اختيار شريك الحياة
ورد عن رسول الله
: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ»[1] .
إذا كان مستوى الأهمية والخطورة في أيّ قرار يُقاس بنسبة تأثيره في حياة الإنسان، فإنّ قرار اختيار شريك الحياة هو واحد من أهم وأخطر القرارات التي يتخذها الرجل والمرأة، لما للعلاقة الزوجية من تأثير على كلّ أبعاد شخصية الإنسان ومجالات حياته.
ولا يحتاج الأمر إلى برهنة أو استدلال، فإنها قضية وجدانية نعيشها في واقع حياتنا الاجتماعية.
الاستقرار والاضطراب في الحياة الزوجية
إنّ نجاح الحياة الزوجية، يمنح كلا الزوجين حالة الاستقرار النفسي والرضا عن الذات، والشعور بالأمن والسعادة، وينعكس ذلك على سلوكهما الاجتماعي وإنتاجيتهما العملية وحُسن تربيتهما للأبناء.
بينما يؤدي الاضطراب في الحياة الزوجية إلى التأزم والتوتر النفسي، ويُفقد الطرفين الشعور بالاستقرار والأمن والسعادة، ويؤثر على فاعليتهما الإيجابية في مختلف أبعاد الحياة الشخصية والاجتماعية والتربوية.
من هنا تأتي أهمية اختيار شريك الحياة، لأنّ الزواج يمثل علاقة لا تشبهها أيّ علاقة أخرى في الحياة الإنسانية. وهو ما يوجب على الإنسان الاجتهاد في حسن الاختيار واعتماد معايير سليمة، وآلية صحيحة لاتخاذ قرار الاختيار.
نظريات في اختيار شريك الحياة
ويطرح علماء الاجتماع عدّة نظريات في تفسير اختيار شريك الحياة، من أبرزها:
1. نظرية التجانس، حيث يبحث الإنسان غالبًا عن شريك يشبهه في معظم الصفات والسمات، يتوافق معه في الانتماء الديني، وطريقة التفكير، وفي العِرق واللون، وتقارب السنّ، ومستوى المعيشة والتعليم، والصفات الجسمية والنفسية.
2. نظرية تكامل الحاجات، حيث تكون دوافع الاختيار تكاملية أكثر منها تجانسية، تركز على الخصائص المغايرة أكثر من المشابهة، فمن يمتلك الثروة لا يبحث عن مثيله، لأنه ليس بحاجة لذلك، بل يبحث عمّن يمنحه الحب والرضا، وصاحب الشخصية القوية، لا ينجذب إلى القوي الندّ والمنافس، بل ينجذب نحو الشخصية الخاضعة.
3. نظرية المعايير والقيم: أن يكون الشريك الآخر ملتزمًا بذات القيم المعيارية التي يلتزم بها شريكه، لتكون مرجعية لهما في حياتهما المشتركة، ومنطلقًا لقبول وثقة كلٍّ منهما في الآخر، ليعيشا حالة الأمن والاطمئنان والرضا المتبادل.
ونجد هنا اهتمام النصوص الدينية بالتركيز على قيمتين معياريتين، مع عدم إغفال المعايير المهمة الأخرى. وهو ما تضمّنه الحديث النبوي: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَـزَوِّجُوهُ، إِلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ»[2] .
والخُلُق هو: استقامة الشخصية والسلوك، والدين يعني: مرجعية الإنسان في قراراته وتصرفاته. هذان هما المعياران الأهم، مع مستوى مقبول من المواصفات الأخرى.
وورد أنّ رجلًا جاء للإمام الحسن
يستشيره في تزويج ابنته: فَقَالَ
: «زَوِّجْهَا مِنْ رَجُلٍ تَقِيٍّ، فَإِنَّهُ إنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا»[3] .
البحث عن شريك مثالي
هناك من يسيطر على ذهنه التفكير المثالي، فيبحث الرجل عن زوجة تجتمع فيها أفضل صفات الجمال الجسمي، والكمال النفسي، والمكانة الاجتماعية.
وقد ترسم الفتاة صورة خيالية لفارس أحلامها في رشاقته وجماله، وطيبه وأخلاقه، وثروته ووظيفته.
وقد يكون للأهل دور في تشجيع هذا التفكير المثالي.
