قرار الزواج وسلطة الوالدين
جاء في الكافي بسند صحيح عن رسول الله
أنه قال: «رَحِمَ اللهُ مَنْ أَعَانَ وَلَدَهُ عَلى بِرِّهِ»، قيل: كَيْفَ يُعِينُهُ عَلى بِرِّهِ؟ قَالَ
: «يَقْبَلُ مَيْسُورَهُ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مَعْسُورِهِ، وَلا يُرْهِقُهُ، وَلَا يَخْرقُ بِهِ»[1] .
إذا كانت فطرة الإنسان تدفعه لشكر وتقدير من أحسن إليه، أو قدّم له أيَّ خدمة ولو كانت يسيرة، فإنه سيدرك عظيم حقّ والديه، وعدم قدرته على مكافأة إحسانهما إليه، وفضلهما عليه، مهما قدّم لهما من خدمة وبر.
لذلك فإنّ الله تعالى يقرن شكره بشكر الوالدين، يقول تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [سورة لقمان، الآية: 14].
كما أنه تعالى يُقرن فرض عبادته على الإنسان بفرض الإحسان إلى الوالدين، يقول تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: 23].
والنصوص الدينية في بِرِّ الوالدين كثيرة لا تماثلها أية نصوص أخرى في قوة تأكيدها على موضوعها. فبرُّ الوالدين من البديهيات والضرورات الدينية والإنسانية، ومن أبرز القيم الأخلاقية التي لا تحتاج إلى برهنة واستدلال.
وهناك بديهية أخرى ثابتة وواضحة أيضًا، هي عمق حب الوالدين لأولادهما، فليس هناك أحدٌ أحنّ ولا أشفق على الإنسان من والديه، اللذين يبذلان له الحب والحنان، ويسعيان بكلّ جهدهما وطاقتهما، لدفع أيِّ خطر وسوء عنه، ولجلب كلّ مصلحة وخير إليه.
وعلى هذا الأساس تكون لهما الولاية عليه في صغره، وحقّ التوجيه والإرشاد في كبره، فهما أسبق منه وجودًا، وأكثر خبرة وتجربة، وعليه أن يستفيد من خبرتهما وتجربتهما، ويستجيب لأمرهما ورغبتهما.
استقلال شخصية الولد
لكنّ هناك حقيقة واقعية لا يمكن التنكر لها، ترتبط بطبيعة وجود هذا الكائن الإنساني، وهي تنامي شعوره بذاته بعد تجاوزه مرحلة الطفولة، ومع تكامل نضجه الجسمي بالبلوغ، وتفتّق مداركه العقلية، ووصوله إلى سنّ الرشد العرفي، هنا لا بُدّ من الاعتراف باستقلال شخصيته؛ ليتحمّل مسؤولية إدارة نفسه، وتدبير شؤون حياته، وليكون عضوًا فاعلًا في محيطه الاجتماعي.
وقد يحصل التباس في أوساط بعض المجتمعات التقليدية، يتمثل في تأخر الاعتراف باستقلال شخصية الشاب والفتاة، وميل الوالدين إلى استمرار التعامل معهما كصغيرين وقاصرين، والتدخل في قراراتهما الشخصية المرتبطة بإدارة الذات وتنظيم شؤون الحياة الخاصة، مما قد يُحدث ارتباكًا في حياة الأولاد، وخللًا في علاقتهم بالوالدين.
والوالدان هنا ينطلقان من نية حسنة، فهما يعتقدان أنهما أعرف بالمصلحة، في المقابل فإنّ الشاب والفتاة خاصة في هذا العصر، ومع تقدّم مستوى التعليم، واتساع أفق المعرفة والثقافة، والانفتاح على الحياة من خلال الوظيفة والعمل، تتكون لهم آراء وقناعات قد تختلف عن نسق تفكير الوالدين ونمط حياتهما، ويرون أنّ من حقهم أن يخوضوا تجربة الحياة من خلال قناعاتهم وآرائهم، التي تنتمي إلى عصرهم وجيلهم.
ويبدو من التعاليم والنصوص الدينية أنّ الدين، ومع تأكيده على البرّ بالوالدين، إلّا أنه يوجه الوالدين ويرشدهما إلى رعاية استقلال شخصية الأبناء حينما يصلون إلى سنّ البلوغ والرشد. وألّا يتدخلا في شؤون الأولاد الخاصة بهم إلّا على مستوى النصيحة والإرشاد، وليس الفرض والإلزام؛ لأنّ ذلك ليس من حقهما، ولأنه يُعقّد العلاقة بينهم وبين أولادهم.
وهذا ما يشير إليه الحديث النبوي، عنه
«رَحِمَ اللهُ مَنْ أَعَانَ وَلَدَهُ عَلى بِرِّهِ»، قيل: كَيْفَ يُعِينُهُ عَلى بِرِّهِ؟ قَالَ
: «يَقْبَلُ مَيْسُورَهُ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مَعْسُورِهِ، وَلا يُرْهِقُهُ، وَلَا يَخْرقُ بِهِ»[2] .
