الإمام الرضا في مواجهة الغلو وتحريف السنة

 

عن إبراهيم ابن أبي محمود أن الإمام الرضا قال له ضمن حديث طويل: «إِنَّ مُخَالِفِينَا وَضَعُوا أَخْبَاراً فِي فَضَائِلِنَا وَ جَعَلُوهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا اَلْغُلُوُّ وَ ثَانِيهَا اَلتَّقْصِيرُ فِي أَمْرِنَا وَ ثَالِثُهَا اَلتَّصْرِيحُ بِمَثَالِبِ أَعْدَائِنَا فَإِذَا سَمِعَ اَلنَّاسُ اَلْغُلُوَّ فِينَا كَفَّرُوا شِيعَتَنَا وَ نَسَبُوهُمْ إِلَى اَلْقَوْلِ بِرُبُوبِيَّتِنَا وَ إِذَا سَمِعُوا اَلتَّقْصِيرَ اِعْتَقَدُوهُ فِينَا وَ إِذَا سَمِعُوا مَثَالِبَ أَعْدَائِنَا بِأَسْمَائِهِمْ ثَلَبُونَا بِأَسْمَائِنَا، وَ قَدْ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿وَلَا تَسْبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِ اللهِ فَيَسْبُوا الله عدوا بغير علم . يَا اِبْنَ أَبِي مَحْمُودٍ إِذَا أَخَذَ اَلنَّاسُ يَمِيناً وَشِمَالاً فَالْزَمْ طَرِيقَتَنَا فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنَا لَزِمْنَاهُ وَمَنْ فَارَقَنَا فَارَقْنَاهُ»[1].

ظاهرة الوضع في الحديث

تمثل الرواية أعلاه إحدى الوصايا والإرشادات التي يوجه فيها أئمة أهل البيت شيعتهم نحو التعامل الصحيح مع التراث الإسلامي. ذلك أن الأحاديث والروايات الواردة عنهم ، يتجه قسم منها نحو تصحيح الأفكار والمفاهيم، ونشر الوعي القائم على أساس من القيم والمبادئ الإسلامية، فيما يتجه قسم آخر نحو مسائل الفقه العبادية والمعاملاتية، كما لا تغفل الكثير من الأحاديث التوجيهات الروحية والمعنوية، وتعميق العلاقة الإنسانية مع الخالق جل وعلا، وتصفية النفس من شوائب الأهواء، واتباع خطوات شياطين الجن والإنس.

ولا نعدم أن نجد اهتمامًا ملحوظاً بالأحاديث والروايات ذات العلاقة بالمسائل الفقهية، من قبل العلماء والفقهاء، الذين يصرفون جهدًا كبيرًا في تمحيصها وتنقيحها، وصولا إلى قبولها أو ردّها معنى أو سندًا؛ وذلك من أجل استنباط الأحكام الشرعية من نصوصها الصحيحة والمعتبرة. وهي جهود تساهم في تنمية وتطوير الفقه، كما تساعد على تلبية التشريع الإسلامي بمتطلبات كل عصر.

لكن نصوص السنة الشريفة لا تنحصر في المادة الفقهية، حيث تتوجه نسبة كبيرة منها نحو معالجة المسائل العقائدية، من خلال بيان الفاسد والصحيح، من تلكم الأفكار المطروحة في الساحة في حينه. كما أن دور الأئمة يشمل العديد من الجوانب التربوية والتوجيهية. ومع ثقل هذه التركة الحديثية، هناك الكثير ممن تلاعب بهذه النصوص، فدس فيها ما ليس منها، وبتر وحذف الكثير من الأحاديث الأخرى، ولم تكن هذه الظاهرة في وقت متأخر، وإنما حدث ذلك وقت صدور النص الشرعي، كما هو مفاد الرواية، إذ ظهر الوضاعون والمندسون المخربون في المجتمع الإسلامي مبكرا.

