البعثة النبوية شهادة العقل والوجدان

 

يقول تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [سورة العنكبوت، الآية: 48].

يحتفي أتباع أهل البيت ، في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، بذكرى المبعث النبوي الشريف، وهو حدث عظيم يستحقّ الاحتفاء به، ويُمثّل نعمة كبرى امتنَّ الله بها على المؤمنين.

يقول تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [سورة آل عمران، الآية: 164].

لقد اختار الله محمد بن عبدالله ليكون آخر نبي وأفضل رسول يبعثه إلى خلقه، وأنزل عليه أكمل شريعة وأعظم كتاب هداية للإنسان، وهو القرآن الكريم.

وكان لا بُدّ أن يزوّده الله تعالى ببرهان قاطع يثبت صدق رسالته، وأنه نبي مبعوث من قبل الله تعالى. كما زوّد أنبياءه السابقين بالآيات والمعجزات.

وقد ميّز الله النبي الخاتم بأن جعل ذات رسالته هي آية صدقه وبرهان صحة دعوته. إنّ آيات ومعاجز الأنبياء قبله كانت مهمتها إثبات صدق دعوى النبي الذي يقوم بها، لأنها عمل خارق يتجاوز قدرة البشر، فتكشف صلة النبي بالقدرة المدبرة للكون. دون أن تكون لها علاقة بموضوع الدعوة والرسالة، فمثلًا العصا التي ألقاها النبي موسى فأبطلت سحر السحرة المتمرسين.

وكذلك الآيات التي قدّمها نبي الله عيسى ، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، كلّها لا علاقة لها مباشرة بموضوع الرسالة.

أما القرآن الكريم فإنه يؤدي وظيفة الآية والمعجزة. وفي الوقت ذاته هو الرسالة والدعوة.

السيرة الذاتية وصدق الرسالة

إنّ كلّ عاقل منصف يدرس ظروف البعثة النبوية والسيرة الذاتية للنبي ، يذعن بعقله ووجدانه بصدق دعوة النبي ورسالته، وأنّ القرآن وحي من الله تعالى إليه.

فقد ولد النبي في منطقة لا تنتمي إلى تاريخ حضاري، ولم تعرف أيّ تجربة حضارية سابقة، ونشأ في مجتمع يسوده الشرك والوثنية والأساطير والخرافات، ويفتقد النظام الاجتماعي حيث تسيطر عليه العقلية القبلية، ولا تتوفر فيه أجواء ثقافة ومعرفة، فمعظم أفراده أميون، والقادرون على القراءة والكتابة من أبنائه عدد محدود.

كانت فيهم نخبة تستذوق الشعر والأدب، وفيهم عدد من الشعراء الذين لا تتعدّى أغراض شعرهم خدمة تنافسهم وصراعاتهم القبلية.

ولم يكن النبي محمد يمارس القراءة ولا الكتابة، ولا يقول الشعر، ولا يشارك في محافل الشعراء، ولم يحظَ بأيِّ قسطٍ من التعليم والتثقيف من قبل أحد، كما لم ينفتح على أية أجواء ترتبط بديانات سابقة، كاليهودية والمسيحية ليطلع على مصادرها الدينية.

عاش بين قومه أربعين عامًا دون أن يظهر منه أيّ اهتمام معرفي أو ثقافي أو أدبي، ودون أن يبدو عليه أيّ تطلّع لدور اجتماعي أو سياسي.

القرآن يتحدّى

فجأة وبعد الأربعين عامًا، وإذا به يفاجئ قومه بادعائه النبوة والرسالة، ويتلو عليهم كتابًا يتضمن مشروعًا حضاريًا، وقيمًا ومبادئ إنسانية راقية، وشريعة لتنظيم المجتمع، ومعارف عميقة عن الطبيعة والكون والحياة والتاريخ، ويعرض قصصًا وأحداثًا من حياة الرسل والأنبياء السابقين، وأوضاع أقوامهم وعصورهم، كلّ ذلك بلغة في أرقى مستويات الفصاحة والبيان، وأعلى درجات البلاغة والتأثير.

ولا يدّعي شيئًا من هذا الكتاب لنفسه، بل ينسبه إلى الله، لأنّ القرآن الكريم فوق قدرة أيّ بشر، لذلك يتحدّى البشرية في كلّ أزمانها أن تأتي بمثله.

يقول تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [سورة الإسراء، الآية: 88].

وفي تصعيد للتحدّي يقول تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‎﴿١٣‏ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [سورة هود، الآيتان: 13-14].

وأخيرًا تحدّاهم بالإتيان ولو بسورة واحدة، يقول تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‎﴿٢٣‏ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [سورة البقرة، الآيتان: 22-23].

فكيف يمكن لإنسان أمي لم يمارس القراءة والكتابة، وفي مجتمع بعيد عن أجواء الحضارة والثقافة، كيف يمكنه أن يأتي بكتاب ورسالة تحمل هذه القيم والمفاهيم والنظم والتشريعات، لتقود البشرية في كلّ أجيالها وعصورها؟

كتاب فوق قدرة البشر

يذكر التاريخ عن الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الذي يصفونه بريحانة العرب وحكيمهم، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ : اقْرَأْ عَلَيَّ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النحل، الآية:٩٠]، قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ النَّبِيُّ فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللهِ، مَا فَيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللهِ، مَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَاللهِ، إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لحَلَاوَةً وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعَلَى وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ[1] .

