التفكير في الآخرة وإصلاح الدنيا

 

يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [سورة الروم، الآية: 7].

من أهم الحقائق التي يؤكد عليها الدين ويدعو للإيمان بها، الاعتقاد بالآخرة والمعاد، وأنّ الموت لا يعني فناء الإنسان، وإنما انتقاله إلى عالم آخر ينتظرنا بعد هذا العالم، وهو عالم البقاء والخلود.

وفي ذلك العالم تتم محاسبتنا على أعمالنا في الدنيا، فيثاب المؤمنون الصالحون بالنعيم الأبدي الذي لا ينغّصه أيّ كدر، ويعاقب الظالمون الفاسدون بالعذاب الدائم الأليم.

لقد بعث الله تعالى أنبياء ورسلًا يقدّر عددهم بـ 120 ألف نبي، ليبينوا للناس هذه الحقيقة ويلفتونهم إليها. فالحديث عنها عنصر أساس مشترك بين جميع الرسالات والشرائع الإلهية.

وفي القرآن الكريم هناك ما يزيد على 1400 آية تتحدث عن الآخرة والمعاد من زوايا وأبعاد مختلفة، وفي معظم آيات القرآن الكريم يأتي ذكر الإيمان باليوم الآخر رديفًا للإيمان بالله تعالى. كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [سورة النساء، الآية: 162].

وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [سورة البقرة، الآية: 62].

وقوله تعالى: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [سورة الأحزاب، الآية: 21].

أما الأحاديث والروايات الواردة عن النبي والأئمة من أهل البيت التي تتحدث عن الآخرة فهي كثيرة جدًا.

الآخرة لتحقيق العدل الإلهي

إنّ الإيمان بالمعاد يرتبط بعدد من صفات الله تعالى، ومن أبرزها العدل.

ذلك أنا نرى في هذه الحياة صنفين من الناس: محسنين طيبين يعملون الخير وينفعون الناس، وظالمين مجرمين يعيثون في الأرض فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل، فهل ينتهي الأمر بالصنفين إلى مصير واحد هو الموت، ولا شيء بعده؟

إذًا متى وأين يجد المحسن نتيجة إحسانه؟ ومتى يلقى المجرم جزاء إجرامه؟ في هذه الدنيا يتجرع المظلومون كؤوس الظلم ويعيشون أهوال الطغيان، بينما يسرح ويمرح كثير من الظلمة والمجرمين دون أيّ رادع؟ فمن ينتقم للمظلومين من الظالمين؟ ومتى وأين؟

قد ينال بعض الظالمين شيء من النكال في الدنيا، لكنه أقلّ بكثير مما اقترفوه من إجرام، فمن أزهق آلاف الأرواح وآذى ملايين البشر، هل يكفي في مقابل كلّ إجرامه أن يسجن أو يُقتل فقط؟

إنّ مقتضى العدالة الإلهية أن يقتصّ للمظلومين وأن يوقع بالظالمين ما يستحقون من العذاب الأليم، وذلك ما لا يحصل في الدنيا غالبًا، فلا بُدّ وأن يتحقق في عالم آخر، وإلّا فإنّ عدالة الله تكون منقوصة.

كما أنّ نزول الشرائع الدينية ووضع الأحكام والقوانين الشرعية، تفقد جدواها إذا لم يترتب عليها أيّ حساب أو جزاء.

يقول تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ‎*‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [سورة القلم الآيتان: 35-36].

ويقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *‏ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [سورة الجاثية، الآيتان: 21-22].

آثار استحضار الآخرة

إنّ كثافة النصوص الدينية حول الآخرة يهدف إلى رسوخ هذه العقيدة في نفس الإنسان المسلم، وإلى حضورها في قلبه ومشاعره، وهناك نصوص تحث الإنسان أن يستذكر الآخرة فلا تغيب عن باله.

وذلك لأنّ ذكر الآخرة له آثار مهمة على شخصية الإنسان وسلوكه في هذه الحياة، ومن أهم تلك الآثار والنتائج:

أولًا: الإيجابية في مواجهة تحدّيات الحياة.

حيث يواجه الإنسان بعض الأزمات والضغوط البالغة، من أمراض جسمية مزمنة قد لا يجد لها علاجًا وشفاءً، ومن مشاكل اجتماعية مزعجة تسلبه الراحة والاستقرار، وقد يقع عليه ظلم شديد وتصيبه أقسى الابتلاءات والمحن، فيكون اعتقاده بالآخرة دافع ثبات وصبر وتحمّل، لأنه يرجو أن يعوّضه الله في الآخرة راحة ورضوانًا.

وأهم خطر يتهدّد الإنسان هو الموت وفقدان الحياة، لكنّ المؤمن بالله واليوم الآخر يواجهه باطمئنان وتطلّع إلى لقاء الله تعالى والفوز برضوانه.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «ذِكْرُ الْآخِرَةِ دَوَاءٌ وَ شِفَاءٌ»[1] .

