الكاظم (ع) خلق ومنهجية

يصادف الخامس والعشرون من شهر رجب ذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر والتي كانت سنة 183هـ، وهو في الخامسة والخمسين من عمره.

والإمام موسى هو السابع من أئمة أهل البيت ، وقد ولد سنة 128هـ، أواخر الدولة الأموية،التي انهارت سنة132هـ على أيدي العباسيين.

نشأ وتربى في ظل أبيه الإمام جعفر الصادق ، والذي أتاحت له الظروف آنذاك القيام بحركة علمية كبيرة، مستغلاً ضعف الدولة الأموية الآفلة، والدولة العباسية الناشئة، فاهتم بتربية الكفاءات العلمية في مختلف التخصصات، حتى بلغ عدد تلامذته والرواة عنه أربعة آلاف، حسب ما ذكر العديد من المؤرخين.

قال ابن حجر: نقل الناس عنه «الإمام جعفر» من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر، كيحيى بن سعيد، وابن جريج، والسفيانين، وأبي حنيفة، وشعبه، وايوب السختياني. [1] 

في هذه الأجواء العلمية عاش الإمام موسى مع أبيه الإمام جعفر عشرين سنة حيث التحق الإمام الصادق بالرفيق الأعلى سنة 148هـ، فآلت إليه زعامة البيت النبوي، والإمامة الدينية. وتحمل أعباءها لمدة خمسة وثلاثين عاماً.

بالطبع لم تعد الظروف مهيأة ومناسبة كما كانت في عهد أبيه الإمام جعفر، بل واجهته المتاعب والضغوط من قبل الحكم العباسي، الذي توطدت أركانه، إلاّ أنه واصل القيام بمسؤلياته الدينية والعلمية إلى أقصى حد تسمح به الظروف، وبلغ عدد من ذكره المؤرخون من تلامذته والراوين عنه 319 شخصاً، اثبت أسماءهم وتراجمهم الباحث القرشي في كتابه عن الإمام موسى بن جعفر[2] 



الكاظم:


من الطبيعي أن يتصف الإمام موسى بمختلف صفات الفضل والكمال، فهو من أهل بيت قد اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهير، وقد تحدث معاصروه، ومن قرأ سيرته من العلماء والمؤرخين، عن ما تجسّده شخصيته من مثل عليا، وقيم سامية، حتى أصبحت بعض مكارم أخلاقه لقباً له، وعلماً عليه.

يقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: « موسى بن جعفر رضي الله عنهما، كان يدعى العبد الصالح وكان حليماً كريماً، إذا بلغه عن رجل أنه يوذيه بعث إليه بمال» [3] 

ومن اشهر ألقابه التي يعرف بها: الكاظم . قال ابن حجر الهيتمي: «موسى الكاظم: وهو وارثه «الإمام جعفر الصادق» علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً، سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه، أعلمهم واسخاهم» [4] .

وقال ابن الاثير: «إنه عرف بهذا اللقب لصبره، ودماثة خلقه، ومقابلته الشر بالإحسان» [5] 

كظم الغيظ:


كظم الغيظ صفة أخلاقية هامة تحدث عنها القرآن الكريم : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (سورة آل عمران آية 134 ).

والكظم لغة مصدر قولهم: كَظَمَ يَكظِمُ تدل على معنى الإمساك والجمع للشيء، ومن ذلك الكظم للغيظ الذي يعني: اجتراع الغيظ و الإمساك عن إبدائه، وكأنه يجمعه الكاظم في نفسه.

والغيظ لغة مصدر قولهم: غَاظَه يَغيظُه. جاء في لسان العرب: الغيظ: الغضب، وقيل هو أشد منه، وقيل: هو سَورَتُه وأوله.

أما اصطلاحاً فقال الطبري في تفسيره: الكاظمين الغيظ: يعني الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه. يقال: كظم فلان غيظه، إذا تجرعه فحفظ نفسه أن تُمضي ماهي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.

فحينما يواجه الإنسان إساءة تزعجه، أو تصرفاً يؤذيه أذى بالغاً من جهة ما، فينفعل نفسياً، ويمتلأ قلبه ألماً وغضبا، لكنه يسيطر على انفعالاته، ويكتم مشاعره الثائرة، فلا يبدي ولا يظهر أي رد فعل انتقامي، بل ولا ينعكس غضبه حتى على قسمات وجهه، أو ألفاظ لسانة. هذا المستوى من الإرادة والتحكم وضبط الأعصاب، يطلق عليه كظم الغيظ.