الزواج شأن خاص
ويأتي قرار الزواج في طليعة الشأن الخاص بالإنسان، فلا يحقّ للوالدين أن يفرضا على الشاب أو الفتاة اختيار شريك الحياة، ولا يحقّ لهما أن يمنعاهما من الاختيار ضمن الضوابط الشرعية.
إنّ طاعة الوالدين لا تجب على سبيل الإطلاق، خاصة حينما تصطدم بتنظيم الولد لشؤون حياته الخاصة، وتؤدي إلى الإضرار بمصالحه.
وفي كتاب (وسائل الشيعة) بابٌ في كتاب النكاح، يضم عددًا من الروايات، عنوانه: (باب أنه لا ولاية على الصبي بعد البلوغ والرشد للأبوين ولا لغيرهما، فإن زوّجاه وقف على رضاه، ويجوز أن يتزوج وإن كرها).
ومن المؤسف أن نجد بعض الحالات من التدخل في اختيار الشاب لشريكة حياته، حيث إنّ بعض الشباب قد يرغب في الاقتران بفتاة يراها مناسبة له، لكنه يصطدم برفض أهله دون أن يستند الرفض إلى مبرر مقبول لديه، ويغلق أهله باب النقاش، ويخيّرونه بين الخضوع لهم أو تخلّيهم عنه!! مما يسبب له اضطرابًا عاطفيًا وإرباكًا نفسيًا، قد يدخله في دوامة مشكلة تؤثر على مستقبله وحياته.
وهذا يمثل ابتزازًا يرفضه الدين، حيث لا ولاية للأهل على الولد البالغ الراشد في قرار الزواج، نعم، لهم حقّ إبداء الرأي والنصيحة، وعليه أن يأخذ رأي أهله ونصيحتهم بعين الاعتبار، فيعيد دراسة الموضوع، لكنه يبقى صاحب القرار، وعليهم ألّا يغضبوا حين يمارس حقّه المشروع، ولا يعتبر عاقًا حينئذٍ.
عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ الصَّادِقِ
: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَأَنَّ أَبَوَيَّ أَرَادَا أَنْ يُزَوِّجَانِي غَيْرَهَا؟ قَالَ
: «تَزَوَّجِ الَّتِي هَوِيتَ، وَدَعِ الَّتِي هَوَى أَبَوَاكَ»[3] .
مصادرة قرار الفتاة
وتأخذ هذه المشكلة منحًى أشدّ خطورة بالنسبة للفتيات، لوجود رأي فقهي يقرّر الولاية على البنت البكر في الزواج مهما تقدّم بها السنّ أو امتلكت النضج والرشد، وهو رأي المذهب الشافعي والمالكي والحنبلي وبعض فقهاء الشيعة، يقابله رأي آخر يرفع هذه الولاية مع بلوغ الفتاة ورشدها، ويعطيها حقّ القرار في اختيار شريك حياتها، وهو رأي المذهب الحنفي وبعض فقهاء الشيعة.
ومع استناد كلِّ من الرأيين لنصوص دينية، إلّا أنّ الرأي الثاني أقرب لأصول التشريع، وأكثر انسجاما مع كرامة الإنسان، وتطور الوعي الحقوقي والاجتماعي.
وحين تصل المسألة إلى مستوى عضل الفتاة وحرمانها من الزواج دون مبرر صحيح، تسقط تلك الولاية حتى عند الفقهاء القائلين بها.
إنّ كثيرًا من الفتيات في مجتمعاتنا الإسلامية يواجهن مشكلات كبيرة في اتخاذ قرار الزواج وفق رغبتهن واختيارهن، فقد يفرض عليهنّ القرار من أهلهنّ بالزواج ممن لا يرغبن، وقد تُمنع من الزواج حين تتاح لها الفرصة التي تراها مناسبة؛ لاعتماد أهلها معايير وأعرافًا معينة، مما يدفع بعض الفتيات للانتحار أو الهروب من بيت الأسرة، أو تعاني من العنوسة طوال حياتها، أو تخوض تجربة زواجية فاشلة، بسبب عدم رغبتها فيمن زُوّجت به، أو انشدادها عاطفيًا لشخص آخر.
وقد تلجأ بعض الفتيات إلى المحاكم الشرعية في مقابل سوء ممارسة الولي لولايته عليها وعضلها عن الزواج، لكنّها في الغالب حالات محدودة، حيث تحجم أكثريتهن عن الإقدام على هذه الخطوة، خوفًا من نتائجها وخضوعًا لسطوة التقاليد والأعراف.
الحذر من النتائج السلبية
إنّ اشتراط إذن الولي في زواج الفتاة عند من يقول به هو حقٌّ للولي، وليس واجبًا عليه شرعًا إعمال هذا الحقّ، فينبغي أخذ الظروف الحاضرة بعين الاعتبار، والتفكير في المآلات السلبية التي قد تترتب على استخدام هذا الحقّ.
إنّ بعض العوائل قد يعترضون على اختيار الشاب أو الفتاة انطلاقًا من خوفهم من نقد الناس أو اعتراضهم، فلكي يحمي الأب سمعته يضحي بمستقبل ومصلحة ابنته أو ولده، وهذا ليس صحيحًا ولا مقبولًا.
مصادر الخطبة:
الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.






