التعددية الاجتماعية وإدارة التنوع في فكر الشيخ حسن الصفار: مقاربة سوسيولوجية دينية

 المقدمة

يواجه المجتمع العربي المعاصر والعراقي بصفة خاصة تحديات بنيوية عميقة تتعلق بإدارة التنوع والاختلاف. فبينما تتجه المجتمعات الحديثة نحو ترسيخ مفاهيم المواطنة والعيش المشترك لا تزال العديد من البنى التقليدية في منطقتنا تعاني من هيمنة ”الأحادية“ ونبذ ”الآخر“. في هذا السياق يبرز المشروع الفكري للشيخ حسن الصفار كنموذج إصلاحي رائد، يسعى إلى تجسير الفجوة بين التراث الديني ومفاهيم الحداثة الاجتماعية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل متبنيات الصفار الفكرية حول ”التعددية“ وكيف استطاع تحويلها من ”إشكالية عقدية“ إلى ”ضرورة اجتماعية“ مقدماً إطاراً نظرياً وعملياً لإدارة التنوع ومستنداً إلى قراءة مقاصدية للنصوص الدينية تتناغم مع النظريات السوسيولوجيا الحديثة.

المبحث الأول: التأصيل النظري.. التعددية ك ”سنة كونية“ لا ”فتنة سياسية“

ينطلق الشيخ الصفار في تأسيسه لمفهوم التعددية من قاعدة صلبة تعتبر الاختلاف ناموساً كونياً لا مفر منه محاولاً بذلك تفكيك العقلية الإقصائية التي ترى في الاختلاف تهديداً للهوية.

1. المرتكز الفكري: حتمية الاختلاف؛ يرى الصفار أن محاولة صهر المجتمع في قالب فكري أو مذهبي واحد هي مصادرة للطبيعة البشرية وللإرادة الإلهية. فالمجتمعات بطبيعتها تعددية ومحاولة إلغاء هذه التعددية هي التي تولد العنف وليس التعددية بحد ذاتها. هذا الطرح يتقاطع مع ما يذهب إليه علماء الاجتماع من أن ”التجانس الكامل“ هو وهم أيديولوجي وليس واقعاً اجتماعياً.

2. الأدلة والشواهد: يستند الصفار بشكل جوهري إلى النص القرآني لتأصيل هذه النظرة وتحديداً قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود: 118]. يحلل الصفار هذه الآية ليستنتج أن الاختلاف هو إرادة تكوينية للخالق وبالتالي فإن مقاومته اجتماعياً عبر القمع هي عبث ومضادة لسنن الخلق.

وفي كتابه ”التعددية والحرية في الإسلام“ يوضح الصفار هذا المفهوم قائلاً: ”إن التعددية تعني الاعتراف بالآخر والإقرار بحقه في الوجود وحقه في التعبير عن رأيه واحترام خياراته“ (الصفار، 2000، ص. 25). هذا التعريف ينقل التعددية من كونها ”واقعاً مريراً“ يجب الصبر عليه إلى ”قيمة حضارية“ يجب استثمارها.

المبحث الثاني: من ”الفرقة الناجية“ إلى ”المجتمع المدني“ (تفكيك العنف الرمزي)

يناقش هذا المبحث الجهد التفكيكي الذي يمارسه الصفار ضد خطابات الكراهية والإقصاء ومحاولته استبدال مفاهيم ”الولاء والبراء“ الضيقة بمفهوم ”المواطنة“ الرحب.

1. المرتكز الاجتماعي: نقد الإقصاء يعمل الصفار على مواجهة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ ”العنف الرمزي“ (Symbolic Violence)، وهو العنف الذي يمارس عبر اللغة والتهميش ونزع الشرعية عن الآخر. يرى الصفار أن تكفير الآخر أو تخوينه هو مقدمة لاستباحة دمه ولذلك يركز على ”حرمة العرض والمال والدم“ كأصل ثابت يسبق أي خلاف مذهبي.

2. المقاربة السوسيولوجية والدينية: تتطابق طروحات الصفار مع نظرية ”الاعتراف“ (Recognition) للفيلسوف وعالم الاجتماع أكسل هونيث (Axel Honneth)، الذي يرى أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا عبر ”الاعتراف“ بالهويات المختلفة واحترامها (Honneth, 1995). يطبق الصفار هذا المفهوم دينياً عبر الاستشهاد بـ ”صحيفة المدينة“ التي أسسها النبي محمد ﷺ كدستور مدني يعترف باليهود كمكون أصيل في مجتمع المدينة لليهود دينهم وللمسلمين دينهم معتبراً إياها الجذر الشرعي لمفهوم المواطنة الحديثة (الصفار، 2008).

