رسالة الصيام ترويض الرغبات

 

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [سورة البقرة، الآية: 183].

العبادات التي فرضها الله تعالى على الإنسان إنما هي لمصلحة الإنسان ذاته، في البعد المادي والبعد الروحي، وعلى مستوى الفرد والمجتمع، وليس لله تعالى فيها مصلحة أو فائدة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [سورة العنكبوت، الآية: 6].

«لَا تَضُرُّه مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاه، ولَا تَنْفَعُه طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَه»[1]  كما ورد عن أمير المؤمنين علي .

في طليعة هذه العبادات تأتي فريضة الصيام التي نعيش في رحابها هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لأدائها بتمامها وكمالها، وأن يتقبّلها تعالى بأحسن القبول.

فقد فرض الله عبادة الصيام على المؤمنين بالله ورسالاته، في جميع العصور، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ [سورة البقرة، الآية: 183]. فأتباع الأنبياء السابقين كانوا يتعبّدون لله تعالى بالصيام، وقد يكون توقيته أو مدته أو أحكامه تختلف من شريعة إلى أخرى، وفي الكتب المقدسة المتداولة اليوم لليهود والمسيحيين، من العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل) نصوص تشير إلى عبادة الصيام في شرائعهم، وهو ما تتم ممارسته إلى الآن في أوساط الملتزمين من اليهود والمسيحيين.

الصوم اهتمام مميّز

وفي الشريعة الإسلامية وهي خاتمة الشرائع الإلهية، مساحة كبيرة من الاهتمام بعبادة الصيام على مستوى الوجوب والاستحباب، حيث وردت نصوص كثيرة في التأكيد على هذه العبادة وتبيين فضلها وعظيم ثوابها عند الله سبحانه.

فقد ورد في الحديث عن رسول الله وعن أئمة أهل البيت في مصادر السنة والشيعة أنّ الله تعالى يقول: «الصَّوْمُ لِيْ وَأَنَا أَجْزِي عَلَيْهِ‌»[2] .

وقد أكثر العلماء من القول في معنى هذا الحديث، وأنّ الله ميّز هذه العبادة بالنسبة إليه، وأنه يتولى جزاءه مباشرة، وذلك لتأكيد أهمية هذه العبادة بالخصوص، مع أنّ كلّ العبادات له والجزاء منه تعالى، وشبّهوا ذلك بنسبة البيت الحرام له تعالى، مع أنّ كلّ المساجد لله.

وجاء في حديث عن رسول الله : «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ»[3] .

وجاء عن الإمام محمد الباقر : «إِنَّ لِلهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلاَئِكَةً مُوَكَّلِينَ بِالصَّائِمِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى آخِرِهِ، وَيُنَادُونَ الصَّائِمِينَ كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ إِفْطَارِهِمْ، أَبْشِرُوا عِبَادَ اللهِ، وَقَدْ جُعْتُمْ قَلِيلًا وَسَتَشْبَعُونَ كَثِيرًا، بُورِكْتُمْ، وَبُورِكَ فِيكُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، نَادَوْهُمْ: أَبْشِرُوا عِبَادَ اللهِ، فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَقَبِلَ تَوْبَتَكُمْ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونَ»[4] .

التقوى غاية الصوم

إنّ هذا الاهتمام الإلهي بعبادة الصيام يعني أهمية الوظيفة التي تؤديها هذه العبادة في شخصية الإنسان، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة، يقول تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. فالتقوى هي غاية الصيام، والنتيجة التي ينبغي أن تتحقق من خلاله.

والتقوى لغة تعني: الوقاية والمحاذرة.

سئل كعب عن التقوى، فقال للسائل: هَلْ أَخَذْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهِ؟ قَالَ: حَذِرْتُ وَتَشَمَّرْتُ، قَالَ: ذَلكَ التَّقْوَى[5] .

إنّ الحياة طريق شائك بالشهوات والرغبات ودواعي الانحراف، وعلى الإنسان أن يحذر في سيره، لئلا تُسيل دماءه الأشواك أو يعثر من العراقيل.

تدريب على الانضباط السلوكي

الصوم يدرّب الإنسان على التحكم في رغباته، حيث يحظر على الصائم تناول المفطرات، وبعضها شديد العلاقة بحياته اليومية كالأكل والشرب، لكنه يمتنع عن ذلك مع حاجته إليه ورغبته فيه، دون أن يفرض عليه ذلك أحد، أو يراقب التزامه به، لكنه يمتنع عن المفطرات بقرار ذاتي، استجابة لأمر الله تعالى.

