الكفاءة الشخصية والانتماء العائلي

 

يقول تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [سورة الطور، الآية: 21].

تهتم المجتمعات التقليدية والقبلية في تقويم شخصية الإنسان بانتمائه العائلي والقبلي، فكلّما انتمى إلى قبيلة أقوى وعائلة أفضل، كانت مكانته في نظرهم أعلى، واحترامه أكبر.

أما إذا كان ينتمي إلى قبيلة ضعيفة، أو عائلة هامشية، فإنه لا يحظى لديهم بذلك القدر من الاحترام.

وأول ما يودون معرفته عن أيّ شخص، هو انتماؤه العائلي والقبلي، كما يتفاخرون بالأنساب والأحساب، وأمجاد قبائلهم وعشائرهم.

أمّا في المجتمعات الحديثة فيُنظر إلى الإنسان من خلال كفاءته وإنجازه، كمستواه التعليمي، ومكانته الوظيفية، وخبرته وثروته، ودوره الاجتماعي، دون أيّ اعتبار لحسبه ونسبه.

وحينما جاء الإسلام كان العرب يبالغون في الاهتمام بالانتماء القبلي، وفي التفاخر بالأحساب والأنساب. وكان ذلك معيارًا أساسًا في تقويم الأشخاص، وإنشاء العلاقات والارتباط فيما بينهم، وفي أمر اختيار الزوج مثلًا، كانت هذه النظرة الطبقية حاكمة عليهم. فلا يزوج الرجل ابنته إلّا لابن قبيلة توازي قبيلته في المكانة والقوة.

الإسلام ثورةٌ على الطبقية والتمييز

أعلن الإسلام ثورته على التمييز العنصري والطبقية القبلية في رؤية الإسلام، وبشّر بثقافة إنسانية جديدة تُقَوِّمُ الإنسان من خلال كفاءته والتزامه بالقيم والأخلاق الفاضلة.

فإنّ تنوع الانتماءات العرقية والقومية والقبلية، ليست معيارًا ولا مقياسًا لتصنيف أقدار الناس. يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [سورة الحجرات، الآية: 13].

وخطب النبي يوم فتح مكة ليرسي هذا المبدأ قائلًا: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَفَاخُرَهَا بِآبَائِهَا، أَلَا إِنَّكُمْ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَآدَمُ مِنْ طِينٍ، أَلَا إِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللهِ عَبْدٌ اتَّقَاهُ، إِنَّ الْعَرَبِيَّةَ لَيْسَتْ بِأَبٍ وَالِدٍ، وَلَكِنَّهَا لِسَانٌ نَاطِقٌ، فَمَنْ قَصَّرَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَسَبُهُ»[1] .

وفي موضوع اختيار الزوج أكّد الإسلام أنّ المعيار هو الخلق والدين: كما جاء عنه : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ»[2] ، «المُؤْمِنُ كُفْءٌ لِلْمُؤْمِنَةِ، وَالْمُسْلِمُ كُفْءٌ لِلْمُسْلِمَةِ»[3] .

وقد زوج رسول الله ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب، من المقداد بن الأسود الكندي [كان مولى لبني كندة] ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا زَوَّجْتُ ابْنَةَ عَمّي الْمِقْدَادَ لِيَتَّضِعَ النِّكَاحُ»[4] .

وجاء في حديث آخر عنه : «إِنَّمَا زَوَّجْتُ مَوْلَايَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَزَوَّجْتُ الْمِقْدَادَ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ لِتَعْلَمُوا أَنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَحْسَنُكُمْ إِسْلَامًا»[5] .

وورد عن أمير المؤمنين علي قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ دَنِيًّا فِي نَسَبِهِ؟ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ»[6] .

الكفاءة الشخصية هي الأهمّ

فالكفاءة الشخصية هي أهمُّ من الانتماء العائلي، وهذا ما تؤكده نصوص دينية كثيرة. فقد ورد عن رسول الله : «مَنْ قَصَّرَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَبْلُغْهُ رُضْوانُ الله حَسَبُهُ»[7] .

وجاء عن الإمام محمد الباقر : «أَصْلُ الْمَرْءِ دِينُهُ، وَحَسَبُهُ خُلُقُهُ، وَكَرَمُهُ تَقْوَاهُ، وَإِنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ شَرَعٌ سَوَاءٌ»[8] .

