مؤكدًا أنها ليست حكرًا على النخبة
الشيخ الصفار: الحكمة ثمرة سعي روحي ومعرفي وتجربة واعية
قال سماحة الشيخ حسن الصفار: إن أبواب اكتساب الفضائل الروحية والأخلاقية مفتوحة أمام الإنسان، وأن الحكمة مرتبة سامية في الكمال الإنساني، وليست صفة حصرية لنخبة من البشر.
وتابع: على كل إنسان أن يجعل اكتساب الحكمة هدفًا في مسيرته، فإن الطريق إليها مفتوح لمن يطلبها ويأخذ بأسبابها.
جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 22 ربيع الأول 1448هـ الموافق 4 سبتمبر 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: اكتساب الحكمة.
وأوضح سماحته أن الحكمة تمثل درجة عليا في مسيرة كمال الإنسان، لما تمنحه من قدرة على حسن إدارة الذات والحياة، في أبعادها المعنوية والمادية، وتمكن الإنسان من اختيار السلوك القويم واتخاذ المواقف السليمة في حياته الفردية والاجتماعية.
وتساءل سماحته عن معنى قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾، مؤكدًا أن إيتاء الحكمة لا يقوم على الاعتباط أو الصدفة أو المحاباة، وإنما يجري ضمن السنن الإلهية الثابتة التي تحكم الحياة.
ومضى يقول: إن الله تعالى يفتح طريق الحكمة لمن يرغب فيها ويسعى إليها، كما أن الرزق المادي يرتبط بالسعي والأخذ بالأسباب.
وتابع: إن للحكمة درجات ومستويات، وأن الإنسان يستطيع أن يكتسب منها بقدر تطلعاته وسعيه، وقد يرتقي في مدارجها إلى مراتب عالية.
مستشهدًا بما ورد عن رسول الله
: «كادَ الحَكيمُ أن يَكونَ نَبِيًّا».
وأضاف: إن تصوير الحكمة بوصفها حالة خاصة بالعرفاء وكبار الأولياء لا يصح إلا إذا كان المقصود الدرجات العليا منها، أما أصل الحكمة وفرص اكتسابها فهي متاحة لجميع الناس.
وأشار إلى أن من أوضح الأدلة على ذلك أن الله تعالى جعل من مهام الأنبياء تعليم الناس الكتاب والحكمة، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
وتابع: إن الحكمة ليست امتيازًا لنخبة محدودة، بل هي مجال مفتوح أمام عامة أبناء الأمة، مهما كانت أوضاعهم السابقة، حتى لو كانوا يعيشون حالة من الجهل أو الضلال.
طرق اكتساب الحكمة
وتناول سماحته أبرز العوامل التي تهيئ الإنسان لاكتساب الحكمة والتخلق بها، مقدمًا أربعة مسارات رئيسة.
وبيّن أن المسار الأول يتمثل في الاهتمام بالبعد الروحي، والانفتاح على الله تعالى، والإقبال على عبادته بإخلاص وتقوى، مشيرًا إلى أن قوة الإيمان وصدق العلاقة بالله ينعكسان على وعي الإنسان وإدراكه وحسن رؤيته للأمور.
وعن المسار الثاني، قال سماحته: إنه تهذيب النفس ومجاهدة الأهواء والشهوات، وضبط الانفعالات، وترشيد المشاعر والأحاسيس، مؤكدًا أن الإنسان الذي يبقى أسيرًا لنزواته ورغباته، يصعب عليه أن يمتلك صفاء الرؤية وحسن التقدير.
ولفت إلى أن المسار الثالث هو الوعي والمعرفة، إذ إن زيادة معرفة الإنسان بذاته، ووعيه بالحياة، وتفقهه في الدين، تجعله أكثر قدرة على فهم الواقع واتخاذ القرارات الصائبة.
وتابع: أما المسار الرابع، فهو الخبرة والتجربة، حيث إن خوض الإنسان لتجارب الحياة، ومواجهته لتحدياتها، يكسبانه خبرة تساعده على وضوح الرؤية، وحسن التصرف في المواقف المختلفة.
وأضاف: إن الإنسان لا ينبغي أن يكتفي بتجاربه الشخصية، بل يمكنه أن يستفيد من تجارب الآخرين وخبراتهم، مهما اختلفت بيئاتهم ومشاربهم.
وحذّر سماحته من أن غلبة الاهتمامات المادية قد تدفع الإنسان إلى الانشغال المستمر بتحصيل المكاسب الدنيوية، وإهمال حاجته إلى المكاسب الروحية والأخلاقية.
وتابع: إن من أهم وظائف الدين تحفيز الإنسان على الارتقاء المعنوي، لأن ذلك هو ما يحقق معنى إنسانيته، ويمكنه من إدارة ذاته وحياته بصورة أفضل.






