الحكمة: حسن إدارة الذات والحياة
يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[سورة الجمعة، الآية: 2].
الإنسان، هذا الكائن الذي ميّزه الله تعالى بالقدرات والطاقات، والدور المناط به في الحياة، شاء لطفه تعالى ألّا يتركه يتخبط في مسيرة حياته، بسبب غلبة الجهل والغفلة عليه، فبعث له الأنبياء والرسل، ليرشدوه إلى الاستفادة من الطاقات التي أودعها الله تعالى في كيانه، من فطرته وعقله، حتى يهتدي إلى ربه، ويُحسن إدارة ذاته وحياته.
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَه، ووَاتَرَ[1] إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَه لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِه، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، ويُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ»[2] .
وكان آخر الأنبياء وأفضلهم نبينا محمد
، الذي نحتفي هذه الأيام بذكرى مولده الشريف، وذكرى مولد حفيده الإمام جعفر الصادق
.
وظائف النبوة
في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن هدف بعثة الأنبياء، والوظائف الأساسية التي كلّفهم الله بأدائها، ففي الحديث عن بعثة النبي محمد
، يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[سورة الجمعة، الآية: 2].
ويقول تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[سورة آل عمران، الآية: 164].
ويقول تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[سورة البقرة، الآية: 151].
ونجد في طليعة هذه الوظائف:
أولًا: تبليغ الوحي الإلهي ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾.
والتلاوة: قراءة كلمة بعد كلمة، أو حرفًا بعد حرف، أو آية بعد آية.
ثانيًا: الاهتمام بتهذيب النفس، وإزالة ما يعرض عليها من تأثيرات سلبية ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
ثالثًا: توضيح المفاهيم والأحكام التي شرعها الله تعالى ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾.
رابعًا: تعزيز منهجية الحكمة في سلوكهم ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾.
وإذا كانت الوظائف الثلاث واضحة المعنى إجمالًا، فإنّ الوظيفة الرابعة تحتاج إلى مزيد من التأمل والإيضاح، لذلك أردنا الوقوف عندها.
مفهوم الحكمة
وردت كلمة الحكمة في القرآن الكريم عشرين مرة، وجاءت صفة لله تعالى بأنه (حكيم) إحدى وتسعين مرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[سورة البقرة، الآية: 220].
ووصف الله تعالى القرآن بأنه حكيم، يقول تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾[سورة يس، الآيتان: 1-2].
ويقول تعالى: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾[سورة لقمان، الآيتان: 1-2].
والحكمة مصطلح عريق في تاريخ الفكر الإنساني، فقد تحدّث عنها فلاسفة اليونانيون كسقراط وأفلاطون، وفلاسفة القرون الوسطى، والفلاسفة والمفكرون الغربيون في العصر الحديث.
وتكررت كلمة الحكمة والحديث عنها في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.
وكان العرب يطلقون على الشخص المحنّك صاحب الخبرة والتجربة، الذي يرجعون إليه في الرأي عند المشاكل أنه حكيم، ويُعتمد عليه في أداء المهام.
ويقول الشاعر طرفة بن العبد:
إِذا كُنتَ فِي حَاجَةٍ مُرسِلًا فَأَرسِلْ حَكيمًا وَلا تُوصِهِ
وكان شائعًا عند الناس إلى وقت قريب إطلاق صفة الحكيم على الطبيب الذي يرجع إليه في علاج الأمراض.
والأصل في معنى الحكمة لغة: هي الإحكام والإتقان، في علم أو عمل أو قول، تقول: أحكمت الشيء فاستحكم: أي صار محكمًا. والأمر المحكم: المتقن الذي لا يوجد فيه ثغرة ولا خلل.
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: كلُّ شيء مَنَعْتَه من الفَساد فقد [حَكَمْتَهُ] وحَكَّمته وأحكَمْتَه[3] .
وقال ابن الأثير في النهاية: الحكيم: الَّذِي يُحْكِم الْأَشْيَاءَ ويُتْقِنُها[4] .
ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم[5] .
وقد تحدّث علماء التفسير والأخلاق والفلسفة عن معاني كثيرة للحكمة، حتى نقل الألوسي في تفسيره: إنّ فيها تسعة وعشرين قولًا لأهل العلم، قريب بعضها من بعض[6] .
لكنّ أكثر هذه الأقوال هي مصاديق لمفهوم الحكمة. ونجد في آيات القرآن الكريم ذكرًا للحكمة بمصاديقها المتعددة، التي تعود في مجملها إلى الإحكام والإتقان.
ويعتبر أفلاطون أنّ الحكمة هي ما تُمكّن الإنسان من اتخاذ القرارات الصحيحة[7] .
وعرّفها ديكارت: أنها استخدام الإنسان العقل وتوظيفه له للقيام بكلّ أمور حياته بطريقة صحيحة، تكون الأفضل من بين الطرق الأخرى[8] .
والحكمة عند الفلاسفة هي العلم الذي يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود.