بل تحدث رسول الله محذّرًا من الافتراء والكذب عليه، حيث روت الأحاديث عنه قوله : «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[2] .

وعلاجًا لهذه المشكلة، تبذل جهود كبيرة في تمحيص وتنقية الأحاديث والروايات لفرز الصحيحة منها والموضوعة والضعيفة. ولكن ما يؤخذ على هذه الجهود أنها تتركز على ما يعرف بروايات الأحكام. وهي جهود كبيرة جدًا ومقدّرة، إذ حفظت الفقه الإسلامي - بنسبة كبيرة - من دخول النصوص غير المعتبرة، وهو ما يمثل جانبا مشرقا في تاريخ التشريع الإسلامي.

إن بقاء الروايات والأحاديث الأخرى مبثوثة في الكتب والمصادر، يأخذ منها المسلمون دون تمحيص أو تدقيق، يسبب انتشار أفكار ومفاهيم غير صحيحة، يُعد خللا على مستوى علوم الحديث، ذلك أن المسائل الفقهية تمثل - حسب الاصطلاح العلمي - فروع الدين، فيما تمثل مسائل العقيدة والفكر الإسلامي أصول الدين وأسسه الأولى، وكان يجب أن تولى أحاديث العقيدة والفكر الاهتمام ذاته، لأنها تمثل جانبا مهما من وظائف القيمين على الدين. فقد كان الأئمة يقفون أمام التحريف الفكري والعقدي، جنبا إلى جنب أمام أي انحراف عملي في مسائل الفقه.

إذا علم كل مسلم أحكام الصلاة والصوم بصورة سليمة، وأدى هذه العبادات بصورة صحيحة، فيما بقي أساسه الفكري والعقدي معرضا للآراء الفاسدة المنحرفة، فما قيمة تلكم الصلاة وذلكم الصوم اللذين يؤديهما مع خلفية منافية للمفاهيم والمبادئ الإسلامية؟

البدايات المبكرة

إن محاولات الوضع في التراث الحديثي ظاهرة عانى منها المسلمون بصورة عامة، من السنة والشيعة، وهذا ما يعترف به الجميع. وبسبب من شيوعها، ألفت العديد من المؤلفات لمعالجتها، وصيانة تراث السنة وحفظه للأجيال الإسلامية اللاحقة. فنشأ علما الرجال والحديث، يعالج الأول منهما مشكلة رواة الحديث غير الموثوقين، فيدرس أسانيد الحديث، ويضع القواعد العامة التي تمكن دارسه من معالجة سند كل حديث، لإخراج الضعيف من الصحيح، والحسن، والمقبول، وغيرها من التصنيفات الحديثية. فيما يعالج الآخر نص الحديث ذاته، إذ يدرس مضمونه وفق قواعد علمية يقارن فيها الحديث مع بقية الأحاديث الأخرى الثابت صحتها، وكذلك مع الآيات القرآنية، بالإضافة إلى بعض القواعد العلمية، فما لم يتعارض نص الحديث مع هذه جميعها يقبل، وإلا فإنه يرد لمخالة نصّه مع صريح آية أو سنة متواترة، أو بديهة عقلية أو ما شابه.

وعرفت المؤلفات التي تعالج الرواة غير الموثوقين بكتب علم الرجال أو كتب الرواية، فيما عرفت المؤلفات التي تدرس نص الحديث بكتب الحديث أو الدراية. وهناك العديد من المصطلحات الخاصة بهذين العلمين.

ولإلقاء نظرة على حجم التحريف والوضع في السنة النبوية، نجد أن عدد الأحاديث في صحيح البخاري في جميع الأقسام هي ٧٥٦٣ حديثًا، وبعد حذف المكرر منها يصل العدد إلى ٢٧٦١ حديثًا، وهذه الأحاديث كان البخاري قد اختارها من ٦٠٠,٠٠٠ (ستمئة ألف) حديث، وعند المقارنة نجد أن نسبة الأحاديث الصحيحة ضمن معايير البخاري قليلة جدًا. وفي مثال آخر يذكر أبو داوود أن عدد الأحاديث في سننه ٤٨٠٠ حديث، كان قد اختارها، كما يشير في مقدمة السنن من ٥٠٠,٠٠٠ (نصف مليون) حديث، وسائر كتب الحديث الأخرى على هذه الشاكلة.