وورد عن أمير المؤمنين علي : «الْمُفْتَخِرُ بِنَفْسِهِ أَشْرَفُ مِنَ الْمُفْتَخِرِ بِأَبِيهِ»[9] .

ويُنسب له قوله:

كُنِ ابنَ مَن شِئتَ واكتَسِب أَدَبًا                    يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ

فَلَيسَ يُغني الحَسيبُ نِسبَتَهُ                            بِلا لِسانٍ لَهُ وَلا أَدَبِ

إِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا                           لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي

وعن علي بن مهزيار قال: كتب علي بن أسباط إلى أبي جعفر [الإمام محمد] الباقر في أمر بناته، وأنه لا يجد أحدًا مثله، فكتب إليه أبو جعفر : «فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ بَنَاتِكَ، وَأَنَّكَ لَا تَجِدُ أَحَدًا مِثْلَكَ، فَلَا تَنْظُرْ فِي ذَلِكَ رَحِمَكَ الله، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ»[10] .

عامل الوراثة والتربية

لكنّ هناك نصوصًا دينية تشير إلى أهمية الاختيار في الزواج من العائلة الصالحة، نظرًا لعامل التأثير الوراثي، ولدور التربية والتنشئة فإنّ من ينشأ في أحضان أسرة صالحة، يكون أقرب إلى الصلاح،

فقد ورد عن رسول الله : «تَزَوَّجوا فِي الحُجزِ الصّالِحِ، فَإِنَّ العِرقَ دَسّاسٌ[11] »[12] .

وعنه : «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم، وانتَخِبُوا المَناكِحَ»[13] .

وورد عنه : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وخَضْرَاءَ الدِّمَنِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، ومَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ؟ قَالَ: الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي مَنْبِتِ السَّوْءِ»[14] .

ومن الناحية العلمية، فإنّ العلوم الحديثة، تشير إلى أنّ الجينات الوراثية لها تأثير واضح في الجانب البيولوجي الجسمي كاللون والشكل، ولها تأثير أيضًا على جانب الطباع والصفات النفسية والسلوكية، لكنّ هذا التأثير النفسي والسلوكي ليس حتميًا، وإنما هو نوع من القابلية والاستعداد، يمكن تجاوزه عن طريق التربية والأجواء الصالحة، فالأخلاقُ والطباعُ النفسيةُ والسلوكيةُ قابلة للاكتساب والتغيير.

يقول الشيخ محمد تقي الفلسفي: (إذا كانت جميع الصفات الوراثية حتمية غير قابلة للتغيير، وإذا كانت جميع الصفات الرذيلة في الأبوين تنتقل إلى الأولاد تمامًا، شأن لون العيون أو الجنون والحماقة... لم يكن معنى لإرسال الأنبياء من قبل الله تعالى، وكانت الشرايع والتعاليم السماوية لغوًا لا فائدة فيها، كما أنه من العبث قيام المحاولات الإصلاحية والمذاهب التربوية في المجتمعات البشرية، لأنها لا تستطيع أن تؤثر في السلوك الموروث)[15] .

استعداد وليس حتمية

إنه ليس حتمًا أن يكون المنتمي لعائلة صالحة صالحًا، فنحن نعلم أنّ بعض أولاد الأنبياء والأئمة لم يكونوا صالحين، فقابيل ابن آدم قتل أخاه هابيل ظلمًا وعدوانًا. وابن نوح لم يستجب لأبيه ولم يركب معه في السفينة فكان من المغرقين. وفي أولاد الأئمة: عبدالله الأفطح ابن الإمام جعفر الصادق ، وجعفر الكذاب بن الإمام علي الهادي .

كما أنه ليس حتمًا أن يكون ابن العائلة السيئة سيئًا، فقد يتوفق للصلاح ويتجاوز تأثير عائلته. ونسوق هنا شاهدًا ومثالاً مما ذكرته الروايات عن سعد بن عبدالملك الأموي، ومعروف ما كانت عليه الأسرة الأموية أيام حكمها وتسلطها من عداء لأهل البيت، لكنّ الإمام محمد الباقر سمى سعد بن عبدالملك (سعد الخير)، وقد ورد أنه دخل يومًا باكيًا على الإمام الباقر، فقال له: «مَا يُبْكِيكَ يَا سَعْدُ؟»، قَالَ: كَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَنَا مِنَ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ الْبَاقِرُ : «لَسْتَ مِنْهُمْ، أَنْتَ أُمَوِيٌّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَحْكِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي»[16] .

