حتى لا تخبو مشاعر الرّحمة
يقول تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [سورة البقرة، الآية: 74].
في أعماق فطرة الإنسان نزعة نحو الخير، تنبثق منها مشاعر الرّحمة والعطف على الآخرين، ممن يعيشون حالة ضعف ومعاناة في حياتهم.
فإذا رأى الإنسان السوي من يواجه خطر الغرق أو الحريق مثلًا، أو من يتضور جوعًا وعطشًا، أو يعاني شدة مرض، فإنه يرقّ له قلبه وتتحرك مشاعر التعاطف والرّحمة في نفسه ويسعى للإنقاذ والمساعدة.
لكنّ هذه المشاعر الإنسانية المنبعثة من الفطرة والوجدان، قد تخبو وتتضاءل عند بعض البشر الذين تفقد قلوبهم حالة الرّقة واللين، وتسيطر عليها حالة الجفاف والقسوة، فلا يتأثرون ولا يهتمون بمعاناة الآخرين وآلامهم، مهما كانت درجة شدتها.
قلوب كالحجارة
حين يقسو قلب الإنسان، لا يعود قلبًا إنسانيًا ينبض بالرّحمة والعواطف الخيّرة والمشاعر الرقيقة، بل يكون متحجرًا صلبًا لا ينفذ إليه إحساس نبيل ولا ترشح منه عاطفة صادقة.
يصف الله تعالى مثل هذه القلوب بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [سورة البقرة، الآية: 74].
فبعد أن تستحكم الأنانية في نفس الإنسان وتخبو مشاعر الرّحمة والرقة من قلبه، يصبح قلبه كالحجارة الصلبة القاسية أو أشدّ منها قسوة؛ لأنّ الحجارة تؤدي بقسوتها الدور الذي خلقها الله من أجله، فهي قسوة مطلوبة نافعة في مكانها، بينما القلب المتحجر القاسي يتمرّد على هدف خلقته وأمر خالقه.
والمقصود بالقلب هنا، ليس القلب العضلي الموجود في القفص الصدري، الذي يضخ الدم إلى أنحاء الجسم، وإنما المقصود به القلب المعنوي، وهو قوة الإدراك ومركز العواطف المختلفة.
أخطر مرض روحي
إنّ قسوة القلب من أسوأ الأمراض الرّوحية المعنوية التي تصيب الإنسان، وهي تُفقد الإنسان إنسانيته وتبعده عن ربه.
ورد عن رسول الله
: «إنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلبُ القَاسي»[1] .
وورد عن الإمام جعفر الصادق
: «مَنْ قَسَا قَلْبُهُ بَعُدَ مِنْ رَبِّهِ»[2] .
وورد عن الإمام محمد الباقر
: «مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْب»[3] .
إنّ قسوة القلب تصرف الإنسان عن الخشية من الله كما تفقده التعاطف والرّحمة لأخيه الإنسان.
يقول تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر، الآية: 22].
إنّ ذكر الله لا يعني لهم شيئًا يردعهم عن اتباع أهوائهم وشهواتهم التي هيمنت على قلوبهم فجعلتها متحجّرة قاسية.
بينما يصف الله تعالى عباده المؤمنين أنّ قلوبهم لصفائها ورقتها تتفاعل وتخفق لذكر الله، استشعارًا لقدرته واستحضارًا لعظمته.
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الأنفال، الآيات: 2-4].
إنّ على الإنسان أن يحذر من تقلص مشاعر الرّقة والرّحمة في نفسه حتى لا يصل إلى مرحلة قسوة القلب، وذلك بالاهتمام ببرنامجين مترابطين.
برنامج روحي للوقاية من القسوة
في البرنامج الأول، على الإنسان أن يعمل فكره في هدف وجوده ومعنى حياته وما سيكون مصيره وفي عظمة خالقه وعلاقته به، فذلك هو ما يوجه الإنسان للبعد القيمي والأخلاقي وينتج رقة القلب وينمّي مشاعر الرّحمة والتعاطف في نفسه وسلوكه.
