قضاء حوائج الناس في سيرة الإمام الحسن (ع)

 

يقول تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ [سورة البقرة، الآية: 177].

هناك من الناس من لا يتيسّر لهم تسيير بعض شؤون حياتهم، بقدراتهم وإمكاناتهم الذاتية، كحالة دائمة أو ضمن ظرف طارئ، فيحتاجون إلى مساعدة الآخرين لهم، وهنا يكون الامتحان لإنسانية أبناء المجتمع المحيط بهم، هل يبادر أحد منهم لتقديم العون والمساعدة لمن يحتاجها؟ أم يتركونهم تحت وطأة المعاناة والحاجة؟

إنّ رسالة الدين وغرضه الأساس، إيقاظ الحسّ الإنساني وتنمية المشاعر الخيّرة في نفس الإنسان، ليكون مبادرًا لمساعدة من حوله في قضاء حوائجهم وتسيير أمور حياتهم.

الإيمان الصادق باعث العطاء

وهذا ما تشير إليه آيات من القرآن الكريم، ومنها هذه الآية الكريمة التي نزلت في سياق الردّ على إثارات اليهود وإشكالاتهم ومن تأثر بهم، على تغيير القبلة في الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة في السنة الثانية للهجرة.

تُبيّن الآية الكريمة، أنّ الاتجاه في الصلاة إلى هذه الجهة أو تلك، هو تشريع فرعي في الدين. أما هدف الدين ومقصده الأساس، فهو اتجاه الإنسان نحو البر والخير بمعناه الشامل الفسيح.

يقول تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ والبر، هو: عمل الخير الواسع في مختلف المجالات، ﴿أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فاتجاه القبلة في الصلاة، ليس هو الصورة الكاملة لعمل الخير.

﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ في معناه الشامل المقصود من الدين، يبدأ من العقيدة الصحيحة، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ.

هذا الإيمان الصادق، يدفع الإنسان للعطاء ومساعدة الضعفاء المحتاجين من عباد الله، لذلك ذكرته الآية أولًا قبل الصفات الأخرى، ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ، والمعنى أنه يعطي من ماله وإمكاناته للآخرين على حب الله، أي من أجل رضا الله تعالى والتقرب إليه، ويُحتمل أن يكون المعنى على حب المال، أي: يعطي المال للآخرين المحتاجين مع حبه المال، كما في قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [سورة آل عمران، الآية: 92].

ورد عن الإمام الحسن بن علي : «مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَالَ فَهُوَ عِنْدِي كَاذِبٌ، فَإِنْ عَلِمْتُ صِدْقَهُ فَهُوَ عِنْدِي أَحْمَقُ»[1] .

ثم تذكر الآية نماذج من شرائح المحتاجين للعون والمساعدة، ﴿ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ.

إنّ المرتبة التالية والأثر الأول المطلوب من العقيدة الإيمانية، هو الانبعاث لمساعدة المحتاجين في قضاء حوائجهم.

ولأنّ الحاجة للمال هي الحاجة الأكثر شياعًا في أوساط المحتاجين، وبالمال يستعان على قضاء الحاجات الأخرى، لذلك جاء الحديث في الآية الكريمة عن إعطاء المال.

لكن هناك حاجات قد يستوجب قضاؤها السعي والحركة، أو تقديم الرأي والمشورة، أو بذل الجاه والمكانة الاجتماعية.

سُئِلَ الإِمَامُ الحَسَنُ عَنِ الجُودِ؟ فقال : «بَذْلُ المَجْهُودِ»[2] .

المبادرة لقضاء حوائج الناس

وقد وردت نصوص دينية كثيرة تحثّ الإنسان على المبادرة لقضاء حوائج الناس من حوله، وأنّ ثواب ذلك وفضله عظيم، وأكبر عند الله تعالى من التنفّل له بالعبادات والشعائر الدينية.

وهذا ما نجد له شواهد كثيرة في أقوال الإمام الحسن بن علي وسيرته.

أورد ابن عساكر في تاريخ دمشق عن علي بن الحسين، قال: خرج الحسن يطوف بالكعبة، فقام إليه رجل فقال: يا أبا محمد، اذهب معي في حاجتي إلى فلان، فترك الطواف وذهب معه، فلما ذهب خرج إليه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه، فقال: يا أبا محمد، تركت الطواف وذهبت مع فلان إلى حاجته؟ قال: فقال له الحسن: «وَكَيْفَ لَا أَذْهَبُ مَعَهُ؟ وَرَسُولُ اللهِ قَالَ: (مَنْ ذَهَبَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَقُضِيَتْ حَاجَتُهُ كُتِبَتْ لَهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُقْضَ لَهُ كُتِبَتْ لَهُ عُمْرَةٌ)، فَقَدِ اكْتَسَبْتُ حَجَّةً وَعُمْرَةً وَرَجَعْتُ إِلَى طَوَافِي»[3] .

وسَمِعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرزُقَهُ عَشْرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، فَانْصَرَفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ[4] .

