الآخر الديني شريكنا في الإنسانية والحياة

 

يقول تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [سورة الممتحنة، الآية: 8].

تعدّد الديانات حالة واكبت الظاهرة الدينية منذ بداياتها في حياة البشر، فحين بعث الله أنبياءه لهداية الناس إلى الدين القويم، انقسم الناس إلى شطرين رئيسين: شطر استجاب لدعوة الأنبياء، وشطر آخر أعرض ونحت من أوهامه وتصوراته ديانات ومعتقدات وثنية خرافية، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ [سورة النحل، الآية 36].

والذين اتبعوا الأنبياء حصل في أجيالهم اللاحقة، من حرّف الرسالة الالهية، وأنقص وزاد فيها، ومن رفض الاستجابة لدعوة الأنبياء اللاحقين، وتشبث بما ورث من الرسالات السابقة، رغم ما أصابها من تحريف، ورغم أنّ الزمن تجاوزها وحصلت تطورات في حياة الناس، استلزمت تشريعات إلهية جديدة.

وهكذا تعدّدت وتنوعت الأديان في حياة البشر، منذ بداية وجودهم وإلى الآن، وهو أمر طبيعي ناشئ من حرية التفكير والإرادة عند بني البشر، كما اقتضت حكمة الله تعالى.

يقول تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [سورة الكهف، الآية: 29].

خريطة الديانات في العالم

إنّ خريطة الديانات في العالم اليوم يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أقسام: ديانات ذات أصل سماوي ثابت، وهي اليهودية والمسيحية والإسلام، وديانات هناك نقاش في أنها سماوية أم لا، كالصابئة والمجوسية (الزرادشتية). وديانات لا يعلم بوجود مصدر سماوي لها كالهندوسية والبوذية والطاوية والكُنفُوشِيَّة وغيرها.

بعض الباحثين يرى أنّ مثل البوذية والزرادشتية والكُنفُوشِيَّة هي في الأصل ديانات سماوية وأربابها أنبياء.. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [سورة النحل، الآية: 36] لإثبات أنّ كلّ الأمم لها رسل، كما أنّ أوجه التطابق بين ملامح شخصيات أنبياء القرآن، وملامح قادة الأديان الهندية والصينية والإيرانية القدماء، وأحوالهم مع أقوامهم، وموقف أقوامهم منهم ومن دعوتهم واضحة.. وهم لم يدّعوا أنّ ما عندهم هو منهم وإنّما من الله!، كما أنهم لم يدّعوا الألوهية والربوبية.

ويميل إلى هذا الرأي المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي، فقد قال في موسوعة الفقه: أما الديانات الأخرى كالهندوكية والكونفوشيوسية والبوذية، فإنها وإن كانت فيها آثار من علم ويُحتمل أن يكون الذين جاؤوا بها أنبياء من جملة أنبياء الله الذي جهلناهم، وإنما حرّف تعاليمها أهلها[1] .

وقال في كتابه (فلسفة التاريخ): في الأصل كانت البرهمية ـ الهندوكية ـ ديانة التوحيد، ولذا نحتمل أن يكون لها أصل ونبي واقعي ثمّ حرّفوا وبدّلوا، واليوم يعتقدون بالتثليث، وآلهتهم الثلاثة هي: براهما، وشيفا، وفيشنو[2] . وفيه أيضًا: إني أحتمل أن تكون البوذية في الأصل دينًا سماويًا لكنها حرّفت[3] .

وأبرز الأديان المعروفة والسائدة عالميًا اليوم هي: الإسلام/ المسيحية/ اليهودية/ الهندوسية/ البوذية/ الكُنفُوشِيَّة/ السيخ/ الشنتو.

العلاقة بين أتباع الديانات

هذا التعدّد في الديانات أنتج كثيرًا من التعقيدات داخل الظاهرة الدينية في التاريخ الإنساني، وحتى عصرنا الحاضر، حيث كانت العلاقات غير إيجابية في الغالب بين أتباع الديانات المختلفة.

ذلك أنّ أتباع كلّ دين يعتقدون أنّ دينهم، يمثل الحقيقة المطلقة، وما عداه باطل مخالف للحقّ، فلا بُدّ وأن يتخذوا موقفًا سلبيًا تجاه الباطل وأهله.

كما أنّ السعي لتعزيز هويتهم الدينية، يدفعهم للابتعاد عن أجواء الدين الآخر، لتحصين مجتمعهم عن التأثر به.

وحيث يصبح الدين عنوانًا لهوية اجتماعية تتشكّل لها مصالح ومراكز قوى تدافع عنها بعنوان الدين، تبدأ المواجهة مع الدين الآخر على المستوى الفكري الثقافي، ثم قد تتطور إلى المقاطعة والتنافر الاجتماعي، ثم قد تنتقل إلى المرحلة الأخطر وهو استخدام العنف ونشوب معارك الحرب والقتال.