ورد عن الإمام محمد الباقر
: «تَعَرَّضْ لِرِقَّةِ القَلبِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ فِى الْخَلَواتِ»[4] .
وهنا يأتي دور الأدعية والمناجيات في ترقيق القلب وتهذيب النفس.
أما إذا سيطرت على الإنسان الاهتمامات المادية فقط وانشغل بتحصيل الرغبات وتلبية الشهوات، فإنه سينصرف عن خشية الله وينزلق إلى المعاصي والذنوب، وحينئذٍ لن يكون مهتمًا بالتعاطف مع الآخرين وإبداء مشاعر الرحمة لهم.
جاء عن أمير المؤمنين علي
: «وَمَا قَسَتِ الْقُلُوبُ إِلّا لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ»[5] .
برنامج عملي لرقة القلب
أما البرنامج العملي السلوكي، فهو تنمية الإحساس ومشاعر التعاطف مع الآخرين عبر الاهتمام العملي بحالات الضعف في المحيط الاجتماعي.
ورد عن رسول الله
: «عَوِّدُوا قُلوبَكُمُ الرِّقَّةَ، وأكثِرُوا مِن التَّفَكُّرِ والبُكاءِ مِن خَشيَةِ اللّه»[6] .
وورد أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ
قَسَاوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ
: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ، وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ»[7] .
وورد أن موسى
قال: «يا ربّ، أين أبغيك؟ قال: أبغني عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ»[8] .
إذا كنت تطلب رضا الله، فستجده عند أصحاب المعاناة والآلام من عباده، فاقترب منهم وتعاطف معهم وساعدهم، هناك تجد رضا الله تعالى وعظيم ثوابه وتكون قريبًا من الله.
وفي هذا السياق وردت النصوص الدينية التي تحثّ على عيادة المريض وتعزية المصاب ومساعدة المحتاج وتفقّد الضعفاء.
ورد عن رسول الله
: «عَائِدُ الْمَرِيضِ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ»[9] .
على الإنسان أن يعوّد نفسه التعاطف مع معاناة الآخرين، ولا يقبل لنفسه أن يكون لا مباليًا تجاه معاناة أحد، سواء كانت مادية أو معنوية.
ومن مصاديق المعاناة المعنوية، تعرّض الإنسان لنكسة في مكانته الاجتماعية، لسببٍ قاهر، فيكون في أمسّ الحاجة للتعاطف معه ورفع معنوياته.
ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «إنّي لَأرْحَمُ ثَلاثَةً وَحَقٌّ لَهُمْ أنْ يُرْحَمُوا؛ عَزيزٌ أصابَتْهُ مَذَلَّةٌ بَعْدَ الْعِزّ، وَغَنِيٌّ أصابَتْهُ حاجَةٌ بَعْدَ الْغِنى، وَعالِمٌ يَسْتَخِفُّ بِهِ أهْلُهُ وَالْجَهَلَةُ»[10] .
وحين يتعرض أحد في مجتمعك لما يشوّه سمعته بغير حق، فعليك أن تتعاطف معه وتسعى لمساعدته في الدفاع عن سمعته ورفع الظلم الواقع عليه.
وإذا رأيت أسرة مهددة بالتفكك نتيجة خلاف ونزاع، فعليك أن تسعى لإصلاح ذات البين، ففي ذلك رفع معاناة كبيرة عن الأسرة، وخاصة الأطفال الذين يكونون ضحايا الخلافات والتفكك الأسري.
ونُذكّر هنا بما ورد عن أمير المؤمنين علي
: أنه سمع رسول الله
يَقُولُ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ»[11] .
إنّ الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [سورة الأنفال، الآية: 1].
وتلبية هذا النداء الإلهي يقتضي وجود اهتمام اجتماعي عام بإصلاح ذات البين وقيام مؤسسات تعنى بهذا الشأن، ومجتمعنا المحلي بحاجة ماسة لهذا النوع من المؤسسات، وذلك من أجلى مصاديق تفعيل مشاعر الرّحمة والتعاطف الاجتماعي.