واشترى الإمام الحسن حائطًا مِن قومٍ مِن الأنصار بأربع مئة ألف، فبَلَغه أنّهم احتاجوا إلى ما في أيدي الناس، فردّ الحائط إليهم[5] .

وقدم رجل من المدينة، وكان يبغض عليًّا، فقطع به، فلم يكن له زاد ولا راحلة، فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة، فقال له: عليك بحسن بن علي، فقال له الرجل: ما لقيت هذا إلّا في حسن وأبي حسن؟ فقيل له: فإنك لا تجد خيرًا إلّا منه، فأتاه فشكا إليه، فأمر له بزاد وراحلة، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، قيل للحسن: أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك، فأمرت له بزاد وراحلة، قال: «أَفَلَا أَشْتَرِي عِرْضِي مِنْهُ بِزَادٍ وَرَاحِلَةٍ؟»[6] .

قضاء الحوائج أعظم القربات

إنّ أهم احتفاء بذكرى الإمام الحسن المجتبى ، أن نقتبس من سيرته ما نرتقي به في حياتنا، ويقرّبنا إلى الله تعالى، والاهتمام بقضاء حوائج الناس من أبرز ما يحقق ذلك.

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «مَا قَضَى مُسْلِمٌ لِمُسْلِمٍ حَاجَةً إِلَّا نَادَاهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَلَيَّ ثَوَابُكَ، وَلَا أَرْضَى لَكَ بِدُونِ الْجَنَّةِ»[7] .

وورد عن الإمام محمد الباقر : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَتَرِدُ عَلَيْهِ الْحَاجَةُ لِأَخِيهِ فَلَا تَكُونُ عِنْدَهُ، فَيَهْتَمُّ بِهَا قَلْبُهُ، فَيُدْخِلُهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَمِّهِ الْجَنَّةَ»[8] .

وعن الإمام موسى الكاظم : «إِنَّ لِلهِ عِبَادًا فِي الْأَرْضِ يَسْعَوْنَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[9] .

وعن الإمام جعفر الصادق : «أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَتَاهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي حَاجَةٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا فَمَنَعَهُ إِيَّاهَا، عَيَّرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَعْيِيرًا شَدِيدًا، وَقَالَ لَهُ: أَتَاكَ أَخُوكَ فِي حَاجَةٍ قَدْ جَعَلْتُ قَضَاءَهَا فِي يَدِكَ فَمَنَعْتَهُ إِيَّاهَا زُهْدًا مِنْكَ فِي ثَوَابِهَا، وَعِزَّتِي لَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ فِي حَاجَةٍ»[10] .

وعنه : «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ بَذَلَ جَاهَهُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَلَى النَّارِ، وَلَمْ يَمَسَّهُ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[11] .

الالتحاق بالعمل المؤسسي

وبمناسبة ذكرى الإمام الحسن بن علي ، وفي هذه الأيام المباركة من شهر رمضان الفضيل، على كلّ واحدٍ منّا أن يتخذ قرار التحلي بهذه الصفة المهمة، فإنّ من أفضل الأعمال في شهر رمضان التحلي بخصلة من خصال الخير.

فقد ورد أنّ رسول الله خطب في آخر جمعة من شعبان فقال: «وَجَعَلَ لِمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ كَأَجْرِ مَنْ أَدَّى فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»[12] .

وقد تأسست بحمد الله تعالى في مجتمعاتنا، مؤسسات وجمعيات خيرية رسمية، يمثل دعمها ماديًا، والانضمام إلى صفوف العاملين فيها، أفضل طريق لممارسة هذه الوظيفة المرغوبة عند الله تعالى، التي ترتقي بالمستوى الإنساني في المجتمع.

مصادر الخطبة:

  1. ابن أبي الحديد، عبدالحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1385هـ.
  2. ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله، تاريخ دمشق، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1415هـ.
  3. الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1405هـ.
  4. الشامي، الشيخ الصالحي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993م.
  5. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، فضائل الأشهر الثلاثة، دار المحجة البيضاء، بيروت، ط2، 1992م.
  6. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (شيخ الطائفة)، الأمالي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.
  7. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  8. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.

 

خطبة الجمعة 17 رمضان 1447هـ الموافق 6 مارس 2026م.

[1]  شرح نهج البلاغة، ج18، ص89.
[2]  بحار الأنوار، ج75، ص103.
[3]  تاريخ دمشق، ج13، ص248.
[4]  سير أعلام النبلاء، ج3، 260.
[5]  سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، ج11، ص68.
[6]  تاريخ دمشق، ج13، ص247.
[7]  الكافي، ج2، ص194، ح7.
[8]  الكافي، ج2، ص196، ح14.
[9]  الكافي، ج2، ص197، ح2.
[10]  أمالي الشيخ الطوسي، ص99، ح6.
[11]  أمالي الشيخ الطوسي، ص670، ح18.
[12]  فضل الأشهر الثلاثة، ص 71.