وتعدُّ الحروب الدينية من أشدّ الحروب فظاعة في التاريخ البشري، لأنّ من يخوضونها يعتبرونها حربًا مقدّسة، يستنفرون فيها أقصى طاقاتهم وجهودهم، وتمنحهم التعبئة لها أرفع المعنويات، وأعلى درجات الاستعداد للتضحية والفداء.

الحروب الدينية

لعلّ من أهم الأسباب الدافعة للحروب الدينية أمرين:

الأول: وجود اتجاهات متشدّدة داخل الأديان، تدعو لإخضاع الآخرين لدينهم، وإرغامهم على قبوله.

ثانيًا: وجود قوى متسلطة تستغلّ الدين لتثبيت سلطتها، وبسط نفوذها على أوسع مساحة ممكنة.

ونجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد على حرية الناس في اختياراتهم الدينية، كقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [سورة البقرة، الآية: 256].

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [سورة يونس، الآية: 99].

وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ‎﴿٢١‏ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [سورة الغاشية، الآيتان: 21-22].

إلّا أنّ اتجاهًا قويًا برز في الفقه الإسلامي، يرى شرعية نشر الإسلام عبر القوة، والمبادرة لجهاد الآخرين، وهو ما يُعرف بالجهاد الابتدائي، أو جهاد الطلب.

لكنّ اتجاهًا آخر في الفقه الإسلامي لا يقبل الجهاد الابتدائي، ويرى الجهاد في الإسلام منحصرًا في الجهاد الدفاعي.

حيث تؤكد عدد من الآيات القرآنية، أنّ المبرر المقبول لقتال الآخر هو عدوانه لا انتماؤه الديني، فإذا كان يعتنق دينًا آخر لكنه مسالم لا يمارس العدوان، فلا مبرر لقتاله.

يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [سورة البقرة، الآية: 190].

ويقول تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [سورة النساء، الآية: 90].

وآيات القرآن التي تحثّ على الجهاد، جاءت ضمن ظروف العدوان الذي واجه الدعوة الإسلامية في عهدها الأول، من قبل المشركين ثم اليهود والنصارى.

وقد أكّد الباحثون أنّ جميع الغزوات والمعارك التي خاضها النبي كانت دفاعية، وكان يسعى لتجنب الدخول إلى أيّ معركة، ويستجيب لأيّ دعوة للصلح والسلام، يقول تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة الأنفال، الآية: 61] وحين يضطرّ للقتال يلتزم بالضوابط الإنسانية، والقواعد الأخلاقية. لذلك لم يزد عدد القتلى في كلّ الغزوات عن 1400 من كلا الطرفين.

الشراكة الإنسانية

إنّ الآخر الديني لا يعيش في كوكب آخر، إنه شريكنا في الإنسانية والحياة، تتداخل مصالحنا مع مصالحه، قد يكون مواطنًا مثلك في الأوطان التي تتعدّد فيها الأديان، وقد يكون مقيمًا في وطنك، أو تكون أنت مقيمًا في وطنه.

الآخر الديني قد يكون أستاذك في الجامعة، أو مديرك في الشركة، أو طبيبك في المستشفى، أو زميلك في العمل أو الدراسة، أو جارك في المنزل، أو موظفًا أو عاملًا عندك.

فلا بدّ وأن تكون رؤيتنا واضحة نحو الآخر الديني، وعلى أساسها يكون تعاملنا معه.

أولًا: لا بُدّ أن تكون نظرتنا للآخر الديني نظرة موضوعية إيجابية، تنطلق من الإنسانية المشتركة التي منح الله التكريم لكلّ أبنائها.

يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [سورة الإسراء، الآية: 70].

وجاء عن أمير المؤمنين علي : «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»[4] .

إنه يختلف معك في الدين، وتعتقد أنّ دينك هو الحقّ، والدين الذي يتبعه غير الحقّ، لكنه قد يكون معذورًا في اتباعه غير الحقّ، لعدم اطّلاعه على الحقّ، أو قصوره عن الوصول إليه.

يقول الإمام الخميني: (أكثرهم - أي غير المسلمين - إلّا ما قلّ وندر- جهّال قاصرون. أما عوامهم فظاهر؛ لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحة مذهبهم، وبطلان ساير المذاهب، نظیر عوام المسلمين، فكما أنّ عوامنا عالمون بصحة مذهبهم، وبطلان ساير المذاهب، من غير انقداح خلاف في أذهانهم، لأجل التلقين والنشو في محيط الإسلام، كذلك عوامهم من غير فرق بينهما من هذه الجهة، والقاطع معذور في متابعة قطعه، ولا يكون عاصيًا وآثمًا، ولا تصح عقوبته في متابعته.

