الشيخ محمد الصفار الإنسان مستخلف على جسده وسيُسأل عن كل جارحة يوم القيامة
قال سماحة الشيخ محمد الصفار: إن كثيرًا من الانحرافات الفكرية والسلوكية في العصر الحاضر تنطلق من تصور خاطئ لعلاقة الإنسان بجسده.
وتابع: الإسلام يرفض اعتبار الجسد ملكية مطلقة يتصرف فيها الإنسان كما يشاء، ويقرر أن الإنسان مستخلف على جسده ومؤتمن عليه، وسيحاسب أمام الله تعالى على كيفية استخدامه لكل جارحة من جوارحه.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 24 صفر 1448هـ الموافق 7 أغسطس 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: الجسد بين النظرة المادية والقيم الإلهية.
واستهل الشيخ الصفار الخطبة بطرح سؤال وصفه بأنه بسيط في ألفاظه، لكنه عميق في آثاره ونتائجه، قائلاً: ما هي علاقتي بجسدي؟
وأبان أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد فلسفة الإنسان في تعامله مع جسده بما يرضي الله سبحانه وتعالى وما يسخطه.
وأوضح أن الفكر المادي ينطلق من اعتبار الإنسان مالكًا لجسده، ومن ثم يعتقد أن له الحرية الكاملة في التصرف فيه وفق رغباته وأهوائه.
وتابع: أما الرؤية الإيمانية فترى أن الجسد خلقٌ من خلق الله، فهو الذي أوجده من العدم، وأجرى عليه أعقد مراحل التكوين حتى اكتمل خلقه، كما أن بداية حياته ونهايتها بيد الله وحده، ولذلك لا يملك الإنسان ادعاء الملكية المطلقة لهذا الجسد.
وأشار إلى أن القرآن الكريم يلفت الإنسان إلى هذه الحقيقة من خلال آيات الخلق التي تصف مراحل تكوين الإنسان في رحم أمه، مبينًا أن من لا يملك قرار إيجاد جسده، ولا يملك تحديد زمن ولادته أو وفاته، لا يصح أن يتعامل مع جسده بمنطق التملك، وإنما بمنطق الأمانة والاستخلاف.
وقال إن الإنسان ليس سوى وكيل وأمين على هذا الجسد، وإن الله تعالى هو المالك الحقيقي للسمع والبصر وسائر الحواس، ولذلك فإن أول واجبات الإنسان أن يعترف بهذه الحقيقة، لأنها تمثل نقطة الانطلاق في بناء السلوك الصحيح.
وأضاف: إن هذا الإدراك لا ينبغي أن يبقى مجرد قناعة ذهنية أو شعار ديني، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية تنعكس على علاقة الإنسان بنفسه وبجوارحه، موضحًا أن ذلك يتجسد في ثلاثة محاور رئيسة.
وبيّن أن أول هذه المحاور هو شكر الله تعالى على نعمة الاستخلاف، فالجسد بما يحمله من نعم وقدرات ليس حقًا مكتسبًا، وإنما هبة إلهية تستوجب الامتنان والطاعة، لافتًا إلى أن الشكر الحقيقي لا يقتصر على اللسان، وإنما يكون باستخدام الجوارح فيما يرضي الله، والكف بها عن معصيته.
وأشار إلى أن المحور الثاني يتمثل في المسؤولية تجاه هذا الجسد، مبينًا أن الإنسان مسؤول عن المحافظة عليه من كل ما يؤدي إلى إهلاكه أو إضعافه أو الاعتداء عليه، ولذلك حرمت الشريعة الانتحار، كما حرمت كل ما يلحق بالإنسان ضررًا متعمدًا في صحته أو حياته.
ولفت إلى أن الإنسان سيكون مسؤولًا يوم القيامة عن كل ما استعمل فيه حواسه وأعضاؤه، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
حرية منضبطة بأمر الله
وأوضح الشيخ الصفار أن الاعتراف بكون الإنسان مستخلفًا على جسده يعني أن الحرية الشخصية ليست مطلقة، وإنما مقيدة بإرادة الله وأحكامه.
وتابع: الإنسان لا يملك أن يستخدم لسانه في الكذب أو الغيبة أو الشتيمة والإساءة، كما لا يحق له إطلاق بصره إلى المحرمات، أو توظيف سمعه في الإصغاء إلى الباطل.
وأضاف: إن مفهوم الحرية الذي يروج له الفكر المادي يجعل الإنسان مرجعًا نهائيًا لرغباته، بينما يقرر الإسلام أن المرجعية العليا هي أمر الله تعالى، وأن كرامة الإنسان تتحقق في التزامه بمنهج خالقه، لا في الانفلات من قيمه وأحكامه.
كما تناول الشيخ الصفار قضية التبرج واستعراض الجمال، محذرًا من التأثر بالرسائل الإعلامية التي تعمل على تحويل جسد المرأة إلى وسيلة للإثارة وجذب الأنظار.
ودعا المرأة المؤمنة إلى أن تجعل رضا الله تعالى هو المعيار في مظهرها وسلوكها، لا ما تفرضه الموضات أو الضغوط الاجتماعية أو معايير الشهرة.
ذكرى الأربعين
وربط سماحته بين هذا المفهوم وذكرى أربعين الإمام الحسين
، التي لا تزال حاضرة في وجدان المؤمنين، موضحًا أن الإمام الحسين قدم أروع نموذج في فهم معنى الاستخلاف على الجسد، فلم يعتبر بدنه ملكًا شخصيًا يصونه حفاظًا على حياته، وإنما أمانة أعادها إلى الله تعالى في أكمل صور الوفاء والتضحية والفداء.
وأشار إلى أن الإمام الحسين
قال منذ خروجه متجهًا إلى كربلاء «وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لاَقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالٍ تُقَطَّعُهَا عُسْلاَنُ اَلْفَلَوَاتِ بَيْنَ اَلنَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلاَءَ» ومضى في طريقه ثابتًا مطمئنًا، لأنه رأى أن أداء التكليف الإلهي مقدم على سلامة الجسد.
وأشار إلى ما تعرض له جسد الإمام الحسين يوم عاشوراء من الطعن والرمي والذبح وسحق الأضلاع، ليبقى شاهدًا خالدًا على أعظم معاني التضحية والفداء. مؤكدًا أن استذكار الإمام الحسين
لا ينبغي أن يقتصر على استحضار حجم المأساة، بل يجب أن يتحول إلى استلهام للقيم التي جسدها، وفي مقدمتها الإخلاص لله، وحفظ الأمانة، والثبات على المبادئ.






