مستحضرا رفض الامام الحسين ثقافة اللامبالاة
الشيخ الصفار يدعو إلى صناعة المبادرات وتحمل المسؤولية
قال سماحة الشيخ حسن الصفار: إن أعظم ما نتعلمه من النهضة الحسينية هو بناء إنسانٍ يشعر بمسؤوليته تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه وأمته، ويرفض أن يكون متفرجًا على ما يجري حوله من تحولات وتحديات.
وتابع: لا ينبغي أن يقتصر إحياء ذكرى عاشوراء على البعد العاطفي، بل يجب أن يتحول إلى وعي عملي ومسؤولية اجتماعية.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 4 محرم 1448هـ الموافق 19 يونيو 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: الحسين موقف المسؤولية.
وأوضح سماحته: أن الإنسان أمام ما يجري في محيطه الاجتماعي، يتخذ غالبًا إما مواقف اللامبالاة، أو الاتكالية والتواكل، أو المبادرة وتحمل المسؤولية.
وعن اللامبالاة قال سماحته: إنها ليست مجرد عدم المشاركة، بل حالة من الانفصال عن الواقع، يفقد فيها الإنسان إحساسه بالمسؤولية تجاه ما يحدث حوله.
وبيّن أن مظاهر اللامبالاة لا تقف عند القضايا العامة، بل قد تبدأ من الدائرة الأقرب؛ حين لا يهتم الإنسان بأسرته، أو بتربية أبنائه، أو بمتابعة أحوال من يعولهم.
واستشهد بما روي عن رسول الله
: «ملعون ملعون من ضيّع من يعول».
وأشار إلى أن هذا النمط من السلوك قد ينشأ من تضخم النزعة الفردية والأنانية، أو من ضيق الأفق وضعف الوعي الاجتماعي، بحيث ينحصر اهتمام الإنسان في حدود مصالحه الآنية، ورغباته الخاصة، دون أن يحمل همًّا أوسع أو رسالةً تتجاوز ذاته.
واستشهد بما ورد عن الامام علي: «فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها» مؤكدًا أن الإنسان خُلق ليكون صاحب رسالة لا مجرد كائن منشغل بإشباع حاجاته اليومية.
ولفت إلى أن بعض حالات اللامبالاة لا تعود إلى الأنانية، بقدر ما تعود إلى الشعور بالعجز، وفقدان الثقة بالنفس، حيث يقتنع البعض أن وجودهم بلا أثر، وأن تغيير الواقع مسؤولية الآخرين.
وأبان: أن الاتكالية والتواكل، موقف أكثر خطورة؛ لأن صاحبه قد يمتلك الوعي بالمشكلة، لكنه يتراجع عن أداء دوره منتظرًا أن يقوم الآخرون بالمهمة.
وتابع: إن كثيرًا من الأفراد يدركون أهمية الإصلاح والعمل الاجتماعي، لكنهم يكتفون بالمراقبة والتعليق وإلقاء المسؤوليات على المؤسسات أو الشخصيات العامة أو أصحاب المبادرات.
واستشهد بما ورد عن أمير المؤمنين علي: «ولا يقولن احدكم: ان احدًا أولى بفعل الخير مني، فيكون والله كذلك، ان للخير وللشر اهلا، فمهما تركتموه منهما كفاكموه اهله».
وبيّن أن الخير والشر لا يتركان فراغًا، وأن انسحاب الصالحين من مواقع التأثير يفسح المجال لغيرهم لملء هذا الفراغ.
وأضاف أن المجتمعات لا تنهض بكثرة المتابعين، وإنما بعدد المبادرين، وأن كل مشروع إصلاحي كبير بدأ بفرد شعر أن عليه واجبًا لا يمكن تأجيله أو تفويضه.
وعن موقف المبادرة وتحمل المسؤولية بوصفه جوهر الرسالة الحسينية قال سماحته: إن الله تعالى منح الإنسان طاقات عقلية ونفسية وروحية تؤهله ليكون مسؤولًا عن إعمار الأرض وإصلاح الحياة، وأن وجود الإنسان في الدنيا ليس وجودًا حياديًا، بل وجودٌ قائم على التكليف والمساءلة.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾، وقوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾.
ومضى يقول: إن هذه المسؤولية لا تعني فقط المواقف الكبرى، بل تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية: من الأسرة، ومن المدرسة، ومن العمل، ومن الحي، ومن المبادرات الصغيرة التي تصنع أثرًا متراكمًا.
وأشار إلى أن الإمام الحسين
جسّد هذا المعنى بأوضح صورة؛ فلم ينتظر تغيّر الظروف، ولم يلقِ المسؤولية على غيره، بل أعلن موقفه وتحرك رغم إدراكه لصعوبة الطريق، لأن المسؤولية عنده كانت واجبًا لا خيارًا.
وأكد أن ممارسة المسؤولية تبدأ من داخل البيت، عبر بناء ثقافة التربية والمتابعة والاهتمام بالأبناء، والانتقال إلى تأسيس الأطر الأسرية التي تعزز التكافل والإصلاح.
وتابع: إن الإسهام في دعم المؤسسات الاجتماعية، والانخراط في الأعمال التطوعية، ونشر الوعي، والمشاركة في معالجة الأخطاء وسد الثغرات داخل الأحياء والمؤسسات ومواقع العمل.
وأضاف: إن أهم رسالة تقدمها النهضة الحسينية للأمة، هي أن الإنسان لا يملك ترف اللامبالاة، ولا يحق له أن يكتفي بدور المتفرج، بل عليه أن يسأل نفسه دائمًا: ما الذي يمكن أن أفعله؟ وما المسؤولية التي تنتظر مني موقفًا؟
واستحضر مواجهة الإمام الحسين للواقع المنحرف، مستشهدًا بخطبته أمام جيش الحر بن يزيد الرياحي حين قال: «الا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، واظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وانا أحق من غيّر».
واعتبر أن هذه الكلمات تختصر فلسفة النهضة الحسينية، القائمة على المبادرة وعدم التهرب من المسؤولية.
ودعا أن تتحول المجالس والمنابر الحسينية في هذه الأيام المباركة إلى منصات لصناعة الوعي وتحفيز المبادرات المجتمعية، لا أن تبقى مساحة للاستذكار فقط.






