مقدمة الطبعة الثانية لصحيفة زين العابدين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

للإنسان في هذه الحياة آمال وتطلعات يريد تحقيقها، كما يواجه تحديات ومشاكل يكافح لتجاوزها، ومع كل ما آتاه الله من طاقات وقدرات، فإنه يدرك ضعفه وعجزه الذاتي عن تحقيق كل ما يطمح إليه، والتغلب على كل ما يواجهه من مصاعب وأزمات.

وآمال الإنسان وهمومه لا تقف عند حدود هذه الحياة الدنيا، فهو يعيش أيضًا قلق مغادرتها، وما ينتظره بعد الموت من مصير مجهول.

هنا قد يقع الإنسان فريسة اليأس والإحباط، نتيجة الاستسلام لما يشعر به من ضعف وعجز ذاتي، فيفقد المعنى في حياته، ويعيش حالة من القلق والاضطراب، التي تسلبه السعادة والاستقرار النفسي، أو يعيش اللامبالاة، وقد يفكر في إنهاء حياته عبر الانتحار، كما يفعل ذلك مئات الألوف من البشر كل عام (حسب إحصائية لمنظمة الصحة العالمية ۷۰۳۰۰۰ شخص)، أو تسيطر عليه حالة الاكتئاب والأزمات النفسية المختلفة، حيث تقدّر إحصاءات منظمة الصحة العالمية عدد المصابين بها (۹۷۰) مليون شخص حول العالم.

لكن هناك بابا للنجاة وأفقًا للخلاص يغفل عنه كثيرون، إنه التوجه إلى الله تعالى الخالق المهيمن على كل شيء، والذي بيده كل شيء في الدنيا والآخرة، وهو رحيم بعباده، قريب منهم، يجيب دعواتهم.

يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

إن التوجه إلى الله تعالى بالدعاء يفتح أمام الإنسان أبواب الأمل والرجاء، ويتجاوز به مشاعر الضعف والعجز لاتصاله بالله مصدر الوجود، ومنتهى القوة والقدرة، وذلك ما يرفع معنويات الإنسان، ويحفزه للثبات والصمود، ويمنحه الثقة والطمأنينة.

وإذا كانت تطلعاتنا وهمومنا الدنيوية تدفعنا إلى التوجه إلى الله تعالى بالدعاء، فإننا أحوج إلى ذلك فيما يرتبط بمستقبلنا الأخروي، فإنّ حاجتنا إلى عفو الله ورضوانه ومغفرته ورحمته في عالم البرزخ بعد مغادرة هذه الحياة، وفي يوم القيامة حين نقف للحساب بين يديه سبحانه، هي الحاجة الأعظم والأكبر.

وأدعية هذه الصحيفة المباركة المروية عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب تعبّر عن آمال الإنسان وهمومه المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية بأصدق تعبير، وتبعث في نفس قارئها طاقة روحية هائلة، تجعله أكثر تفاعلاً في التواصل مع الله، وأكثر انجذابا للتضرع إليه ومناجاته.

وذلك هو سبب الإقبال الكبير على اقتناء هذه الصحيفة، حيث تداولتها أيدي أجيال الأمة عبر القرون والعصور وتعددت طبعاتها في مختلف البلدان.

وقد وفقنا الله تعالى لطباعتها عبر دار أطياف للطباعة والنشر في المملكة العربية السعودية عام ٢٠٠٧م، فنفدت نسخها (عشرة آلاف نسخة) في وقت قصير قياساً إلى سائر الكتب، وزاد الطلب والإلحاح على إعادة طبعها، ونقدمها الآن في طبعتها الثانية بعد شيء من المراجعة والتنقيح.

بقي أن نشير إلى أنّ الصحيفة السجادية تشتمل في نسختها الأصلية على (٥٤) دعاءً، أولها دعاؤه بالتحميد لله عزّ وجل والثناء عليه، وآخرها دعاؤه في استكشاف الهموم. أما أدعية الأيام السبعة فقد ألحقت بالصحيفة، وكذلك المناجيات الخمس عشرة، وبخصوص هذه المناجيات، فإنّ هناك نقاشا بين العلماء المحققين حول مدى صحة انتسابها للإمام زين العابدين ؛ لأن زمن ظهورها وانتشارها كان متأخرًا في القرن الحادي عشر الهجري، ولم تذكرها كتب الأدعية المعتمدة التي ألفها العلماء السابقون، وليس هناك مانع من قراءتها كدعاء يتوجه به إلى الله تعالى، وإن لم يكن بعنوان الورود والنسبة للإمام .

ولا بد لي أخيرًا أن أشكر الإخوة الأعزاء الذين كانوا يتابعون بإلحاح إصدار هذه الطبعة، كما أشكر الأخ الفاضل الأستاذ مهدي جعفر صليل لإشرافه على المراجعة والتنقيح.

أسأل الله تعالى القبول منا جميعا، وأن يشركنا في صالح دعوات الداعين، إنه جواد كريم.

والحمد لله رب العالمين.

حسن الصفار

١ محرم ١٤٤٥هـ

١٩ يوليو ٢٠٢٣ م

لقراءة مقدمة الطبعة الأولى

https://www.saffar.me/index.php?act=artc&id=1914&hl

 

غلاف صحيفة زين العابدين - الصحيفة السجادية ط2