ولا يصل الإنسان إلى هذه القمة الأخلاقية السامقة، إلا بدرجة متقدمة من الوعي، والنضج والتهذيب النفسي. حيث أن الطبيعة الأولية للإنسان تستجيب للمثيرات، وتندفع للانتقام، وتقع تحت تأثير الغضب والانفعال.

لذلك استحق الكاظم لغيظه من الله تعالى الثواب العظيم والتقدير الكبير، جاء في الحديث عن ابن عمر عن رسول الله أنه قال:« من كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة»[6] 

وفي حديث آخر عن ابن عمر أيضا عنه أنه قال: «ما من جرعة أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله»[7] 

إن كظم الغيظ يدل على قوة الإرادة، وقدرة السيطرة على النفس،وتلك أهم من قوة العضلات، وهذا ما يؤكده الحديث الوارد عن أنس قال: إن النبي مر بقوم يصطرعون، فقال: ما هذا؟ قالوا فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه، قال :«أفلا أدلكم على من هو أشدُّ منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه، فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه.»[8] 

وكظم الغيظ لا يتحقق من قبل الإنسان الضعيف أو الجبان، الذي لا يمتلك قوة الردّ، ولا شجاعة المواجهة، وإنما يصدق من المقتدر الجريء، الذي يقرر باختياره عدم الاستجابة للانفعال، مع قدرته على ذلك، وهذا ما تشير إليه النصوص الواردة: « لو شاء أن يمضيه أمضاه».

إن من يُساءُ إليه، ويعتدى على شيء من حقوقه، فينزعج ويُستفز ويغضب وهو يملك شجاعة المجابهة، لكنه يقرر لجم غضبه، وكبح جماح غيظه، لهدف أسمى، ومصلحة أهم، فهو الذي يتصف بهذه الصفة العظيمة: كظم الغيظ، وهو المستحق لثواب الله تعالى وثنائه، والجدير بالتقدير والإكبار.

الكاظم في أخلاقه:


لقد جسد الإمام موسى بن جعفر هذا الخلق الرفيع في سيرته وحياته، حتى اصبح لقباً له مصاحباً لإسمه، ويذكر المؤرخون العديد من الشواهد والمواقف، التي ضرب الإمام موسى بن جعفر فيها أروع الأمثلة والنماذج على كظم الغيظ، في تعامله الشخصي مع الآخرين، وكانت نتيجة ذلك التعامل في الغالب التأثير في أولئك المسيئين وتحويلهم إلى محبين.

رووا أن شخصاً كان يسيء للإمام، ويكيل السب والشتم لجده أمير المؤمنين ، وحول الإمام أنصار واتباع متفانون في الدفاع عنه، فأرادوا الانتقام من هذا الرجل بتصفيته واغتياله، فنهاهم الإمام عن ذلك، وكان يتحمل الإساءات المتكررة من ذلك الرجل، وذات يوم سأل الإمام عن مكانه، فقيل: إنه يزرع في بعض نواحي المدينة، فركب الإمام بغلته، ومضى إليه، فوجده في مزرعته، فأقبل نحوه، فصاح الرجل: لا تطأ زرعنا. وانتهى الإمام إليه، وجلس إلى جنبه، وأخذ يلاطفه، ويحدثه بأطيب الحديث، ثم قال له بلطف ولين:« كم غرمت في زرعك هذا؟»

قال الرجل: مئة دينار، فسأله الإمام: «كم ترجو أن تصيب منه؟»، قال الرجل: أنا لا اعلم الغيب، فقال الإمام: «إنما قلت لك: كم ترجو أن يجيئك منه؟»، قال الرجل: أرجو أن يجيئني منه مائتا دينار.

فأعطاه الإمام ثلاثمائة دينار،وقال:« هذه لك وزرعك على حاله.»[9] 

بعد هذه الحادثة تغيّر موقف الرجل من الإمام، و أدرك أنه لا مبرر لحقده وسوء تعامله مع الإمام، فصار يبدي الاحترام والتقدير للإمام كلما التقاه.

