بين التحاسد والتنافس2/2

آفاق التقدم:

فرص التقدم المادي والمعنوي متوفرة ومتاحة أمام كل إنسان، ونعم الله تعالى مبذولة للجميع  [q]كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا[/q][1] . ومن تراه متمتعاً بنعمة من النعم، فتلك حصته التي لا تؤثر على نصيبك ولا تلغي دورك، فشمّر عن ساعدك، وابذل جهدك، لتنال من فرص الحياة بمقدار ما تسعى وتتحرك. وابحث عن نقاط قوتك، وفجر مواهبك الخاصة، فقد تكون مرشحاً لدور آخر وتفوق جديد تمتاز به عن الآخرين.

لكن مرض الحسد الخبيث ينحرف بتفكير الإنسان عن هذا المنحى السليم، لينحدر به إلى منزلق المشاعر العدائية، وليخلق في نفسه حالة الإحباط، فيبقى متخلفاً يراوح مكانه، يعيش التأزم النفسي، ويتكرس لديه العجز والفشل. الآخرون يتقدمون ويواصلون زحفهم، فيحقد عليهم لأن تقدمهم يكشف تخلفه، وتكاملهم يبدي نقصه، وبدل أن يقتحم ميدان الجد والاجتهاد، وساحة التنافس والسباق، ينشغل باجترار الأحقاد، وتمني فشل الآخرين، والعمل من أجل إعاقة تحركهم وعرقلة مسيرهم.

فالحاسد لا يفكر كيف يتقدم هو؟ بل يصبح همه الأول في الحياة سقوط الآخرين وزوال نعمهم.

غضب على القدر:

وإذا كانت بعض النعم والامتيازات تصل إلى الإنسان دون كسب منه، كالصفات الخلقية،والانتماء العائلي، أو الإمكانات التي يرثها من أرحامه، أو المواقع القيادية الرسالية، فإنها تقدير إلهي، وقسمة ربانية، فلماذا ينزعج الحاسد من ذلك؟ إنه حينئذٍ يعترض على تقدير ربه وحكمته، يقول تعالى:  [q]أَمْ يَحْســُدُونَ النَّاسَ عَلـَى مَا آتَاهُـمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلــِهِ[/q] [2] .

 

تحطيم للذات:

الحسد مرض خطير فتّاك تبدأ مضاعفاته المدمرة على نفس حامله أولاً، حيث يعيش مأزوماً محبطاً قلقاً، يرى الأمور والأحداث من خلف نظارة سوداء، وفي الوقت الذي ينعم فيه الآخرون بإنجازاتهم ومكاسبهم، يبقى هو يجتر الهموم والحسرات، فلا يرتاح ولا يهنأ بدنياه، وهو في آخرته أخسر وأشقى. يقول الإمام علي:«الحسد مطية التعب» و « ثمرة الحسد شقاء الدنيا والآخرة»

أعراض اجتماعية:

قد يكون الحسد مرضاً فردياً محدوداً يبتلى به بعض الأفراد من المجتمع، فيصطلون بنار أضراره وشقائه، وقد يكون ظاهرة سائدة في بعض المجتمعات، تبرز أعراضه ومضاعفاته على مستوى العلاقات بين أفراد المجتمع وفئاته.

ولعل من أبرز أعراض الحسد كظاهرة مرضية اجتماعية، هو ما يتجلى في طريقة التعاطي والتعامل مع الكفاءات والقدرات من أبناء المجتمع، ففي الوضع الصحي السليم تلقى الكفاءة والطاقة، في أي مجال من المجالات العلمية أو الأدبية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ترحيباً من أوساط المجتمع، وتشجيعاً واشادةً، ومساعدةً ودعماً، يدفعها إلى المزيد من التقدم والعطاء، والنمو والظهور. أما في الحالة المرضية، فان نظرات التنكر والتجاهل، وإثارة الشكوك والارتياب، وتطلب العثرات والأخطاء، هذه النظرات تلاحق أي كفاءة تبرز، وأي قدرة تظهر، من أبناء المجتمع. وهذا عرض وأثر يدل على انتشار مرض الحسد في النفوس.

وغالباً ما تعشش هذه الحالة المرضية في المجتمعات المتخلفة، فبروز الكفاءة يذكر الآخرين بنقصهم، وذلك أمر يزعجهم، فيتمنون عدم ظهور أي كفاءة (لأن البلية إذا عمت طابت). كما أن التخلف والقهر يكرس الأنانية الجوفاء الملتوية في نفس الإنسان، فينظر إلى المتميزين والمتفوقين وكأن تقدمهم جاء على حسابه، وأنه الأولى والأحق منهم بتلك المكاسب والإنجازات التي أحرزوها، نتيجة لتضخم الذات، وانتفاخ الأنا، دون سعي أو حركة.

وتلك هي الأرضية التي تنبت منها العداوات، وتفرخ فيها الأحقاد، وتجد كفاءات المجتمع نفسها محاطة بأجواء العداء والصراع، مشغولة بتخطي العراقيل والعقبات المصطنعة في طريقها.

 وما يواجه هذه الحالة هو الوعي الحضاري والتربية الأخلاقية، ليدرك أبناء المجتمع دور وأهمية أي كفاءة تبرز في تعزيز مكانتهم جميعاً، وشق طريق التقدم أمامهم، وأن ظهور أي طاقة عالماً أو خطيباً أو أديباً أو مهندساً أو تاجراً أو موظفاً كبيراً أو رجل أعمال .. هو مكسب لكل المجتمع.      

وساحة التنافس والاجتهاد مفتوحة للجميع، ونعم الله واسعة وخيراته كثيرة، فلماذا التحاسد؟ ولماذا التباغض؟

الأربعاء 4 صفر 1423هـ، 17 ابريل 2002م، 10533

[1]  سورة الإسراء الآية 20.
[2]  سورة النساء الآية54.