وأما غير عوامهم فالغالب فيهم أنه بواسطة التلقينات من أول الطفولة، والنشو في محيط الكفر، صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة، بحيث كلّ ما ورد على خلافها ردوها بعقولهم المجبولة على خلاف الحقّ من بدو نشوهم، فالعالم اليهودي والنصراني كالعالم المسلم، لا يرى حجة الغير صحيحة، وصار بطلانها كالضروري له؛ لكون صحة مذهبه ضرورية لديه لا يحتمل خلافه، نعم فيهم من يكون مقصّرًا لو احتمل خلاف مذهبه، وترك النظر إلى حجته عنادًا أو تعصبًا[5] .

البرّ بالآخر الديني

ثانيًا: نحن مطالبون عقلًا وشرعًا بحسن التعامل مع عباد الله والإحسان إليهم، وإن اختلفوا معنا في الدين، كما نريد منهم حسن التعامل معنا. هذا ما تؤكّد عليه نصوصنا الدينية.

يقول تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‎﴿٨‏ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة الممتحنة، الآيتان: 8-9].

فالآيتان الكريمتان تصنّفان الآخر الديني إلى صنفين: مسالم لا يخوض حربًا دينية على المسلمين، ولا يعتدي على حقوقهم ومصالحهم، وهؤلاء لا ينهى الله المسلمين عن التواصل وتكوين العلاقات الإيجابية معهم، وتقديم الخير والإحسان إليهم، ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وأن يتم التعامل معهم بعدل وإنصاف ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ والقسط هو العدل الذي يحب الله المتصفين به في التعامل مع الآخرين.

والصنف الثاني: هو الآخر الديني الذي يتخذ موقف المناوأة والعداء للدين، ويشنّ الحرب على المسلمين، وهؤلاء ينهى الله تعالى عن العلاقة بهم، والركون إليهم، لأنّ من يستسلم ويرضى عن المعتدين على دينه وحقوقه ومصالح مجتمعه، فهو ظالم لنفسه.

الحوار والتعاون

ثالثًا: المسلمون الذين يعيشون كأقليات أو مهاجرين في البلدان الأخرى، عليهم أن يندمجوا في أوطانهم الجديدة، ويشقوا طريق المشاركة في الحياة العامة، وأن يكونوا نموذجًا جاذبًا لدينهم في الانضباط الأخلاقي والتعامل الإنساني.

رابعًا: نتفاءل بالجهود الجديدة في هذا العصر للحوار والتفاهم بين قيادات الأديان المختلفة، للتعاون في المشتركات الإنسانية، وللتعارف والحوار العلمي.

وقد دعا القرآن إلى ذلك، يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّه [سورة آل عمران، الآية: 64]، وهناك مشتركات كثيرة يمكن التعاون فيها.

في 24 رمضان 1440هـ الموافق 29 مايو 2019م صدرت في مكة المكرمة (وثيقة مكة المكرمة لتعزيز الوحدة والتعايش العالمي، تعاون الأديان من أجل الأمن والصحة والتنمية) أمضاها أكثر من 1200 مُفتٍ وعالم يمثلون 27 مذهبًا وطائفةً من كلّ التنوُّع لعلماء الشريعة الإسلامية[6] .

وكان للبابا الراحل فرنسيس الثاني (1936- 2025م) بابا الكنيسة الكاثوليكية ورئيس دولة الفاتيكان، دور بارز في تعزيز العلاقة بين الكنيسة ومؤسسات الأديان الأخرى، وقد زار العراق، والتقى المرجع الأعلى السيد السيستاني في النجف الأشرف، بتاريخ 22 رجب 1442هـ الموافق 6 مارس 2021م.

ومن أواخر أخبار هذه الجهود الطيبة في العلاقة الإيجابية بين الأديان، اللقاء الشيعي الكاثوليكي الثاني الذي انعقد في العاصمة الإيطالية روما، بمشاركة علماء شيعة من العراق وإيران ولبنان والكويت وأحد العلماء من القطيف بتاريخ 13-14/7/2022م. وصدرت عنه توصيات مهمة. منها تأسيس لجنة دائمة شيعية كاثوليكية تعمل على تحقيق المصالح الإنسانية المشتركة، والعمل على معالجة التحديات التي تواجه المجتمع، منها: الإلحاد، خطر المخدرات، عدالة توزيع الثروات، والاهتمام بالأسرة.

في كلّ الأديان هناك توجهات معتدلة وشخصيات منصفة، يجب أن تنفتح على بعضها، ولا تترك الساحة الدينية لعبث المتطرفين والمتشددين.

