منوهًا بموسوعة فقه العلاقة مع الآخر الديني
الشيخ الصفار: الشراكة الإنسانية أساس العلاقة مع الآخر الديني
دعا سماحة الشيخ حسن الصفار إلى ضرورة تكثيف جهود التوعية والتثقيف التي تقوم على احترام حق أتباع الديانات الأخرى في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية، والتعامل معهم بالعدل والإحسان.
وشدد على أهمية ترسيخ الرؤية الدينية الصحيحة في التعامل مع الآخر الديني كشريك في الإنسانية والحياة.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 20 رجب 1447هـ الموافق 9 يناير 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: الآخر الديني شريكنا في الإنسانية والحياة.
وأوضح سماحته أن العلاقة مع الآخر الديني في عصرنا الحاضر تمثل قضية بالغة الأهمية، في ظل تطور الحياة، وتشابك المصالح بين شعوب العالم، والانفتاح المتزايد بين المجتمعات الإنسانية، الأمر الذي يفرض وعيًا دينيًا متوازنًا ومنفتحًا.
وأشار إلى الجدل الذي يتجدد مطلع كل عام ميلادي حول حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية، أو مشروعية المشاركة فيه وتهنئة المسيحيين بهذه المناسبة.
وتابع: إن أبرز المؤسسات والمرجعيات الدينية الإسلامية، كمراجع الشيعة والأزهر الشريف ورابطة العالم الإسلامي، أكدت عدم الممانعة من ذلك ما لم يقترن بمحرمات ومفاسد، وأن التهنئة تندرج في إطار حسن الجوار والعلاقات الاجتماعية الإيجابية.
وبيّن أنه في المقابل هناك علماء وتيارات إسلامية ترى ذلك غير جائز شرعًا، وأنه نوع من التشبه بغير المسلمين الذي ورد النهي عنه من رسول الله
، وأن ذلك ينافي عقيدة الولاء والبراء ويضعفها، وأن فيه نوعًا من الإقرار بغير الحق.
وذكر أن الجهات المتطرفة والإرهابية عادة ما تستغل هذه المناسبة والأجواء لتنفيذ أعمال عنف تستهدف الكنائس، وتجمعات المحتفلين برأس السنة الميلادية.
ودعا الشيخ الصفّار إلى تبني نظرة موضوعية وإيجابية تجاه الآخر الديني، تنطلق من الإنسانية المشتركة، مؤكدًا أن الاختلاف في الدين لا يسوغ إساءة التعامل، وأن المسلم مطالب عقلًا وشرعًا بالإحسان إلى عباد الله جميعًا، كما يحب أن يُحسن الآخرون التعامل معه.
وأعرب عن تفاؤله بالجهود المعاصرة للحوار والتفاهم بين قيادات الأديان المختلفة، بما يعزز التعاون في المشتركات الإنسانية، ويؤسس للتعارف والحوار العلمي البنّاء.
ولفت إلى أن الآخر الديني شريك في الإنسانية والحياة، تتداخل مصالحه مع مصالحنا، وقد يكون جارًا أو زميل عمل أو دراسة أو شريكًا في الوطن.
وتابع: إن كثيرًا من الحروب الدينية المأساوية عبر التاريخ كانت نتيجة فهم خطأ للدين أو استغلاله من قبل قوى متسلطة لتحقيق الهيمنة والنفوذ.
وأكد على أهمية مراجعة الموروث الفقهي والحديثي المتعلق بالعلاقة مع أتباع الديانات الأخرى.
وتابع: إن بعض الآراء الفقهية والمرويات التي تنافي حسن العلاقة الإنسانية، تحتاج إلى إعادة بحث وتمحيص علمي، للتحقق من مدى مطابقتها لمبادئ الدين ونصوصه المحكّمة، وصحة تنزيلها على الواقع المعاصر المختلف عن الظروف التاريخية والبيئية التي صدرت فيها.
ومضى يقول: إن هذه المهمة تقع في صميم مسؤولية فقهاء الأمة المعاصرين، داعيًا إلى مقاربة أمثال هذه المسألة الحساسة بعقل منفتح، ومنهجية علمية موضوعية، وبشجاعة في التعبير عن الرأي الاجتهادي، حتى وإن خالف آراء السلف أو الرأي الفقهي السائد والمشهور.
وفي هذا السياق، أشاد بالجهد العلمي المتميز الذي قدّمه الفقيه الشيخ حسين الخشن، في دراسته حول العلاقة مع الآخر الديني، حيث أصدر موسوعة علمية طُبع منها ستة مجلدات، في نحو خمسة آلاف صفحة، تحت عنوان: «فقه العلاقة مع الآخر الديني».
وبيّن أن الموسوعة تناولت تعريف الآخر الديني بمختلف مكوناته، ثم القواعد الشرعية التي تنظّم العلاقة معه، والتطبيقات العملية في مجالات العلاقات الاجتماعية والمدنية والسياسية.
واعتبر الشيخ الصفّار أن هذا العمل يشكّل نموذجًا لما تحتاجه الأمة اليوم من فقهائها، بالانشغال بالقضايا الحاضرة بدل الاقتصار على إعادة تناول الموضوعات القديمة المكررة في الفقه والأصول.