الحكمة خير كثير
يمكننا القول إنّ الحكمة هي: حسن إدارة الذات والحياة، بدءًا من منهجية التفكير، إلى ضبط المشاعر والانفعالات، وصولًا إلى ترشيد السلوك والممارسات.
ولا شك أنّ من يصل إلى مستوى الإدارة الجيّدة لذاته وحياته، يكون على جادة الصواب ويقترب من الكمال، ويحرز لنفسه القدر الأكبر من الخير والنجاح. لذلك يقول تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[سورة البقرة، الآية: 269].
إنّ خير الحكمة أكثر من خير المال؛ لأنّ الحكمة تُرشّد حركة الإنسان لكسب المال، وتُوجهه للحفاظ عليه، وحسن استثماره، والتصرف فيه. وحينما يكون المال عند من يفتقد حكمة إدارته فسيتبخر ويتبدد. ورأينا أشخاصًا فقدوا ثرواتهم لسوء إدارتهم.
ربما تجد إنسانًا ذا دخل محدود، لكنّ حياته المعيشية أكثر انتظامًا من صاحب دخل كبير، والفارق طريقة الإدارة والتصرف.
كما أنّ خير الحكمة أكثر من خير العلم، فقد يحظى إنسان بمستوى متقدم من العلوم الدينية أو علوم الحياة، لكنه لا يحسن الاستفادة من علمه في إدارة ذاته وحياته، فيكون علمه وبالًا عليه.
ورد عن رسول الله
أنه قال: «سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ»[9] .
وورد عن أمير المؤمنين علي
: «مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالْعِلْمِ، كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِ وَوَبَالًا»[10] .
وعنه
: «رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَه جَهْلُه وعِلْمُه مَعَه لَا يَنْفَعُه»[11] .
وخير الحكمة أكثر من خير العبادة التي يفتقد صاحبها الحكمة؛ لأنّ العبادة في حقيقتها تهيئ الإنسان للاتصاف بالحكمة وتعزّزها في سلوكه. ومن يتصف بالحكمة في بُعديها الروحي والعقلي، يكون أحرص على أداء العبادة لله تعالى.
الحكمة ضالة المؤمن
ومما يؤيد أنّ الحكمة تعني حسن إدارة الحياة وتحقيق جودتها، أنّ رسول الله
دعا إلى طلب الحكمة وأخذها من أيّ مصدر كانت.
فقد ورد عنه
: «الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا»[12] .
وورد عن أمير المؤمنين علي
: «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَاطْلُبُوهَا وَلَوْ عِنْدَ الْمُشْرِكِ، تَكُونُوا أَحَقَّ بِهٰا وَأَهْلَها»[13] .
وعنه
: «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَخُذِ الْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ»[14] .
ومعلوم أنّ الأمور الدينية، من المعتقدات والتشريعات، لا تؤخذ ولا تطلب إلّا من المصادر والجهات المعتمدة. أما الأمور المرتبطة بإدارة شؤون الحياة فيمكن استفادتها وأخذ النافع منها من تجارب البشر وخبراتهم، بغضّ النظر عن توجهاتهم الدينية والسلوكية، وبهذا يتضح أنّ الحكمة التي هي ضالة المؤمن في هذه النصوص، هي ما يرتبط بإدارة الذات والحياة.
النبوة مدرسة الحكمة
وقد اجتهد النبي
وأخلص لله، ونصح للأمة في القيام بكلّ وظائف النبوة، ومنها تعليم الحكمة، حيث بذل جهودًا كبيرة في تعليم الناس حسن الإدارة لأنفسهم ولشؤون حياتهم في جميع الأبعاد والمجالات. وصنع من ذلك الجيل الذي استجاب لتعاليمه جيلًا قياديًا متميزًا، ومن تلك القبائل المشتتة أمة رائدة حملت مشعل الحضارة للعالم.
وأحاديث النبي
وسيرته وسلوكه العملي مدرسة متكاملة في تعليم الحكمة والتربية على مبادئها.
إنّ على كلّ مسلم أن يهتم بهدي رسول الله
في حسن إدارة الذات والحياة، كما يأخذ بسنة رسول الله
في العبادات والتشريعات الدينية.
وكما يهتم المسلم بأن يؤدي صلاته وصومه وطريقة حجه وفق أوامر رسول الله
، عليه أن يعتمد منهجية تفكيره وإدارة حياته وحركة سلوكه، وفق إرشادات رسول الله
الحكيمة، فإنه نبيّ الرحمة ومُعلّم الحكمة.
مصادر الخطبة:
- ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد، المكتبة العلمية، بيروت، 1399هـ.
- الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، المكتب الإسلامي، بيروت، ط4، 1405هـ.
- الألوسي، شهاب الدين السيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1426هـ.
- الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
- الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1421ﻫ.
- الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
- الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط2، 1403هـ.
- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (شيخ الطائفة)، الأمالي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2003م.






