اكتساب الحكمة

 

يقول تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[سورة البقرة، الآية: 269].

فتح الله تعالى لعباده أبواب اكتساب الفضائل الروحية والأخلاقية، وأتاح لهم فرص السير في طريق التكامل الإنساني والتقدم المعنوي.

فقد أودع في أعماق ذواتهم ضميرًا ووجدانًا يبعثهم نحو الخير والصلاح، ويردعهم عن الشر والفساد، ومنحهم عقولًا يميزون بها بين الخير والشر، والصلاح والفساد.

كما أرسل أنبياء يضيئون لهم معالم طريق الكمال، ويحفزونهم لارتياد آفاق السمو الروحي والأخلاقي.

ويبقى القرار بيد الإنسان، هل يسعى إلى اكتساب الفضائل ومعالي الأخلاق، أم يكون منقادًا لرغباته المادية، متجاهلًا للتطلعات المعنوية؟

الحكمة طريق مفتوح

والحكمة تُمثّل درجة عليا في مسيرة كمال الإنسان، لأنها تقوده إلى حسن إدارة ذاته، في البعدين المعنوي والمادي، وترشده إلى السلوك القويم في حياته الفردية والاجتماعية.

يقول تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ إنّ الله تعالى يمنح الحكمة لمن يشاء، ولكن كيف؟

أهو منح اعتباطي؟ أم محض صدفة؟ أم محاباة؟ أم قرعة؟

كلّا! فهذه كلّها عناوين لا تنسجم مع حكمة الله تعالى الذي وضع سننًا ثابتة لإدارة الكون والحياة.

وهذه السنن الإلهية تؤكد أنّ الله يؤتي الحكمة من يرغب فيها ويسعى لها، كما يعطي الرزق المادي لمن يسعى له.

يقول تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ[سورة النجم، الآية: 39].

الحكمة درجات ومستويات

إنّ الحكمة درجات ومستويات، ويمكن لأيّ إنسان أن يسعى للتخلق بالحكمة ضمن الدرجة التي تتناسب مع تطلعاته وسعيه، وقد يرتقي الإنسان في مدارج الحكمة حتى يقترب من درجة النبوة، كما جاء عن رسول الله : «كادَ الحَكيمُ أن يَكونَ نَبِيًّا»[1] .

وورد عن الإمام جعفر الصادق : «الْحِكْمَةُ: ضِيَاءُ الْمَعْرِفَةِ، وَمِيرَاثُ التَّقْوَى، وَثَمَرَةُ الصِّدْقِ، وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ نِعْمَةً أَنْعَمَ وَأَعْظَمَ وَأَرْفَعَ وَأَجْزَلَ وَأَبْهَى مِنَ الْحِكْمَةِ»[2] .

وإذا كان البعض يصور الحكمة وكأنها صفة لنخبة البشر، لا ينالها إلا العرفاء وكبار الأولياء، فهو قد يقصد الدرجات العليا منها.

وإلا فإنّ فرص الحكمة متاحة لكلّ أبناء البشر، ممن يرغب في اكتسابها ويسعى لها، وأكبر دليل على ذلك أنّ الله تعالى كلّف أنبياءه تعليمها للناس، كلّ الناس، فهي ليست حالة نخبوية، بل هي مبذولة لعامة الأمة.

يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[سورة الجمعة، الآية: 2].

ويقول تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[سورة آل عمران، الآية: 164].

ويلفت النظر إشارة الآية إلى أنّ كونهم في ضلال مبين سابقًا، لا يقعد بهم عن تعلم الكتاب والحكمة.

عوامل للتخلّق بالحكمة

وتشير النصوص الدينية إلى أهم العوامل التي تهيئ الإنسان لاكتساب الحكمة وتساعده على التخلق بها.

أولًا: الاهتمام بالبعد الروحي، والانفتاح على الله والإقبال على عبادته والإخلاص له.

يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[سورة البقرة، الآية: 282].

ويقول تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[سورة التغابن، الآية: 11].

وكلما قوي إيمان الإنسان وزاد تقواه، ارتفع مستوى إدراكه وحكمته.

وجاء عن رسول الله : «رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَ‌»[3] .

وعنه : «خَشْيَةُ اللَّهِ مِفْتَاحُ كُلِّ حِكْمَةٍ»[4] .

وعنه : «مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا إِلَّا جَرَتْ يَنَابِيعُ اَلْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ»[5] .

ثانيًا: تهذيب النفس، بكبح الأهواء والشهوات، وضبط الانفعالات، وترشيد الأحاسيس والمشاعر.

يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[سورة العنكبوت، الآية: 69].

ورد عن أمير المؤمنين علي : «اِغْلِبِ الشَّهْوَةَ تَكْمُلْ لَكَ اَلْحِكْمَةُ»[6] .

وعنه : «لاَ تَسْكُنُ الْحِكْمَةُ قَلْبًا مَعَ حُبِّ شَهْوَةٍ»[7] .

وعنه : «غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِالْحِكْمَةِ عَقْلٌ مَغْلُولٌ بِالْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ»[8] .

ثالثًا: الوعي والمعرفة، كلما زاد وعي الإنسان بذاته، وزادت معرفته في الدين والحياة، كان أقرب إلى الحكمة والصواب في رؤيته وقراراته.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «أَفْضَلُ الْحِكْمَةِ مَعْرِفَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَوُقُوفُهُ عِنْدَ قَدْرِهِ»[9] .

وقد قرن الله تعالى بين الحكم والعلم في أكثر من آية في القرآن الكريم عند حديثه عن صفات الأنبياء.

يقول تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا[سورة الأنبياء، الآية: 74].

وعن داود وسليمان يقول تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا[ سورة الأنبياء، الآية: 79].

وعن يوسف يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا[سورة يوسف، الآية: 22].

وقال تعالى في النبي موسى : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا[سورة القصص الآية: 14].

وجاء عن الإمام جعفر الصادق : «إِنَّ اَلْحِكْمَةَ اَلْمَعْرِفَةُ وَاَلتَّفَقُّهُ فِي اَلدِّينِ فَمَنْ فَقُهَ مِنْكُمْ فَهُوَ حَكِيمٌ»[10] .

رابعًا: الخبرة والتجربة، فإنّ من يخوض غمار الحياة، ويواجه تحدّياتها، يكتسب خبرة وتجربة، تساعده في وضوح الرؤية، واتخاذ الموقف السليم.

جاء عن رسول الله : «لَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ»[11] .

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ»[12] .

ولا يقتصر الأمر على تجارب الإنسان الذاتية، بل إنّ اطلاعه على تجارب الآخرين يفيده في اكتساب الحكمة، لذلك ورد عن أمير المؤمنين علي : «خُذُوا اَلْحِكْمَةَ وَلَوْ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ»[13] .

التطلع والسعي لاكتساب الحكمة

إنّ غلبة الاهتمامات المادية على الإنسان، تدفعه للسعي لتحصيل المزيد من المكاسب المادية، ويغفل عن التطلع للمكاسب الروحية والأخلاقية، ومن أهم وظائف الدين؛ تحفيز الإنسان للارتقاء المعنوي، فذلك ما يحقق له معنى إنسانيته، ويمكنه من الإدارة الأفضل لذاته ولحياته.

إنّ على كلّ إنسان أن يتطلّع لاكتساب الحكمة، ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، وفرص نيل الحكمة متاحة أمام كلّ إنسان إذا سعى إلى ذلك.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتطلع للحكمة ويسعى إليها، وأن يمنحنا الحكمة والاستقامة في نفوسنا وسلوكنا، وأن يشملنا برحمته ورضاه.

مصادر الخطبة:
  1. ابن حنبل، الإمام أحمد، المسند، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1419هـ.
  2. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
  3. البرقي، الشيخ أحمد بن محمد، المحاسن، المجمع العالمي لأهل البيت، قم، ط3، 2011م.
  4. الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1421ﻫ.
  5. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
  6. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت، ط1، 1404هـ
  7. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأمالي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.
  8. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  9. المتقي الهندي، علاء الدين علي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط5، 1405هـ.
  10. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.

 

خطبة الجمعة 22 ربيع الأول 1448هـ الموافق 4 سبتمبر 2026م.

[1]  كنز العمال، ح44123.
[2]  بحار الأنوار، ج1، ص215.
[3]  من لا يحضره الفقيه، ج4، ص376، ح5766.
[4]  أمالي الشيخ الطوسي، ص570، ح1178.
[5]  عيون أخبار الرضا، ج2، ص74، ح321.
[6]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص82، ح187.
[7]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص426، ح55.
[8]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص270، 59.
[9]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص113، ح331.
[10]  بحار الأنوار، ج1، ص215.
[11]  سنن الترمذي، ح2033، مسند أحمد، ح11056.
[12]  الكافي، ج2، ص116، ح20.
[13]  المحاسن، ج1، ص359، ح771.