وجاء فِي قِصَّةِ دُخُولِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّجَاشِيِّ ملك الحبشة قَوْلِهِ لِلنَّجَاشِيِّ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَعَفَافَهُ وَتَلَا عَلَيْنَا تَنْزِيلًا لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ[2] .

لقد عرف التاريخ الإنساني ظهور نوابغ وعباقرة في العلم والمعرفة، والإدارة وقيادة المجتمع، لكنّ مسيرة النبوغ والعبقرية عادة ما تبدأ ملامحها في وقت مبكر من حياة الإنسان، ثم تنمو وتتطور حتى تصل إلى مستوى من النضج، يتبوأ به موقع الريادة في مجتمعه وعصره.

أما أن يقضي إنسان ثلثي عمره بعيدًا عن أيّ اهتمام علمي أو ثقافي أو أدبي، ودون أيّ طموح وتطلع سياسي واجتماعي، وخارج أيّ تجربة إدارية وقيادية. ثم يعلن نفسه فجأة نبيًا مرسلًا وقائد إصلاح وتغيير، ليس لمجتمعه فقط، بل للعالم كلّه، ويُقدّم منهجًا وبرنامجًا وتشريعًا لقيادة البشرية.

ثم ينجز التغيير فعليًّا في مجتمعه، فيحوّله من مجتمع قبلي متخلف ممزّق إلى أمة متماسكة رائدة، تشقّ طريقها لقيادة العالم. هذا ما لا يمكن فهمه ضمن حساب الاحتمالات والاستقراء المنطقي، إلّا عبر الإيمان بعنصر الغيب، وأنه رسالة إلهية صادقة.

ويشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [سورة العنكبوت، الآية: 48].

وقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [سورة يونس، الآية: 16].

إنّ قوة منطق القرآن الكريم، وقدرته على إثارة عقول مستمعيه وإيقاظ وجدانهم، هو الذي صنع الجيل الإيماني الأول، من الصحابة المؤمنين الصادقين الذين استجابوا لدعوة النبي بوعي واقتناع، وحملوا رسالة الإسلام بصدق وإخلاص.

تأثير القرآن عبر العصور

ولا تزال قدرة هذا المنطق القرآني فاعلة مؤثرة على امتداد الأزمنة والعصور، حتى عصرنا هذا، حيث نشهد إقبال علماء ومفكرين وشخصيات بارزة، على اعتناق الإسلام حين يتأملون بعض آيات القرآن الكريم.

كالطبيب الفرنسي موريس بوكاي (1920- 1998م) المتخصص في طب الأمعاء والجراحة الباطنية، الذي قادته آيات من القرآن إلى الإسلام، وألف كتابًا مهمًا عنوانه (القرآن والتوراة والإنجيل والعلم.. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة)، ترجم إلى 17 لغة، وقال في كتابه: لقد أثارت الجوانب العلمية التي يختصّ بها القرآن دهشتي العميقة في البداية، فلم أكن أعتقد قطّ بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحدّ من الدقة بموضوعات شديدة التنوع، ومطابقتها تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نصٍّ قد كتب منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا[3] .

وكالفنان البريطاني الشهير (كات ستيفنز) الذي أصبح اسمه فيما بعد (يوسف إسلام)، الذي أسلم بسبب اطّلاعه على بعض آيات القرآن الكريم، وقال في مقابلة له مع المجلة العربية: القرآن هو الذي دعاني للإسلام، فأجبت دعوته.

وقال: لقد أجاب القرآن على كلّ تساؤلاتي، وبذلك شعرت بالسعادة، سعادة العثور على الحقيقة، ووجدت في القرآن كيف أنّ هذه السعادة خالدة.

وأضاف: أما السؤال الخالد على ألسنة البشر: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ وإلى أين أذهب؟ وجواب ذلك في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لو قرأوها لتجلت لهم الحقيقة[4] .

وحين نحتفي بذكرى البعثة النبوية الشريفة، علينا أن نستحضر مشاهد ذلك الحدث العظيم، كما صوره القرآن الكريم، وكما سجّلها التاريخ، لنزداد وعيًا وثقة بإيماننا وديننا.

وعلينا أن نكثّف الجهود لإيصال رسالة القرآن إلى العقول المنفتحة، والنفوس المتلهفة لدعوة الحقّ في جميع الشعوب والمجتمعات.

 

خطبة الجمعة 27 رجب 1447هـ الموافق 16 يناير 2026م.

[1]  أحمد بن الحسين البيهقي، الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، ١٤٠١هـ، ص268.
[2]  الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، 269.
[3]  موريس بوكاي، القرآن والتوراة والإنجيل والعلم.. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1996م، ص150.
[4]  المجلة العربية، العدد 104، السنة 10، رمضان 1406هـ/ يونيو 1986م، ص28-29.