في أول اعتقال للإمام من قبل الخليفة هارون الرشيد سنة 179هـ حمل الإمام من المدينة إلى البصرة، و أودع في السجن، تحت إشراف عيسى بن أبي جعفر، والذي كان بحسب وظيفته، وأوامر السلطة، يضيّق على الإمام في سجنه، لكن تعامل الإمام معه بلطف واحسان، وما رآه من سيرة الإمام، وصدق أحاديثه وتوجيهاته، ولمدة سنة كاملة أوجدت تحولاً في موقفه فاصبح يظهر للإمام كل احترام وتقدير، و أخيرا اعتذر للخليفة هارون الرشيد عن تنفيذ مهمة اغتيال الإمام أو الاستمرار في سجنه، وكتب الرسالة التالية: «يا أمير المؤمنين، كتبت الي في هذا الرجل، وقد اختبرته طول مقامه بمن حبسته معه عيناً عليه، فلم يكن منه سوء قط، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير، ولا دعا قط على أمير المؤمنين، ولا على أحد من الناس، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين مع ملازمته للصيام والصلاة والعبادة، فان رأى أمير المؤمنين أن يعِفيني من أمره، أو ينفذ من يتسلمه مني وإلا سرحت سبيله، فاني منه في غاية الحرج» [10] 

وتكرر مثل هذا الأمر حينما اعتقل الإمام للمرة الأخيرة في سجن السندي بن شاهك في بغداد، والذي عانى الإمام فيه الكثير من الأذى والتنكيل، لكن ذلك لم ينعكس على تعامله مع المحترفين لإيذائه، وكان أحدهم يقال له بشار، وهو مولى لمسؤل السجن السندي بن شاهك، وكان بشار هذا من اشد الناس بغضاً لآل أبي طالب، وكان يبالغ في إيذاء الإمام، لكن الإمام كان يتحمل إساءاته وتنكيله دون أن يقابله حتى بلفظة نابية، أو نظرة قاسية، وبعد فترة من الزمن تغيرّت شخصية بشار، واصبح من المحبين والموالين للإمام. [11] 

هكذا كان الإمام يكظم غيظه، وينطوي على الآمة، في تعامله مع الأشخاص المسيئين إليه.

الكاظم في منهجيته:


يبدو لي ان السبب الاهم لاطلاق لقب الكاظم على الإمام موسى بن جعفر، والتفسير الادق يكمن في طبيعة المنهجية التي اتسمت بها سيرة الإمام، وطريقة تعامله مع الظروف السياسية التي احاطت به.

فقد تحمل أعباء الإمامة لخط أهل البيت في ظروف بالغة الحساسية والصعوبة، حيث تركزت السلطة في أيدي العباسيين، وكانوا في أوج قوتهم السياسية والاقتصادية، حتى أشتهر عن هارون الرشيد مخاطبته للسحاب: «اذهبي إلى حيث شئت يأتيني خراجك» واصبحت عاصمتهم (بغداد) عروس الدنيا، بثرواتها وقصورها وحدائقها، ونقل إبن خلدون في مقدمته أن المحمول إلى بيت المال في ايام الرشيد بلغ 7500 قنطاراً في كل سنة.. لقد دانت لهم البلاد، وخضع لهم العباد.

من جانب آخر فإن العلاقة بين الحكم العباسي والعلويين كانت متوترة متشنجة، لأن العلويين كانوا شركاء العباسيين في الثورة على الحكم الأموي، بل كانت الشعارات والدعوة باسمهم، و كانوا هم المرشحين لاستلام الحكم، بموجب مؤتمر (الأبواء) الذي اجتمع فيه زعماء هاشميون من علويين وعباسيين، وتداولوا امر الدعوة، واسقاط الحكم الاموي، واتفقوا على مبايعة محمد بن عبدالله بن الحسن ، وممن تقدم لمبايعته السفاح وابو جعفر المنصور اللذان توليا السلطة فيما بعد، وتجاوز العباسيون العلويين وتجاهلوهم وانفردوا بالحكم، فأوجد ذلك غضباً وانزعاجاً في اوساط العلويين، وادرك العباسيون ذلك، فاصبحوا حذرين من العلويين، يتوقعون منهم ردّ فعل مناوئ، ولتوقي اية مضاعفات محتملة من قبل العلويين تجاه الحكم العباسي، بدأ العباسيون حملة من الضغوط والتضييق على منافسيهم وابناء عمهم العلويين، اعادت إلى الذاكرة العلوية مآسي الحكم الاموي، وفي بعض الاحيان كانت ضغوط العباسيين اشد واقسى، حتى قال الشاعر:

تالله مافعلت امية فيهم **** معشار ما فعلت بنو العباس


نتيجة لهذا الواقع ولهذه الضغوط تفجرّت بعض الثورات من قبل العلويين،كثورة محمد بن عبدالله بن الحسن، وثورة أخيه ابراهيم، في عهد المنصور، وثورة فخ الشهيرة بقيادة الحسين بن علي بن الحسن، في عهد موسى الهادي.

