نقد الذات ونقد الآخر

 

يقول تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ [سورة النجم، الآية: 32].

منح الله تعالى الإنسان منظومة متكاملة من أدوات الإدراك والتمييز، حيث منحه الحواس الظاهرة التي يدرك بها العالم المحسوس، كالسمع والبصر والشم واللمس، وبها يميز الأشكال والأصوات والروائح والأجسام، كذلك أودع في أعماقه فطرة حيّة، ووجدانًا يقظًا، وعقلًا قادرًا، ليميّز الأمور المعنوية، فيفرق بها بين الحق والباطل، والخير والشر، والصواب والخطأ.

إنّ هذه البصيرة الداخلية تمثّل ركيزة أساسية في بناء شخصية الإنسان وتقويم سلوكه.

يقول تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‎*‏ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [سورة الشمس، الآيتان: 7-8].

وجاء في حديث وَابِصَة بْنِ مَعْبَدٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ لَهُ: «جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ،

فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: «يَا وَابِصَةُ، اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»[1] .

إنّ الإنسان يحمل في داخله ميزانًا وجدانيًا يشعر من خلاله بطمأنينة الحق واضطراب الباطل، حتى وإن حاول البعض تبرير الخطأ أو تغليفه بالمسوغات.

وكما أنّ عناية الإنسان بحواسه تضمن سلامتها، وتمكنه من الاستفادة الأفضل منها، فإنّ اهتمامه بفطرته ووجدانه وعقله وتنشيط أدوارها في حياته يجعله أكثر استفادة منها، واهتداءً بها في الفكر والسلوك، بينما إهمالها يؤدي إلى ضعف الحس الأخلاقي وتراجع القدرة على التمييز السليم.

جهاز الإنذار تجاه الخطأ

إنّ تنشيط دور الضمير الإنساني يجعل صاحبه أكثر قدرة على مراجعة ذاته وتصحيح أخطائه، قبل أن تتفاقم أو تتحول إلى سلوك دائم.

وإنّ أهم ما يحتاجه الإنسان في حياته أن يجعل جهازه الداخلي للاستشعار والإنذار قويًا وفعالًا تجاه الخطأ، حتى لا يقع في الخطأ، وإذا ما وقع فيه لغفلة أو شبهة أو ضعف إرادة، عاد إلى رشده بسرعة وتراجع عن الخطأ، وصحح مساره. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة آل عمران، الآية: 135] .

إنّ ذكر الله عند الخطأ لا يعني مجرّد التلفظ بالأذكار، بل يتمثّل في يقظة الضمير، واستحضار رقابة الله، والإصغاء لصوت الفطرة والعقل. بينما يمثل الاستغفار حالة إدراك الخطأ والاعتراف به، والتراجع عنه، وتصحيح المسار.

وهذا السلوك هو التجسيد العملي لمفهوم نقد الذات، أي استعداد الإنسان لفحص سلوكه ومواقفه، ومحاسبة نفسه باستمرار، لأنه ليس معصومًا من الخطأ، فلا بُدّ أن يتأكد من وضعه عبر المراجعة ومحاسبة النفس، فذلك هو السبيل لتفادي الأخطاء وتجاوزها، وحماية النفس من الانحراف.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «مَنْ حَاسَبَ نَفْسَه رَبِحَ ومَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ»[2] .

وعنه : «مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ وَقَفَ عَلَى عُيُوبِهِ، وَأَحَاطَ بِذُنُوبِهِ، فَاسْتَقَالَ الذُّنُوبَ، وَأَصْلَحَ الْعُيُوبَ»[3] .

أولوية نقد الذات

إنّ بعض الناس يُعمل جهاز الاستشعار والإنذار تجاه أخطاء الآخرين، ويجمّد عمله تجاه نفسه، فيترصد أخطاء الغير، ويتحدث عنها، ويبقى هو مسترسلًا في أخطائه.

وأكثر ما تتجلى هذه الحالة عند الإنسان في مورد اختلافه ونزاعه مع الآخرين، فتجد في الخلافات العائلية والاجتماعية، أنّ كل طرف يبرئ نفسه من أيّ خطأ، ويحمّل الطرف الآخر مسؤولية الخلاف.

إنه نوع من المكابرة وتزكية النفس، وهو ما تُحذّر منه الآية الكريمة ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ [سورة النجم، الآية: 32].

وتزكية النفس لها معنيان مختلفان، الأول: إيجابي؛ يتمثل في السعي لتهذيب النفس وإصلاحها، والارتقاء بها، وهو ما دعا إليه القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا [سورة الشمس، الآية: 9].

والمعنى الثاني: سلبي؛ وهو ادّعاء الكمال، والتنصل من الأخطاء، والتظاهر بالطهارة المطلقة، وهو المعنى المذموم الذي حذّرت منه النصوص الدينية.