كما أنّ الصوم يدفع الإنسان لتجاوز سلطان العادة في برنامج حياته اليومي، فحين يدخل شهر رمضان ويبدأ الالتزام بفريضة الصيام، يتغيّر برنامج السلوك اليومي، من أوقات الوجبات والنوم والاستيقاظ، خاصة ضمن أجواء مجتمعاتنا الإسلامية.

إنّ امتلاك القدرة على مخالفة الرغبات والتمرد على سلطان العادات، يمنح الإنسان قوة الإرادة والانضباط السلوكي في مواجهة دواعي الشهوات والأهواء، وهذه هي الغاية والثمرة من عبادة الصوم.

وحين لا يحقق الإنسان من صومه هذه النتيجة والثمرة، بأن يكون الصوم العبادي مقدمة للصوم السلوكي الدائم عن الحرام والمعصية، فذلك يعني إفراغ هذه العبادة من مضمونها.

ورد عن رسول الله أنه قال: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ»[6] .

خطر الانقياد للشهوات

إنّ أهم خطر يهدّد مسار حياة الإنسان، هو أن يسلّم قياده لرغباته وشهواته، فيستجيب لكلّ ما تميل إليه نفسه وتمليه عليه رغبته وهواه.

جاء عن أمير المؤمنين علي : «الاِنْقِيَادُ لِلشَّهْوَةِ أَدْوَءُ الدَّاءِ»[7] .

إذ ليس كلّ رغبة للإنسان فيها مصلحة ومنفعة له، فبعض الرغبات تضرّه، وتكون على حساب مصلحته المادية أو الروحية، الدنيوية أو الأخروية، لذلك يجب أن يعتمد الإنسان مرجعية العقل والدين، فلا يستجيب لأيّ رغبة تخالفهما.

وهنا يحتاج الإنسان إلى قوة الإرادة والشجاعة أمام إلحاح الرغبات السيئة. يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ *‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ [سورة النازعات، الآية: 40].

جاء عن رسول الله : «أَشْجَعُ النَّاسِ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ»[8] .

وعن أمير المؤمنين علي : «لاَ تُفْسِدُ التَّقْوَى إِلَّا غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ»[9] .

وفي هذا العصر تشتدّ ضراوة الرغبات وعنفوانها في نفس الإنسان المعاصر، بفعل الثقافة المادية السائدة التي تدفع للتمرد على القيم، بعنوان الحرية الشخصية، وتُشجّع على الاستجابة لمختلف الرغبات، وقد أصبحت إثارة الشهوات تجارة رائجة، تُسوّقها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عبر الأساليب الجاذبة المؤثرة.

إنّ الصوم الذي يمنعك من الاستجابة لرغبة الأكل والشرب والجنس، يريد أن يُصلّب إرادتك حتى لا تستجيب لأيّ رغبة محرمة، كالعلاقات العاطفية غير المشروعة، ففي ظلّ حالة الانفتاح بين الجنسين في مختلف ميادين العمل والحياة، على الإنسان، رجلًا وامرأة، ألّا يملأ عينيه بالنظرات الشهوانية، ولا يستمتع بالمحادثات ذات التأثير العاطفي المريب، ولا يسمح لنفسه بالتفكير في تواصل يقوده إلى ما لا تحمد عقباه.

مصادر الخطبة:

1. القرآن الكريم.

2. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن ابن ماجه، مكتبة المعارف والنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1417هـ.

3. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1407ﻫ.

4. البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999م.

5. الرضي، الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.

6. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، الأمالي، مؤسسة البعثة، قم، ط1، 1417هـ.

7. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.

8. الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1415هـ.

9. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (شيخ الطائفة)، الأمالي، قم، دار الثقافة، ط1، 1414هـ.

10. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.

 

خطبة الجمعة 3 رمضان 1447هـ الموافق 20 فبراير 2026م.

[1]  نهج البلاغة، من خطبة له يصف فيها المتقين، رقم: 193.
[2]  الكافي، ج4، ص63، ح6. وفي صحيح البخاري: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به»، ح 1904.
[3]  الكافي، ج4، ص65، ح15. وفي صحيح البخاري: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ»، ح1904.
[4]  الشيخ الصدوق، الأمالي، ص108، ح1.
[5]  مجمع البيان، ج1، ص83.
[6]  أمالي الشيخ الطوسي، ص166. وفي صحيح سنن ابن ماجة للألباني: «ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ»، ح1380.
[7]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص78.
[8]  من لا يحضره الفقيه، ج4، ص394، ح5840.
[9]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص774.