على أنّ النصوص الواردة حول اختيار الزوج والزوجة، والصفات التي ينبغي الحرص عليها فيهما، تركز بالدرجة الأولى على الصفات الذاتية في شخصيتيهما، من التديّن والصلاح ومكارم الأخلاق. أما النصوص التي تتحدث عن صلاح العائلة وصفاتها فهي قليلة، والمعتبر منها سندًا أقلّ، إضافة إلى ما ذكرناه من أنها تدعو للانتباه من التأثيرات السلبية للعائلة على الولد أو الفتاة، فإذا تبين تجاوزهما لتلك التأثيرات فلا داعي للتردد والتوقف.

وخاصةً في هذا العصر الذي انخفضت فيه تأثيرات الوراثة والتربية، بسبب عوامل التأثير العامة، وشعور الأفراد بذواتهم، وممارستهم لاستقلال الشخصية.

لا داعي للمبالغة والتعقيد

قد يحصل في بعض الحالات أن يتعرف الشاب على فتاة صالحة، لكنّ أحدًا من عائلتها فاسد، فتعاقب هذه الفتاة بعدم الزواج منها، وهذا ظلم؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وقد تكررت هذه العبارة خمس مرات في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ‎*‏ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ ‎*‏ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ‎*‏ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ‎*‏ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ [سورة النجم، الآية: 28].

ويقول تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ فكلّ إنسان مسؤول عن عمله ومرهون به، ولا يتحمل مسؤولية عمل الآخرين وإن كانوا أقرب الناس إليه، ولا ينبغي أن يُحمّل ذلك.

إنّ علينا ألّا نبالغ في بعض الشروط والملاحظات عند اختيار الزوجة أو الزوج، إذا توفّر المعياران الأساسان، «ترضون خلقه ودينه»، أما النواقص والثغرات الأخرى فمعظمها قابل للمعالجة والتجاوز، ليكون الزواج أكثر يسرًا، وأبعد عن التعقيد.

مصادر الخطبة:

1. ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1412هـ.

2. الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1417هـ.

3. الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، ط1، 1412هـ.

4. الخوئي، السيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث، مركز نشر آثار الشيعة، قم، ط4، 1410هـ.

5. الطبرسي، الشيخ رضي الدين، مكارم الأخلاق، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط4، 1425هـ.

6. فلسفي، الشيخ محمد تقي، الطفل بين الوراثة والتربية، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط3، 1403هـ.

7. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.

8. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.

9. المفيد، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري، الاختصاص، سلسلة المؤلفات 12، دار المفيد، بيروت، ط7، 1425هـ.

10. الهندي، الشيخ علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1399هـ.

 

خطبة الجمعة 22 شوال 1447هـ الموافق 10 أبريل 2026م.

[1]  الكافي، ج8، ص205، ح342.
[2]  وسائل الشيعة، ج20، ص78، ح6. ومثله في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ح1022.
[3]  الكافي، ج5، ص341، ح1.
[4]  وسائل الشيعة، ج20، ص62، ح3.
[5]  كنز العمال، ح313
[6]  وسائل الشيعة، ج20، ص78، ح6.
[7]  بحار الأنوار، ج79، ص295، ح24.
[8]  بحار الأنوار، ج79، ص295، ح25.
[9]  الاختصاص، ص186.
[10]  وسائل الشيعة، ج20، ص76، ح1.
[11]  أي دَخّالٌ؛ لأنه يَنْزع في خفاءٍ ولُطف. لسان العرب، مادة (دسس).
[12]  مكارم الأخلاق: ج1، ص432. كنز العمّال، ح44559.
[13]  كنز العمّال، ح 44594.
[14]  الكافي، ج5، ص332، ح4.
[15]  الطفل بين الوراثة والتربية، ج1، ص127.
[16]  معجم رجال الحديث، ج8، ص96.