فالإنسان يعرف ويميّز الخطأ بفطرته ووجدانه وعقله، ويدرك في أعماقه أنه مخطئ، لكنّ حبّ الذات أو العناد، يدفعانه إلى المكابرة والتظاهر بالبراءة والطهارة، غير أنّ ذلك لا يخفى على الله تعالى، تقول الآية الكريمة: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ [سورة النجم، الآية: 32].

ورد عن الإمام محمد الباقر في تفسير هذه الآية: «لا يَفْتَخِرْ أَحَدُكُمْ بِكَثْرَةِ صَلاتِهِ وَصِيامِهِ وَزَكاتِهِ وَنُسُكِهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعالى أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى مِنْكُمْ»[4] .

ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [سورة النساء، الآية: 49]، إنها ظاهرة ملفتة للنظر، أن يدّعي الإنسان لنفسه الكمال والبراءة من كلّ خطأ ونقص.

إنّ على الإنسان في كلّ مورد خلاف أو نزاع، مع القريبين أو البعيدين، أن يراجع نفسه بصدق، ويبحث عن مقدار مسؤوليته عن المشكلة، وأن ينصف الآخرين من نفسه، وذلك ما يفتح الباب لمعالجة الخلاف والنزاع.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «الْإِنْصَافُ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيُوجِبُ الِائْتِلَافَ»[5] .

وعنه : «أَلَا إِنَّهُ مَنْ يُنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا عِزًّا»[6] .

فالاعتراف بالخطأ تجاه الآخرين والتراجع عنه، ليس موقف ضعف أو انتقاص من الكرامة، بل هو دليل شجاعة أخلاقية، ونضج إنساني تستوجب الفضل والعزّ.

احتراف نقد الآخرين

وهناك من الناس من يحترف نقد الآخرين، ويهتم بالحديث عن أخطائهم ونقاط ضعفهم، ويغفل نقد نفسه ومعالجة أخطائه، وكأنه يمثل الكمال ويجسّد الصواب، أو تخلو شخصيته من نقاط الضعف، وسلوكه من الخطأ، وقد يكون الدافع لذلك الهروب من مواجهة الذات، بتجاهل الخلل والخطأ في حياته والانشغال بعيوب غيره، فتكون النتيجة ترسيخ الخلل في الشخصية وتراكم الأخطاء والعيوب، وهذا ما تُحذّر منه كثير من النصوص الدينية والتعاليم الأخلاقية.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَه عَيْبُه عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ»[7] .

وعنه : «مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِه اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِه»[8] .

وعنه : «إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنًا، وَلِنَفْسِكَ مُدَاهِنًا، فَتَعْظُمَ عَلَيْكَ الْحُوبَةُ وَتُحْرَمَ الْمَثُوبَةَ»[9] .

وعنه : «جَهْلُ الْمَرْءِ بِعُيُوبِهِ مِنْ أَكْبَرِ ذُنُوبِهِ»[10] .

وجاء عن الإمام جعفر الصادق : «مَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ نَفْسِهِ، اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ غَيْرِهِ»[11] .

إنّ تغافل الإنسان عن أخطائه ونقاط ضعفه، واشتغاله بأخطاء الآخرين، يكرّس النقص في شخصيته وسلوكه، ويصاب بالغرور وبوهم الكمال، ويصنع له عداواتٍ مع الآخرين، ويخلق الأجواء السلبية في محيطه الاجتماعي، ويناله سخط الله سبحانه.

والمقصود هنا هو النقد في القضايا الشخصية، أما نقد الأفكار والآراء بموضوعية ومنهج علمي، دون شخصنة وتجريح، فهو أمر إيجابي مطلوب، لأنه يسهم في تصحيح المسارات، وتطوير الوعي، وتعزيز الحوار الفكري البنّاء.

مصادر الخطبة:
  1. ابن حنبل، أحمد، المسند، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1419هـ
  2. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
  3. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
  4. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.

 

خطبة الجمعة 28 ذو القعدة 1447هـ الموافق 15 مايو 2026م.

[1]  مسند أحمد بن حنبل، ح18164.
[2]  نهج البلاغة، حكمة رقم: 208.
[3]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص340، ح594.
[4]  بحار الأنوار، ج5، ص233.
[5]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص18، ح195.
[6]  بحار الأنوار، ج75، ص33.
[7]  نهج البلاغة، من خطبة له وفيها يعظ ويبين فضل القرآن وينهى عن البدعة، رقم: 176.
[8]  نهج البلاغة، حكمة رقم: 349.
[9]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص93، ح21.
[10]  بحار الأنوار، ج78، ص91.
[11]  بحار الأنوار، ج78، ص202.