الاحتفاء بأعياد الميلاد

وفي مطلع كلّ عام ميلادي جديد، تشهد الساحة الدينية الإسلامية، جدلًا ونقاشًا حول حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية، ومشروعية المشاركة فيه، أو تقديم التهاني بهذه المناسبة لمن له زملاء أو أصدقاء ومعارف من المسيحيين.

ورغم أنّ أبرز المؤسسات والمرجعيات الدينية الإسلامية، كمراجع الشيعة، والأزهر الشريف، ورابطة العالم الإسلامي، قد أوضحت أنه لا مانع من الاحتفال برأس السنة الميلادية، وذكرى ميلاد نبي الله المسيح عيسى بن مريم، ما لم يقترن ذلك بشيءٍ من ارتكاب المفاسد والمحرمات، وأنه لا مانع من تهنئة المسيحيين بهذه المناسبة، في إطار حسن الجوار، وحسن العلاقة الاجتماعية مع الآخرين.

إلّا أنّ هناك علماء وتيارات إسلامية ترى ذلك غير جائز شرعًا، وأنه نوع من التشبه بغير المسلمين الذي ورد النهي عنه من رسول الله ، وأنّ ذلك ينافي عقيدة الولاء والبراء ويضعفها، وأنّ فيه نوعًا من الإقرار بغير الحقّ.

ويعبّر هؤلاء عن رأيهم هذا بإصدار الفتاوى، وإلقاء الخطب، ونشر البيانات، وبثّ المقاطع على اليوتيوب، وكتابة التغريدات.

وعادة ما تستغلّ الجهات المتطرفة والإرهابية هذه المناسبة والأجواء لتنفيذ أعمال عنف تستهدف الكنائس، وتجمعات المحتفلين برأس السنة الميلادية.

فتسفك دماء الأبرياء، وتتضرّر مصالح الناس، وتشتعل الفتن في المجتمعات، وتشوّه سمعة الدين.

وهذا ما يستدعي تكثيف جهود التوعية والتثقيف بالرؤية الدينية الصحيحة، التي تؤكد على الشراكة الإنسانية، والاعتراف بالديانات الأخرى، واحترام حقّ اتباعها في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية، والتعامل معهم بعدل وإحسان.

فقه العلاقة مع الآخر الديني

إنّ العلاقة مع الآخر الديني في عصرنا الحاضر، مسألة بالغة الأهمية، نظرًا لتطور الحياة، وتشابك المصالح بين شعوب العالم، والانفتاح الذي فرض نفسه على المجتمعات الإنسانية.

وإذا كانت هناك آراء فقيهة ومرويات حديثية في تراثنا الديني، تنافي حسن العلاقة مع أتباع الديانات الأخرى، فيجب إعادة البحث فيها للتأكد من صحة مطابقتها لمبادئ الدين، ونصوصه الأساسية المحكمة، ومن صحة انطباقها وتنزيلها على الواقع المعاصر، المغاير لواقع الزمن والبيئة التي صدرت فيها هذه المرويات والفتاوى.

وهنا تأتي مسؤولية فقهاء الأمة المعاصرين، في القيام بواجب البحث في هذه المسألة الحساسة الخطيرة، بعقل منفتح ومنهجية موضوعية وشجاعة في التعبير عن الرأي الاجتهادي، وإن كان مخالفًا للسلف وللرأي السائد المشهور.

وأشيد هنا بالجهد العلمي المميّز في هذا المجال الذي قدّمه الفقيه اللبناني المعاصر الشيخ حسين الخشن، حيث أصدر موسوعة طبع منها ستة مجلدات في حوالي 5000 صفحة، تحت عنوان (فقه العلاقة مع الآخر الديني)، تناول أولًا تعريف الآخر الديني بمختلف مكوناته، ثم القواعد الشرعية الناظمة للعلاقة معه، ثم تطبيقاتها على مجالات العلاقات الاجتماعية والمدنية والسياسية مع الآخر الديني.

إنّ هذا البحث يشكّل نموذجًا لما تحتاجه وتتوقعه الأمة من الفقهاء المعاصرين، بأن يعالجوا المشاكل والقضايا الحاضرة، وليس الاقتصار على تناول الموضوعات القديمة المكرّرة في الفقه والأصول.

 

خطبة الجمعة 13 رجب 1447هـ الموافق 2 يناير 2026م.

[1]  السيد محمد الشيرازي، الفقه (كتاب الجهاد)، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1988م، ج48، ص27.
[2]  السيد محمد الشيرازي، فلسفة التاريخ، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2003م، ص370.
[3]  فلسفة التاريخ، ص376.
[4]  نهج البلاغة، من كتاب له إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها، رقم: 62.
[5]  روح الله الموسوي الخميني، المكاسب المحرمة، مؤسسة إسماعيليان، قم، ج1، ص133-134.
[6]  https://www.spa.gov.sa/1929331