المبحث الثالث: آليات ”التعايش“ وإدارة الاختلاف (سوسيولوجيا الحوار)

لا يكتفي الصفار بالتنظير بل يقدم آليات عملية لإدارة هذا التنوع حيث يحتل ”الحوار“ المركز العصبي في مشروعه الإصلاحي.

1. الحوار كبديل وجودي للعنف: يخرج الصفار مفهوم الحوار من دائرة ”الجدل العقدي“ (الذي يهدف لإفحام الخصم) إلى دائرة ”التواصل الاجتماعي“ الذي يهدف لفهم الآخر. هو يؤمن بأن ”القطيعة“ أخطر اجتماعياً من ”الخطأ“ الفكري.

2. الشواهد والأدلة: يستحضر الشيخ المقولة الخالدة للإمام علي بن أبي طالب   في عهده لمالك الأشتر: ”الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق“ (الشريف الرضي، 1993). يمثل هذا النص الركيزة الذهبية في فكر الصفار حيث يوسع دائرة الأخوة لتشمل المشترك الإنساني متجاوزاً الحواجز الدينية والمذهبية.

3. إسقاط على الواقع العراقي: عند تطبيق هذه المنهجية على الواقع العراقي نجد أن الأزمات المتلاحقة لم تكن ناتجة عن التنوع المذهبي أو القومي بحد ذاته بل عن ”فشل إدارة هذا التنوع“ وغياب ثقافة الاعتراف المتبادل وهو ما يجعل تبني رؤية الصفار ضرورة ملحة لإعادة بناء السلم الأهلي.

المبحث الرابع: التعددية داخل الأسرة (الفجوة الجيلية)

يربط الصفار ببراعة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الاجتماعي داخل الأسرة معتبراً أن قبول التعددية يبدأ من المنزل.

1. الفكرة: الديمقراطية تبدأ من الأسرة يرى الصفار أن الآباء الذين يمارسون القمع الفكري ضد أبنائهم المختلفين عنهم يعيدون إنتاج ثقافة الاستبداد في المجتمع. هو يدعو لاحترام ”الاستقلال الفكري“ للأبناء كجزء من التعددية الطبيعية بين الأجيال.

2. الشواهد: في كتابه ”مشاكل الشباب.. الورطة والحل“، ينتقد الصفار بشدة الآباء الذين يسعون لاستنساخ شخصياتهم في أبنائهم ويطرح قاعدة ”الاستيعاب“ و”المصاحبة“ كبديل للوصاية (الصفار، 1998). ويستدل بالمنهج القرآني في الحوارات العائلية (كحوار لقمان مع ابنه) التي تتسم بالهدوء والعقلانية وخلوها من الإكراه، مما يعزز فكرة أن التعددية العمرية والفكرية داخل الأسرة هي ظاهرة صحية.

الخاتمة

خلصت الدراسة إلى أن الشيخ حسن الصفار يمثل نموذجاً متقدماً لـ ”عالم الاجتماع الديني“ الذي نجح في تفكيك ثنائية (التراث/الحداثة) المتوترة. لقد استطاع من خلال مشروعه الفكري أن يشرعن مفهوم ”التعددية“ دينياً، ويؤصله اجتماعياً، مقدماً بذلك ”لاهوت تحرير“ اجتماعي ينقل الفرد من ضيق التعصب إلى سعة المواطنة والإنسانية. إن تبني هذه المقاربة في الخطاب الديني والمناهج التربوية يعد مدخلاً أساسياً لمعالجة أزمات الهوية والانقسام في المجتمعات العربية والعراقية المعاصرة.


 

المصادر والمراجع

أولاً: الكتب العربية

• الصفار، حسن. (1998). مشاكل الشباب.. الورطة والحل. بيروت: دار الانتشار العربي.

• الصفار، حسن. (2000). التعددية والحرية في الإسلام. بيروت: دار الانتشار العربي.

• الصفار، حسن. (2008). التسامح وثقافة الاختلاف. بيروت: دار الساقي.

• الصفار، حسن. (2010). السلم الاجتماعي: مقوماته وحمايته. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.

• الشريف الرضي. (1993). نهج البلاغة (شرح محمد عبده). القاهرة: دار الحديث.

• غليون، برهان. (2012). المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

ثانياً: المصادر الأجنبية

• (English Sources) 7. Honneth, A. (1995). The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. Polity Press
عالم دين وباحث، أستاذ في كلية الإمام الكاظم عليه السلام - العراق