وحينما شرح الشيخ محمد باقر المجلسي جامع كتاب بحار الأنوار، أحاديث الكافي في كتابه: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ، كان ما ثبت صحته من أحاديث الكافي عند العلامة المجلسي لم يتجاوز ثلث الكتاب.

وعند مطالعة بقية كتب ومصادر الحديث الأخرى لن تختلف النتيجة كثيرا عما ورد أعلاه. ولذلك لا يُستغرب ما يشير إليه الإمام الرضا في حديثه عن ظاهرة الوضع في الأحاديث، إذ كانت من المستوى بحيث تكون نسبة الأحاديث الموضوعة نسبة عالية فيما يروى عن أئمة أهل البيت .

مواجهة الانحراف الفكري

كان للإمام علي بن موسى الرضا ، دور بارز في الوقوف أمام الانحرافات الفكرية، وهذا ما يجب أن يكون درسا للنخبة من مفكري الأمة في كل عصر. إذ لا تنحصر وظيفة العالم في إخبار الناس بالفتاوى العملية والمسائل الفقهية الفرعية، من قبيل أحكام الغسل والوضوء والصلاة والصوم، وهي وظيفة مطلوبة، ومن أساسيات عمل عالم الدين. ولكن لا يجب أن يكتفى بها، إذ من مهمات عالم الدين أن يدعو الناس إلى الأفكار العقدية السليمة، والمفاهيم التي توجه عقولهم وسلوكهم بالاتجاه الصحيح، وألا يترك عقول الجمهور عرضة للأفكار والآراء المنحرفة، بسبب الأحاديث والروايات الموضوعة، بحيث تتكون لديهم مجموعة من الأفكار والمفاهيم المنافية الحقائق الدين. فهذه من أوائل مهمات العلماء، كما كانت من مهمات الأئمة .

لقد كان للإمام الرضا دور كبير في مواجهة الأفكار المنحرفة، ومنها أفكار الغلو والتطرف والتشدّد؛ ذلك لأن تراث أهل البيت التعرض لاعتداءات داخلية وأخرى خارجية. فمن الخارج كان أعداء أهل البيت يضعون ويدسون بعض الأحاديث من أجل أن يشوهوا صورتهم .. فيما كان الجهلة والمغرضون والمصلحيون من أتباعهم من الداخل، يدخلون بعض الأحاديث المفتراة وينسبونها لأهل البيت ، وذلك زيادة في ترغيب الناس لاتباع منهج أهل البيت بهذه الطريقة المنحرفة. وكان الإمام الرضا وبقية الأئمة ، يحاربون هذا التوجه داخل أتباعهم.

الوضع بين الأثرين الخارجي والداخلي

تختلف أسباب الوضع باختلاف انتماء الواضع، فقد يكون الداعي هي العداوة، وذلك لتشويه صورة أهل البيت في أذهان المسلمين، وهو ما أشار إليه الإمام من استغلال الأعداء لأحاديث الغلو أو التقصير، وذلك لحرف الناس عن اتباع أهل البيت، إما بتصويرهم بأنهم يدعون الربوبية، أو من خلال نسبة الأوصاف السيئة إليهم.

