الشيخ الصفار نبراس الاعتدال والحداثة العلمية

         

عرفتُ الشيخ حسن الصفار لأول مرة في صالون الأحدية للدكتور راشد المبارك يرحمه الله بمدينة الرياض عام 1996 م، التي تُعد أحد أبرز مشكلات الوعي وتنمية الثقافة الرصينة خلال تلك الحقبة من الزمن، ولذلك كان يحرص على حضورها الموافقُ والمخالفُ، لجدية ما تطرحه من موضوعات فكرية، وبخاصة فيما يتعلق بطبيعة العلاقة مع الآخر المختلف في الإطار الإسلامي أولًا، سواء كان صوفيًا أشعريًا أو ماتريديًا، أو شيعيًا اثني عشريًا، أو في الإطار الفكري كالحداثة وما يرتبط بها من توجهات مادية في التفكير. وهو ما جعل للأحدية المباركية بمدينة الرياض أهمية كبرى ودورًا رياديًا في التأسيس لوعي فكري متميز، لم يكن ليكون لولا عمق وحكمة مؤسسها العالم الفيزيائي والأديب والمفكر الأستاذ الدكتور راشد المبارك يرحمه الله.

في ذلك المساء الصاخب والمحموم بضيوفه من التيار الديني وغيرهم المُتأهبين لمناقشة موضوع الأحدية بجدية وصرامة، وبينما هم مُنهمكون في الاستماع لحيثيات الموضوع المطروح، إذ بالباب الرئيسي لمجلس الأحدية يُفتح على مصراعيه، ليدخل مجموعة من الضيوف على رأسهم رجل متوسط الطول، بلحية معتدلة، ومعتمٌّ بعمامة بيضاء، يتوشح مِشلَحًا غير موشّح بأي لون من ألوان الزري المعتادة، ليستقبله صاحب الأحدية بترحاب كبير، وليأخذ مكانه في صدر المجلس بجوار المتحدث الرئيس، ثم يُعطى الكلمة بعدئذ، فكان حديثه حول قيمة الإيمان بتعددية الأفكار والآراء، ومزية التنوع في الاجتهاد بين عالم وآخر، وأن ذلك من رحمة الله بالعباد، إلى غير ذلك من الحديث التنويري المكتنز بكل ملامح الاعتدال.

كان ذلك هو أول لقاء لي بالشيخ حسن الصفار، بل وأول معرفة به، وأقول أيضًا لقد كانت تلك أول مرة أرى فيها رأيَ العينِ عمامة شيعية، وكم كان ذلك مدهشًا بالنسبة لي، إذ ومع انفتاحي على مختلف الطوائف فكرًا، ومعرفتي بتفاصيل عديد من آرائها، وتصوري بأنني عارف بها، لكنني أدركت بأن معرفتي مفتقدة لأهم شيء في جوهر الإدراك المعرفي، وهو حميمية التماس المباشر مع الطرف الآخر، أيًّا كان فكره وتوجهه سواء على الصعيد الديني أو الصعيد المادي أيضًا، إذ ليس من رأى كمن سمع، والأمر منطبق على حقيقة الإدراك المعرفي، وما أصدق تلك الحكاية التراثية التي تقول بأن رجلًا كان يمشي في الصحراء، فرأى شاخصًا من بعيد، ظنه للوهلة الأولى وحشًا، فلما اقترب منه تبين فيه ملامح إنسان، وحين اقترب أكثر وأكثر تبين له أنه أخوه ابن أمه وأبيه.

ذلك ما استشعره الجمع المتحرر من سلطة الإيديولوجيا المقيتة أيضًا في تلك الليلة، حيث شاركني أغلبهم من حيث التعرف عن قرب على عالم فقيه من الطائفية الشيعية الاثني عشرية، يتحدث إليهم بأريحية ومنهج علمي استدلالي، ليؤكد على كل القواسم المشتركة، وأن ما يجمعنا كمسلمين أكثر مما يفرقنا، وما نختلف فيه هو من باب الاجتهاد الممدوح الذي يصب في مدلول قوله تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود: 118].