والإمام موسى بن جعفر رغم أنه لم يشارك في أي من ثورات العلويين وانتفاضاتهم، لكن السلطة العباسية كانت حذرة قلقة من وجوده، لما يمثله من موقعية روحية دينية، ليس عند العلويين فقط وانما في اوساط جماهير الامة بشكل عام.

خط اهل البيت: تقدم ونمو:


بعدما عاشت الامة مظالم العهد الاموي، وتكشفت لها نوايا الحكم العباسي، وانهم طلاب سلطة، وليسوا حملة رسالة، اتجهت الانظار أكثر إلى ائمة اهل البيت ، باعتبارهم الامل في تصحيح واقع الامة وانقاذها. ونتيجة للنهضة الفكرية الثقافية الواسعة التي قادها الامامان الباقر والصادق، فترة انشغال العباسيين بالامويين، انتشرت المفاهيم والمعارف التي تتبناها مدرسة اهل البيت ، والتي تمثل مبادئ الإسلام الحقة، ومناهجه الاصيلة، المنبثقة من الكتاب والسنة، والنقية من الاهواء والتأثيرات السياسية والمصلحية.

كما أن التميز الواضح في شخصيات ائمة اهل البيت علماً وتقوى واخلاقاً،جعل افئدة الناس تهوي اليهم.

لكل هذه الاسباب كان خط اهل البيت في تقدم ونمو مطرد، وخاصة في عهد الإمام موسى بن جعفر، حتى وصل بعض الموالين لأهل البيت إلى مناصب ومواقع حساسة في جهاز الدولة، نتيجة لكفائتهم المتميزة، ولتشجيع الإمام موسى لهم، بأن يتحملوا ظروف الحكم واجواء الحاكمين، من اجل أن ينقذوا ما يمكن انقاذه من المصالح العامة، وان يصححوا مايمكن تصحيحه من القرارات والاجراءات، وان يكونوا عوناً للضعفاء والمؤمنين.

فمثلاً علي بن يقطين أصبح وزير الحكم في عهد المهدي ثم في عهد هارون الرشيد، وتشير بعض الروايات إلى أن الوالي على منطقة«ريّ» المهمة، كان من اتباع اهل البيت.

ومن مظاهر تقدم خط اهل البيت في تلك الفترة، المبالغ الطائلة التي كانت تبعث للإمام من مختلف الامصار، كزكاة وخمس، يقول يونس بن عبدالرحمن: مات موسى بن جعفر وليس من قوّامه احد إلاّ و عنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته، طمعاً في الاموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن ابي حمزة ثلاثون ألف دينار [12] .

إن خط اهل البيت لم يعد مقتصراً على الحجاز والعراق، بل اتسعت رقعته إلى إيران ومصر والمغرب وسائر البقاع.

يقول أحدهم محرضاً لهارون الرشيد ضد الإمام موسى: ما ظننت أن في الارض خليفتين حتى رأيت موسى بن جعفر يسلّم عليه بالخلافة، وأن الاموال تحمل اليه من المشرق والمغرب [13] .

اشتداد الضغوط على الإمام:


تعرّض الإمام موسى لضغوط كبيرة قاسية أكثر من سائر ائمة اهل البيت ، فقد اعتقل خمس مرات، لمدد متفاوتة، قد يصل مجموعها إلى سبع سنوات، ووضع تحت الاقامة الجبرية في بعض الفترات.

وعانى في بعض السجون تنكيلاً واذى رهيبا يتمثل في تقييده بالقيود والاغلال الثقيلة من الحديد، وفي جعله في سجن مظلم ضيق، وتسليط جلاوزة حاقدين عليه.

كما كانت الرقابة شديدة عليه ترصد حركاته حينما يكون خارج السجن، اضافة إلى الضغط النفسي الكبير الذي يعانيه بسبب اضطهاد العلويين من اسرته ومطاردتهم والبطش بهم من قبل السلطة.

كل هذه الضغوط كانت تدفع باتجاه أن يعلن الإمام معارضته للحكم العباسي، وان يتحرك لمواجهته، دفاعاً عن نفسه وحريته، ولوضع حد لمعاناة اسرته العلوية واتباعه الموالين.

ولم تكن تنقص الامام الشجاعة والجرأة، وماكان يشكو من قلة الاتباع، لكنه كظم غيظه، وقاوم الضغوط المتوجهة اليه، من اجل ان لا يعطي الفرصة للسلطة لتشن حرب ابادة ضد اتباع خط اهل البيت، وحتى لا تتأزم الامور اكثر فتحدّ من نمو التشيع وتقدمه واتساع رقعته.