وقد فصّل الإمام الرضا في أسلوب أداء المخالفين لهم في وضع الأحاديث، حيث قسم ما وضعوه من أحاديث إلى ثلاثة، هي :

1. أحاديث الغلو، والغلو هنا هو : إعطاء الإمام أو النبي صفة من صفات الألوهية والربوبية، يقول : «فَإِذَا سَمِعَ اَلنَّاسُ اَلْغُلُوَّ فِينَا كَفَّرُوا شِيعَتَنَا وَ نَسَبُوهُمْ إِلَى اَلْقَوْلِ بِرُبُوبِيَّتِنَا». وهو ما يحدث اليوم بالفعل، فكثير مما يثار على أتباع مذهب أهل البيت هي من هذه الأحاديث المكذوبة التي يتهم الشيعة فيها بالغلو، إذ أصبحت أداة بيد المتربصين الذين يتحينون الفرص والزلات على المخالفين لهم.

2. أحاديث التقصير، وهي الأحاديث التي تنتقص من مكانة أهل البيت وتشيع حولهم الأكاذيب والضلالات، وهي من آثار الوضع الذي كان يمارس بدوافع سياسية بغرض إبعاد الناس عن اتباع أهل البيت .

3. أحاديث ذم المخالف، حيث يشير إلى أن هناك من يشيع عنهم أحاديث في ذكر مثالب أعدائهم بأسمائهم، «وَإِذَا سَمِعُوا مَثَالِبَ أَعْدَائِنَا بِأَسْمَائِهِمْ ثَلَبُونَا بِأَسْمَائِنَا». وهو ما يعني أن أهل البيت ليست من طبيعتهم الحديث عن مثالب أعدائهم بالأسماء والأشخاص، وإنما هم غالبا ما يذكرون صفاتهم وأعمالهم، دون التركيز على الإشارة إلى أشخاص بعينهم.

وقد يكون الواضع من داخل البيئة الإمامية. وما يدفعه إلى وضع الحديث هو ترغيب الناس إلى اتباع مذهب أهل البيت من خلال اختلاق أحداث وصفات بطولية وهمية تدفع الناس وبخاصة البسطاء منهم، إلى حمل صورة غير واقعية عن أهل البيت.

وهذا يشبه ما وضع من أحاديث حول فضل سور القرآن الكريم وبعض الأعمال، كما ذكر القرطبي في تفسيره: لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلفون

من الأحاديث الكاذبة، والأخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الأعمال، وقد ارتكبها جماعة كثيرة، اختلفت أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها.

ومنهم جماعة وضعوا الحديث حِسْبَةً كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال. كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، وغيرهم. قيل لأبي عصمة: (من أين لك من عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟)، فقال: (إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة)[3].

وقد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدثين أن رجلًا من الزهاد انتدب في وضع الأحاديث في فضل القرآن وسوره، فقيل له : لم فعلت هذا؟ فقال: رأيت الناس زهدوا في القرآن، فأحببت أن أرغبهم فيه، فقيل: فإن النبي قال: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، فقال: أنا ما كذبت عليه، وإنما كذبت له[4].

محاربة الأئمة للغلو

ولاهتمام الإمام الرضا بهذا الموضوع وردت عنه روايات كثيرة، منها : قوله : «اَلْغُلاَةُ كُفَّارٌ، وَاَلْمُفَوِّضَةُ مُشْرِكُونَ»[5]. إن الإمام في هذا الحديث، يعظم أمر وخطر الغلاة ويخرجهم من دائرة الإسلام.

وورد عنه الله أنه قال : «لَعَنَ اَللَّهُ اَلْغُلاَةَ أَلاَ كَانُوا يَهُوداً أَلاَ كَانُوا مَجُوساً أَلاَ كَانُوا نَصَارَى أَلاَ كَانُوا قَدَرِيَّةً أَلاَ كَانُوا مُرْجِئَةً أَلاَ كَانُوا حَرُورِيَّةً ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لاَ تُقَاعِدُوهُمْ وَ لاَ تُصَادِقُوهُمْ وَ اِبْرَءُوا مِنْهُمْ بَرِئَ اَللَّهُ مِنْهُمْ»[6].