تلك هي البداية لمعرفتي بالشيخ حسن الصفار، والتي توثقت بحميميته الودودة حين سألني بعد أن ذكرت له اسمي عن صلة قرابتي بالسيد العالم علي بن عبد الكريم الفضيل، فأجبته بابتسامة غامرة: إنه والدي؛ والحق أقول فقد سررت كثيرًا بإشارته لوالدي الذي يُعد أحد مراجع آل البيت الزيدية العلمية في حياته، وأدركت بأنني أمام شخصية مختلفة ومطلعة، وهو ما وجدته بعدئذ في كل لقاء ألتقيه؛ وكان أن ارتأى والدي يرحمه الله أن يقوم بزيارة الشيخ حسن بمنزله حال زيارتنا للمنطقة الشرقية، وتم ذلك، فكانت فرصة طيبة لأن يلتقي والدي به لأول مرة، وأن يُجيزه زيادة في البركة وتدويل المعرفة في مؤلفاته ومروياته العلمية عن آبائه وأجداده من أئمة آل البيت الزيدية.

في تلك الزيارة وما تلاها أدركت مدى عمق وعي وفكر الشيخ حسن، ووضح لي ولغيري قدر ما يحمله في كيانه من وسطية ومنهجية علمية سمتها الاعتدال، إذ رأيته شيخًا دمثًا في خلقه، بسيطًا في لقائه بالآخر، حداثيًا في فكره، عصريًا في مناقشته وأطروحاته التي يقدمها لمستمعيه، مؤمنًا بأن الحالة الدينية في المجتمعات الإسلامية ما تزال تنبض بالحيوية والحضور الواسع، وداعيًا إلى الارتقاء بها عبر تعزيز الوعي والمعرفة الدينية، وتجذير القيم الأخلاقية، وتحسين جودة حياة المجتمع، مؤكدًا في أحاديثه المختلفة بأن الدين يقوم على المعرفة قبل الممارسة، ومشددًا على أهمية تطوير الفهم الديني بما يواكب تطورات العصر، وأهمية تجذير القيم الأخلاقية وتحويلها إلى سلوك عملي، كما وجدته يشدد في أحاديثه المتنوعة على أن الدين لا يقتصر على الطقوس، بل يتجلى في التعامل الإنساني الراقي، محذرًا من القطيعة والخلاف بين المسلمين بسبب التباينات الفكرية أو الفقهية أو السياسية.

حقًا ما أعمق فكره ورؤيته، وفي كل مرة ألتقيه منفردًا أو بمعية نخبة فكرية وعلمائية من المنطقة الغربية وغيرها بالمملكة العربية السعودية، أجده على طبيعته التي لم تتغير من دماثة الخلق، ومنهج الاعتدال، وإعلائه للقيمة الوطنية الجامعة، وإيمانه الراسخ بوطنه السعودي الأبي، الذي نتظلل جميعًا بأمنه وأمانه.

أشير في هذا السياق إلى دور وأهمية منهج الشيخ حسن الوسطي، ولعمري، فذلك من أكثر ما نحتاج إليه في ظل الاضطراب الطائفي الذي تعمل الأجهزة الخفية بذبابها الإلكتروني على إشعال فتيله في الإقليم بأكمله، وحتما فلا يقف أمام مخططهم إلا تلك الأصوات المعتدلة في الإطارين السني والشيعي، التي تكبح جماح أي فتنة شيطانية تستهدف زعزعة السلم المجتمعي بوجه عام.

وكان ذلك ما أدركته القيادة السعودية التي عملت على لجم أي زعزعة هنا وهناك بفتح باب الحوار البيني أولًا، لنعرف بعضنا عن كثب دون وسيط يتقوّل علينا، وتاليًا بتشريع مختلف الأنظمة والقوانين التي تجرم أي خطاب طائفي ومناطقي وعرقي، وكان الشيخ حسن الصفار من أعمدة منهج الحوار البيني المعتدل بمشاركته الاستباقية في الحوار الذي تبناه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يرحمه الله، وجرى مداولته بمنهجية علمية في مؤسسة رائدة عرفت باسم «مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني»، والذي بات اسمه اليوم «مركز الملك عبد العزيز للتواصل الحضاري».

أختم بالقول مؤكدًا على أهمية أن تتكثف عرى التواصل والاتصال بين مختلف العلماء والفقهاء التنويريين في وطننا العربي والإسلامي جملة، وبخاصة وأن أوطاننا تعاني اليوم من مخطط يهدف إلى تمزيق شملها بإثارة النعرات الطائفية والعرقية وصولًا إلى الدينية، وحتما فيمثل الشيخ الفقيه والعالم الموسوعيّ حسن بن موسى الصفار أحد رموز الاعتدال والتنوير في وطننا السعودي والعربي بوجه عام، وجدير به وبأمثاله أن تكون لهم مساحتهم المصانة للحضور مجتمعيًا، لمواجهة أي صوت بغيض يستهدف بغير وعي أو بغيره تدمير وحدة أوطاننا وتماسكها.