وعادة ما يعيش أصحاب هذا التفكير المثالي النرجسي مدّةً طويلة من الانتظار والتردد في اتخاذ القرار. فلا يقدمون على الزواج، وإذا أقدموا يصطدمون بعدم الواقعية في تصوراتهم، وهو ما يسبب لهم الشعور بالفشل، وعدم النجاح في الحياة الزوجية.
نقل الجاحظ في كتاب (المحاسن والأضداد): أنّ خالد بن صفوان طلب من شخص أن يبحث له عن امرأة، تجتمع فيها قائمة عريضة من الصفات، منها: أن تكون بكرًا، قد أدبها الغنى، وذللها الفقر، لها عقل وافر، وخلق طاهر، وجمال ظاهر، كريمة المحتد، رخيمة المنطق، لينة الأطراف، ثقيلة الأرداف... إلخ. فقال له الوسيط: استفتح أبواب الجنان فإنك ستراها[4] .
ومن المناسب جدًا الإشارة إلى ما قاله عالم النفس والفيلسوف (إريك فروم، 1900-1980م): إننا مشغولون جدًا بإيجاد الشريك المثالي، لكننا لسنا مشغولين بأن نكون نحن الشريك المثالي، وأفضل نسخة يمكن أن نكون[5] .
النظرة المادية والتسرع العاطفي
وهناك من تحكمه النظرة العاطفية والمادية، فيجتذبه جمال فتاة أو ثراؤها، دون أن يفكر في الجوانب الأخرى من صفاتها.
ورد عن رسول الله
: «لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ، فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ»[6] .
وورد عن الإمام جعفر الصادق
: «قامَ رَسولُ اللهِ
خَطيبًا فَقالَ: أيُّهَا النّاسُ، إيّاكُم وخَضراءَ الدِّمَنِ. قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وما خَضراءُ الدِّمَنِ؟ قالَ: المَرأَةُ الحَسناءُ في مَنبَتِ السّوءِ»[7] .
وقد تنجذب الفتاة عاطفيًا لشخص أبدى لها الإعجاب، وأثار لديها الجانب العاطفي، دون أن تتوفر فيه مقومات الزوج الصالح، فتنخدع به، وتقع في ورطة وشقاء.
المساعدة في ترشيد قرار الاختيار
لا بُدّ من مساعدة أبنائنا وبناتنا في ترشيد اختياراتهم لشريك الحياة، بالتفاهم معهم على المعايير السليمة، وتشجيعهم على التفكير الموضوعي الصحيح.
ونحتاج في مجتمعنا إلى وجود مؤسسات اجتماعية، تقدّم هذه الخدمة بشكل احترافي وبموثوقية.
وعلى المستوى العالمي هناك مواقع إلكترونية كثيرة، تُعرف بمواقع "صانعي الأزواج (Matchmakers)"، وهو مجال يزداد ضخامةً في حجمه ومردوده الاستثماري.
وقد قرأت عن عدد من الجمعيات المهتمة بالشأن الأسري في المملكة، لديها برامج متخصصة، وقاعدة بيانات للتوفيق بين الراغبين في الزواج، وتقييم التوافق النفسي والاجتماعي، بإشراف مختصين أسريين.
ومن هذه الجمعيات:
1. جمعية العفاف للزواج والتنمية الأسرية بجدة.
2. الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة بالأحساء (رعاية).
3. جمعية التنمية الأسرية بالأحساء (أسرية).
4. الجمعية الخيرية لتيسير الزواج والرعاية الأسرية بعنيزة (تآلف).
5. جمعية الزواج والتنمية الأسرية بالطائف.
وهناك مأذونون شرعيون معتمدون رسميًا، لهم مكاتب تقدّم خدمة الاقتراح والترشيح للراغبين في الزواج، وتقوم بدور التعريف والتوفيق، مع الالتزام بالضوابط الشرعية والاجتماعية.
إننا بحاجة إلى جهات تتصدى لتقديم هذه الخدمة المهمة، في كلّ مدينة وكلّ قرية، لتيسير الزواج، ومساعدة الراغبين فيه من أبنائنا وبناتنا.
مصادر الخطبة:
- ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 2009م.
- الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف، الرياض، ط2، 1407هـ.
- الجاحظ، عمرو بن بحر البصري، المحاسن والأضداد، دار إحياء العلوم، بيروت، ط2، 1418هـ.
- الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج20، ص76، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، ط1، 1993م.
- الطبرسي، الشيخ رضي الدين، مكارم الأخلاق، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط4، 1425هـ.
- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.