وعن ياسر الخادم، قال: قلت للإمام الرضا : مَا تَقُولُ فِي اَلتَّفْوِيضِ؟، فَقَالَ : «إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَوَّضَ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَمْرَ دِينِهِ فَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا[سورة الحشر، الآية: 7]، فَأَمَّا اَلْخَلْقُ وَاَلرِّزْقُ فَلاَ. ثم قال: ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَابِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[سورة الروم، الآية: ٤٠][7].

ويروي الإمام جعفر الصادق عن رسول الله أنه قال: «لاَ تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى اِتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً»[8]. إنه إرشاد نبوي هاد يحذر فيه رسول الله من مغبة المبالغة في تصوير الحالة النبوية، ورفعها إلى منزلة الألوهية، حيث يؤكد فيها على أن الإنسان مهما بلغ من منزلة عظيمة، ولا منزلة أعلى من منزلة النبوة، يظل عبدا لله تعالى قبل أي صفة أخرى. وهو المعنى الذي تؤكده العبارة التي يرددها المسلمون في صلواتهم اليومية، إذ يقول الجميع في التشهد: «أشهد أن محمدا عبده ورسوله»، حيث تقدمت العبودية على الرسالة.

واتباعًا للهدي النبوي، ينبه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب أصحابه من المغالاة في وصفه، إذ ورد عنه قوله : «هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ مُحِبٌّ غَالٍ ومُبْغِضٌ قَالٍ»[9]، فلا المفرط في حب الإمام علي إلى درجة الغلو فيه، ولا المبغض الذي وصل به الحد إلى الجحود والجفاء مع أمير المؤمنين ينجوان يوم القيامة.

وورد عن الإمام الصادق قوله: «اِحْذَرُوا عَلَى شَبَابِكُمُ اَلْغُلاَةَ لاَ يُفْسِدُوهُمْ فَإِنَّ اَلْغُلاَةَ شَرُّ خَلْقٍ يُصَغِّرُونَ عَظَمَةَ اَللَّهِ وَ يَدَّعُونَ اَلرُّبُوبِيَّةَ لِعِبَادِ اَللَّهِ»[10]. إن الإمام يحذر أصحابه من أن يقع شبابهم ضحية هؤلاء الذين يضعون أحاديث في الغلو فيفسدون عقيدتهم وفكرهم الصافي.

وفي رواية أخرى عن أبي بصير، يقول: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ إنَّهُمْ يَقُولُونَ، قَالَ «وَمَا يَقُولُونَ؟»، قُلْتُ: يَقُولُونَ يَعْلَمُ قَطْرَ اَلْمَطَرِ، وَعَدَدَ اَلنُّجُومِ، وَوَرَقَ اَلشَّجَرِ، وَوَزْنَ مَا فِي اَلْبَحْرِ، وَعَدَدَ اَلتُّرَابِ، فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَقَالَ «سُبْحَانَ اَللَّهِ، سُبْحَانَ اَللَّهِ، لاَ وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ هَذَا إِلاَّ اَللَّهُ»[11]. وهذا يثبت كيف كان الأئمة حريصين على تصحيح الاعتقادات ورفض الغلو، وذلك بما كانوا يحرصون عليه من تصحيح ما ينسب إليهم، وتنبيه أصحابهم من تلكم الأحاديث المدسوسة.

