رافضًا تكريس التخلف والجمود باسم الإسلام

الشيخ الصفار: الإسلام دعوة للتطوير الدائم للحياة

مكتب الشيخ حسن الصفار

 

قال سماحة الشيخ حسن الصفار: إن الإسلام ليس مجرد رسالة تواكب تطورات الحياة، بل هو دين يدعو المسلمين لمواصلة بناء الحياة، مستنيرين بالوحي، ومسترشدين بالعقل، ومتسلحين بالعلم والاجتهاد.

وتابع: إن بعض من يتصدى للحالة الدينية، يكرّس التخلف والجمود باسم الإسلام، حيث أصبحنا نعيش معركة لقبول أي تطور يخالف ما ورثناه وألفناه في مختلف مجالات الحياة.

جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 1 ربيع الأول 1448هـ الموافق 14 أغسطس 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: الإسلام دعوة لتطوير الحياة.

وأوضح سماحته أن وفاة رسول الله لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل مثّلت نقلة ومنعطفًا في حياة البشرية وصلتها بالوحي والغيب الإلهي، باعتبار أن النبي هو خاتم الأنبياء، وبوفاته انتهت مسيرة بعث الأنبياء والرسل.

وأبان أن القرآن الكريم تحدث بوضوح عن وفاة النبي ، في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ.

وأضاف: إن تعدد الآيات التي تؤكد بشرية النبي وحتمية وفاته، يحمل دلالة مهمة تتمثل في ترسيخ هذه الحقيقة في الوعي الإسلامي، حتى لا يتسلل الغلو إلى مقام رسول الله، كما وقع لدى بعض الأمم السابقة في نظرتها إلى عزير وعيسى بن مريم، وكذلك لتهيئة المسلمين للمرحلة التي تلي رحيل النبي .

وأشار إلى أن خصوصية وفاة رسول الله تكمن في أنها أنهت مرحلة تاريخية امتدت منذ بداية البشرية، كان فيها الأنبياء والرسل يتوالون لهداية الإنسان.

وتابع: إن وفاة كل نبي كانت تفتح الطريق أمام بعثة نبي آخر، أما وفاة خاتم الأنبياء فقد أنهت هذا المسار بصورة نهائية.

وأضاف: إن ختم النبي محمد للأنبياء، وكون شريعته خاتمة الشرائع الإلهية، من الحقائق القطعية في الإسلام، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.

ولفت إلى أن ختم النبوة يطرح سؤالًا فكريًا مهمًا، مفاده: إذا كانت البشرية تشهد تطورات متسارعة في مختلف مجالات الحياة، فلماذا لم تستمر بعثة الأنبياء والرسل برسالات جديدة تواكب هذه التطورات؟

وأبان أن إحدى الأفكار الأساسية التي قدمها العلماء في تفسير فلسفة ختم النبوة، تتمثل في أن الشرائع السابقة كانت مرتبطة بعصورها وبيئاتها، لذلك كانت تستلزم التغيير والتطوير مع تطور حياة الإنسان ووعيه، بينما جاءت الرسالة الإسلامية باعتبارها الصياغة الأخيرة والكاملة للهدي الإلهي، القادرة على مواكبة البشرية إلى يوم القيامة.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.

وبيّن أن الإسلام جاء محتضنًا للقيم الإنسانية الفاضلة، مستشهدًا بقول النبي : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ»، كما أنه يستنهض عقل الإنسان وقدراته، ويحثه على إدارة الحياة بأعلى درجة من الاجتهاد والإتقان.

وتابع: إن النصوص الدينية في القرآن والسنة تؤكد أهمية العقل والتفكير والتأمل والتفقه، ودراسة أسرار الكون وقوانين الطبيعة ومعادلات الحياة، واستنباط الحلول للمشكلات المتجددة.

وأعتبر أن من البخس بحق الإسلام اختزاله في كونه مستجيبًا للتطورات بعد حدوثها، بينما يحمل في مبادئه وقيمه ما يدفع الإنسان إلى البناء والتقدم والإبداع.

ونبّه إلى وجود فجوة بين مبادئ الإسلام وواقع التدين لدى بعض المسلمين، مشيرًا إلى أن بعض من يتصدون للحالة الدينية يكرسون الجمود والتخلف باسم الإسلام، حتى أصبح قبول بعض مظاهر التطور موضع معركة في المجتمعات الإسلامية.

وأشار إلى أن التاريخ الإسلامي المعاصر شهد معارضة لاستخدام المطبعة، والبث الإذاعي والتلفزيوني، والتعليم، والهاتف، وحتى السكك الحديدية، موضحًا أن المشكلة ليست في الإسلام، وإنما في بعض أنماط الفهم والممارسة التي تنظر إلى كل جديد بعين الريبة والرفض.

ومضى يقول: إن ختم النبوة لا يعني الاستغناء عن الهدي الإلهي، ولا توقف حركة الحياة، بل يعني انتقال مسؤولية التعامل مع المستجدات إلى الإنسان المسلم، مستندًا إلى مبادئ الرسالة الخاتمة وقيمها العامة، ومستخدمًا العقل والاجتهاد والمعرفة في معالجة قضايا الحياة.

وأشاد بكتاب الشيخ مرتضى المطهري (ختم النبوة)، مؤكدًا أنه بحث قيّم، ونصح الشباب بقراءته.