخدامها وقت الحر، وفي بعض المجتمعات الإسلامية كان وقف لتخصيص موظفين يمرون بالمستشفيات للحديث مع المرضى لرفع معنوياتهم.
ومن ألوان الوقف في التاريخ الإسلامي التي تعالج مشكلات في تلك الأزمنة، وقف الزُبادي، وهي آنية من خزف أو فخار، قد تسقط من يد العامل أو الخادم والخادمة، فتسبب مشكلة له مع من يخدمهم، فتأسس وقف لإعطائهم آنية سليمة بدل المكسورة.
وأوقاف خيرية تنفق على أسر السجناء وعوائلهم، وأوقاف لرعاية الحيوانات المسنة والمريضة والتائهة[37] .
وهناك وقف في مدينة مشهد لإطعام القطط الضالة. وفي بلادنا القطيف يوجد وقف لإزالة (العناصيص) أي الأحجار الناتئة في الطرقات، ووقف لوضع علامات في طريق البحر بين مدينة القطيف وجزيرة تاروت، حيث لم يكن جسر، وكان يسمى (مقطع).
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «فَمَنْ آتَاه اللهُ مَالًا فَلْيَصِلْ بِه الْقَرَابَةَ - ولْيُحْسِنْ مِنْه الضِّيَافَةَ ولْيَفُكَّ بِه الأَسِيرَ والْعَانِيَ - ولْيُعْطِ مِنْه الْفَقِيرَ والْغَارِمَ[38] ، ولْيَصْبِرْ نَفْسَه عَلَى الْحُقُوقِ والنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ - فَإِنَّ فَوْزًا بِهَذِه الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا - ودَرْكُ فَضَائِلِ الآخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ»[39] .