وفي مورد آخر عن الإمام الصادق حيث كان في عهده جماعة من أتباع أبي الخطاب من المغالين، وكانوا قد أمروا الناس أن يلبوا باسم جعفر الصادق ، فيقولون في التلبية: لَبَّيْكَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَبَّيْكَ. ولما سمع الإمام عن ذلك، خر ساجدًا، وألصق صدره بالأرض وهو يبكي ويقول : «بَلْ عَبْدٌ لِلَّهِ، قِنٌّ دَاخِرٌ» مرارًا كثيرة، ثم التفت قائلا: «إِنَّ عِيسَى لَوْ سَكَتَ عَمَّا قَالَتِ اَلنَّصَارَى فِيهِ لَكَانَ حَقّاً عَلَى اَللَّهِ أَنْ يُصِمَّ سَمْعَهُ وَيُعْمِيَ بَصَرَهُ، وَلَوْ سَكَتُّ عَمَّا قَالَ أَبُو اَلْخَطَّابِ، لَكَانَ حَقّاً عَلَى اَللَّهِ أَنْ يُصِمَّ سَمْعِي، وَيُعْمِيَ بَصَرِي»[12]. حقا على الله أن لقد كان الأئمة يواجهون هذه الانحرافات العقدية ويأمرون أتباعهم بالحذر من ظاهرة الغلو والغلاة. وكانوا يرشدونهم إلى الحذر من القبول بأي حديث أو خبر ينسب إليهم، وأن يتوثقوا مما يروى عنهم .

إن سيرة أهل البيت واستقامتهم وتجسيدهم لقيم الحق والعدل فيها من الصورة المشرقة والدروس والعبر والمواعظ ما يجعل المنصف منبهرا بها، وهم ليسوا بحاجة إلى أي مظهر من مظاهر الغلو أو المبالغة في وصف سيرتهم وسرد أحداثها. كما أنهم ليسوا بحاجة إلى هذه الخرافات والأحاديث المفتراة والمكذوبة عليهم.

لذلك عندما يرشد الأئمة إلى إحياء أمرهم، يضعون ميزانًا لطبيعة الإحياء، إذ ورد عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت أبا الحسن الرضا يقول: «رَحِمَ اَللَّهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا» فَقُلْتُ لَهُ: فَكَيْفَ يُحْيِي أَمْرَكُمْ؟ قَالَ : «يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا اَلنَّاسَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلاَمِنَا لاَتَّبَعُونَا»[13].

إن ما يريده أهل البيت ويشجعون عليه، هو بث ونشر علومهم الدينية الحقة، وليسوا بحاجة إلى أكثر من هذا. وعلى العكس من ذلك، يحذرون من نشر الشائعات والأقوال المغالية في حقهم، فذلك لا يساهم في نشر فكرهم، وتعريف الناس بحقيقة مذهبهم. إن الحاجة ماسة أكثر مما مضى لنشر روائع نهج البلاغة، والصحيفة السجادية، ورسالة الحقوق، وسائر كلمات وروايات أهل البيت المعتبرة، وهذا يكفي، ومن شأنه أن يذيع مذهب وفكر أهل البيت . أما تلكم الزيادات والإضافات إنما تشوه صورة أهل البيت ، ويتحمل كل من يبتها المسؤولية الشرعية في نقلها عنهم.

الجمعة 18 صفر 1430هـ الموافق 14 فبراير 2009م.

 

[1] عيون أخبار الرضا، ج1، ص ۲۷۲، ح63.

[2] الكافي، ج١، ص٦٢، ح1.

[3] تفسير القرطبي، ج ١، ص ٥٦.

[4] مستدرك الوسائل، ج ۱، ص ۱۲.

[5] بحار الأنوار، ج ٢٥، ص٣٢٨.

[6] بحار الأنوار، ج ٢٥، ص٢٧٣.

[7] عيون أخبار الرضا. ج ١، ص٢١٩.

[8] بحار الأنوار، ج ٢٥، ص٢٦٥.

[9] نهج البلاغة. حكمة ٤٦٩.

[10] بحار الأنوار، ج ٢٥، ص٢٦٥.

[11] بحار الأنوار، ج ٢٥، ص٢٩٤.

[12] بحار الأنوار، ج ٢٥، ص٢٩٣.

[13] الصدوق: علي بن بابويه القمي (ت (۳۸۱هـ)، معاني الأخبار، تحقيق: الشيخ علي أكبر الغفاري، قم، ط ۲، ۱۳۷۹ هـ. ش، ص ۱۸۰.