فالإمام ليس طامحاً للسلطة، ولا طامعاً في الحكم، إنه صاحب رسالة، يفكّر من خلال مصلحة الرسالة والامة، ويتجرع الغيظ، وينطوي على الالم، ويتحمل المعاناة، لكنه لا يضحي بالمصلحة العامة، استجابة للانفعال, وطلباً للانتقام.

وهنا يتجلى كظم الغيظ كمنهجية عمل، وكسياسة دعوة،وكخطة تحرك، وبهذه المنهجية، بقي خط اهل البيت مدرسة اصيلة في فهم الاسلام، ورؤية حضارية في حياة الامة، يتحدى الضغوط، ويتجاوز العقبات، ويبشّر بغدٍ مشرق للاسلام والعالم.

الدرس والعبرة:


كم عانت امتنا العربية والاسلامية في هذا العصر من معارك وحروب طاحنة استدرجت اليها دون اعداد وتخطيط، فدفعت تمناً باهضاً، وتحملت خسائر فادحة؟؟

إن قوى الاستكبار في العالم لاتريد لشعوبنا ان تنهض وان تتقدم، وقد ابتليت الامة بقيادات تفتقد الاخلاص والنضج، فتجر الامة إلى معارك خاسرة، ويساعدها في ذلك سيطرة اجواء الانفعال، وغياب التعقل والحكمة، واستفزاز الاعداء الذين يريدون استدراج الامة إلى معركة غير متكافئة، تستنزف قدراتها وتعرقل نهضتها، كما حصل في حرب الخليج الثانية، حيث احتل «صدام» الكويت، ودخل حرباً خاسرة مع التحالف الدولي بقيادة امريكا، لقد اطلق صدام على حربه المجنونة اسم «ام المعارك» ورفع شعارات الاسلام، والدفاع عن القضية الفلسطينية، وكانت النتيجة دماراً في العراق، وعلى المنطقة كلها، والامة العربية والاسلامية جمعاء.

ونعيش اليوم مأساة أخرى في افغانستان، حيث تقود امريكا زحفاً عسكرياً عالمياً، يمطر شعب افغانستان الفقير بانواع الصواريخ المتطورة، والقنابل المدمرة. ترى لماذا نُستدرج لهذه الحرب؟ ولماذا نعطي الفرصة لامريكا وحلفائها حتى يحققوا اهدافهم الاستراتيجية، ومطامعهم الاستعمارية، على حساب مصالحنا ومستقبل اجيالنا؟

انهم اعداؤنا، يتربصون بنا الدوائر، ولكن لماذا نعطيهم الفرصة ونتيح لهم المجال؟

ان الامة بحاجة إلى نهضة حقيقية، تبني قوتها الذاتية، وتعيد صياغة حياتها السياسية والاقتصادية، وتركز جهودها على قضيتها المركزية فلسطين، اما المغامرات الطائشة فانها تزيد الامة ضياعاً وتمزقاً وتقدمها فريسة لمطامع الاعداء.

إن منهجية الامام الكاظم تقدم لنا درساً وعبرة في أن لانستدرج كأمة لمعركة لانخطط لها، وان نهتم اولاً ببناء القوة الذاتية، وتصليب الارض التي نقف عليها.

 

 

* كلمة الجمعة بتاريخ 25 رجب 1422هـ
[1]  ابن حجر الهيتمي:احمد بن محمد/الصواعق المحرقة ج2ص586/الطبعة الاولى 1997م مؤسسة الرسالة-بيروت
[2]  القرشي:باقر شريف/حياة الامام موسى بن جعفر ج2 ص225-374
[3]  الشعراني: عبدالوهاب الانصاري/ مختصر صفوة الصفوة ص178 مطبعة النهضة الحديثة-مكة 1967م
[4]  ابن حجرالهيتمي: احمد بن محمد/ الصواعق المحرقة ج2 ص590
[5]  القرشي: باقر شريف/ حياة الامام موسى بن جعفر ج1 ص50 دار البلاغة-بيروت 1993م
[6]  الالباني: محمد ناصر الدين/ سلسلة الاحاديث الصحيحة ج 2ص608-609.
[7]  ابن حنبل:الامام احمد/مسند الامام أحمد بن حنبل/حديث رقم6116.
[8]  العسقلاني:بن حجر/فتح الباري/حديث رقم6116.
[9]  القرشي: باقر شريف/حياة الإمام موسى بن جعفر ج1 ص156
[10]  المصدر السابق ج2 ص467
[11]  المصدر السابق ص487
[12]  المجلسي: محمد باقر/ بحار الانوار ج 48 ص252.
[13]  القرشي: باقر شريف/ حياة الإمام موسى ج2 ص455.