ثانيًا: انضباط السلوك، والشعور بالمسؤولية.

حين يعتقد الإنسان أنه محاسب بين يدي الله تعالى على جميع أعماله وتصرفاته، من صغيرة وكبيرة، ويستحضر ذلك في نفسه، يفترض أن يكون ذلك رادعًا له عن المعصية والخطأ واقتراف الإساءة والظلم للآخرين.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْآخِرَةِ قَلَّتْ مَعْصِيَتُهُ»[2] .

ثالثًا: المبادرة لأعمال الخير والصلاح.

فكما أنّ حياة الإنسان في الدنيا لها متطلبات لا تحصل إلّا بالسعي والكدح، كذلك فإنّ متطلبات الفوز والسعادة في الآخرة لا تتحقق إلّا بالأعمال الصالحة وفعل الخير.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ فَأَحْسَنَ»[3] .

إنّ ذكر الآخرة لا يعني تغييب الاهتمام بشؤون الحياة، ولا الهروب من تحمّل المسؤوليات فيها، بل يعني حسن التعامل مع أمور الدنيا وانتهاج طريق الصلاح والإصلاح فيها.

الغفلة عن المستقبل الأخروي

إنّ الدنيا تفرض نفسها على الإنسان، فلا يغفل عنها، بل تشغله متطلباتها ومشاكلها ولذاتها عن التفكير في مستقبله الأخروي، فيلهث خلف الدنيا ومصالحها دون كوابح وضوابط.

يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [سورة الروم، الآية: 7].

لذلك تدعو النصوص الدينية إلى استذكار الآخرة واستحضارها، وتأتي الأدعية والمناجيات الواردة عن النبي والأئمة ، ليعيش المؤمن من خلالها أجواء الآخرة.

وفي هذا الشهر الكريم للمؤمنين موعد بالغ الأهمية مع أدعية السحر، التي لا ينبغي أن يحرم الإنسان نفسه من أشعتها الروحية النافذة إلى أعماق القلب والوجدان، كدعاء أبي حمزة الثمالي، المروي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين ، الذي تتحدث عدد من فقراته عن بعض مشاهد الآخرة. منها:

«فَمَنْ يَكُونُ أَسْوَءَ حالًا مِنِّي اِنْ أَنا نُقِلْتُ عَلى مِثْلِ حالِي إِلى قَبْرِي، لَمْ أُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتِي وَلَمْ أَفْرُشْهُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ لِضَجْعَتِي، وَمالِي لا أَبْكِي وَلا أَدْرِي إِلى ما يَكُونُ مَصِيرِي، وَأَرى نَفْسِي تُخادِعُنِي وَأَيَّامِي تُخاتِلُنِي، وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأْسِي أَجْنِحَةُ المَوْتِ، فَما لي لا أَبْكِي؟!

أَبْكِي لِخُرُوجِ نَفْسِي، أَبْكِي لِظُلْمَةِ قَبْرِي، أَبْكِي لِضِيقِ لَحْدِي، أَبْكِي لِسُؤالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ إِيايَ، أَبْكِي لِخُرُوجِي مِنْ قَبْرِي عُرْيانًا ذَلِيلًا حامِلًا ثِقْلِي عَلى ظَهْرِي، أَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِي وَأُخْرى عَنْ شَمالِي، إِذِ الخَلائِقُ فِي شَأْنٍ غَيْرِ شَأْنِي، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ وَذِلَّةٌ، سَيِّدِي عَلَيْكَ مُعَوَّلِي وَمُعْتَمَدِي وَرَجائِي وَتَوَكُّلِي، وَبِرَحْمَتِكَ تَعَلُّقِي.

إِلهِي إِنْ عَفَوْتَ فَمَنْ أَوْلى مِنْكَ بِالعَفْوِ؟ وَإِنْ عَذَّبْتَ فَمَنْ أَعْدَلُ مِنْكَ فِي الحُكْمِ؟

اِرْحَمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا غُرْبَتِي، وَعِنْدَ المَوْتِ كُرْبَتِي، وَفِي القَبْرِ وَحْدَتِي، وَفِي اللَّحْدِ وَحْشَتِي، وَإِذا نُشِرْتُ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْكَ ذُلَّ مَوْقِفِي، وَاغْفِرْ لِي ما خَفِيَ عَلى الآدَمِيِّينَ مِنْ عَمَلِي»[4] .

مصادر الخطبة:

الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1407ﻫ.

الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (شيخ الطائفة)، مصباح المتهجّد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، ط1، 1411هـ،

 

خطبة الجمعة 10 رمضان 1447هـ الموافق 27 فبراير 2026م.

[1]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص370.
[2]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص636.
[3]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص432.
[4]  مصباح المتهجّد، دعاء أبي حمزة الثمالي، ص582.