الشيخ الصفار.. جهاد من أجل الوحدة والوئام

لقد تميزت تعاليم الإسلام بالسماحة مع الأديان الأخرى وخاصة مع أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ[1] .

وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[2] .

وأباح سبحانه وتعالى للمؤمنين أن يتزوجوا من الكتابيات العفيفات (المحصنات) وأن يأكلوا طعامهم (ما عدا الخمر والميسر وما أهلّ لغير الله به)، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[3] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[4] ، وعندما سألت إحدى المهاجرات وهي أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، الرسول هل تصل أمها المشركة الوثنية التي لم تحارب في الإسلام، نزل قرآن من السماء يتلى قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[5] . وقال تعالى في حق الوالدين المشركين اللذين يناوئان ابنهما ويدعوانه إلى الشرك: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً[6] ، فلم ينه عن معاملتهما بالحسنى بل أمر بذلك رغم جهادهما في إخراج ابنهما من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر والعياذ بالله.

وقد رويت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله: «ومن آذى ذمياً فقد برئ مني..»، وفي رواية «كنت خصمه يوم القيامة». وكان رسول الله يضرب أروع الأمثلة في حسن معاملة أهل الذمة رغم كيد اليهود له ومناوأتهم إياه. ومحاولة اغتياله مرات عدة بإلقاء حجر كبير وبالسم وغير ذلك. وكان يعود غلاماً يهودياً مرض ودعاه إلى الإسلام فنظر الغلام إلى أبيه فقال: «أطع أبا قاسم»، فأسلم قبل أن يموت فخرج رسول الله متهللاً فرحاً حيث أنقذه الله به من النار.

وتزوج صفية بنت حُيي بن أخطب ألدّ أعدائه من اليهود، وعندما أرادت الركوب، وكانت من غنائم الحرب، وضع لها فخذه الشريف لتصعد عليها حتى ترقى إلى الناقة وأردفها خلفه، ثم تزوجها بعد انقضاء عدتها من زوجها اليهودي المحارب لله ورسوله. وقد أحسن إليها المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. وعندما افتخرت عليها عائشة بأنها ابنة أبي بكر وحفصة بأنها ابنة عمر الفاروق جاءته باكية، فقال لها: قولي لهما، أبي هارون وعمي موسى . وهي تنتسب إلى هارون t حتى قيل عنها «صفية الهارونية»، وصارت من أمهات المؤمنين في الدنيا والآخرة.

وسار الصحابة الكرام وآل البيت الأطهار على نهج المصطفى. وعندما فتحت مصر ذهب القبطي من مصر إلى الفاروق عمر في المدينة يشكوه ابن الأكرمين (ابن عمرو ابن العاص والي مصر) الذي ضربه بسوط بعد أن سبقه القبطي. فما كان من عمر إلا أن استدعى عمرو بن العاص وابنه. وأمر القبطي بضرب ابن الأكرمين، وقال لعمرو قولته المشهورة: «يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً».

ودخل الناس في دين الله أفواجاً. وكان سلمان الفارسي حاكماً في عهد عمر على فارس وخراسان فكان القدوة في الزهد والعفة وحُسن الخلق حتى أسلم الآلاف على يديه، وعلى يد أتباعه.

وعندما بدأ عهد الأثرة والملك العضوض كان الظلم يستشري على طوائف الأمة ويمسّ من حين لآخر أهل الكتاب. حتى أن الجزية التي كانت مفروضة عليهم كانت تقام على من أسلم، فلما جاء عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل أبطل ذلك الإجراء المقيت فأخبره الولاة أن بيت المال سينكسر (أي يصاب بالعجز)، فقال قولته المشهورة: «إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً» فدخل الناس مرة أخرى في دين الله أفواجاً حتى أن رئيس النصارى في مصر كان يقول عن عمر بن عبد العزيز أنه الدجال الأكبر لأن الناس قد تركت دينها ودخلت في هذا الدين الجديد.. وأن ظلم بني أمية السابق خير من عدل عمر، فقد كان الظلم يمنع الكثيرين من دخول الإسلام، أما عدل عمر فقد أدى إلى خلو الكنائس، وبالتالي فقدان البطارقة نفوذهم وسلطانهم. 

ورغم ذلك فقد كان وضع أهل الكتاب أفضل بكثير من طوائف عدة من المسلمين. ومنذ عهد معاوية عند بدء الملك العضوض وإلى انتهاء دولة الخلافة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ومحمد رشاد اللذين عزلتهما حركة الاتحاد والترقي في تركيا الحديثة على يد كمال أتاتورك (إنهاء الخلافة عام 1924)، كان معظم أطباء الخليفة أو السلطان من اليهود أو النصارى أو الصابئة. كما كان المستشار المالي أو وزير المالية منذ عهد معاوية إلى الوقت الراهن للحاكم في كثير من البلاد العربية والإسلامية إما يهودياً أو نصرانياً. كما تولى الوزارة الكبرى عدد من هؤلاء اليهود والنصارى والصابئة. ومن هؤلاء اليهود الذين تولوا الوزارة يعقوب بن كلس الذي وزر للمعز لدين الله الفاطمي ثم لابنه عبد العزيز (وفاته 380هـ/991م)، وابن النغريله في الأندلس الذي وزر هو وابنه في دول الطوائف حتى وصلت الوقاحة بالابن أن يسب الإسلام ورسول الإسلام، ويؤلف في ذلك الكتب والرسائل. مما دفع ابن حزم إلى الرد على وقاحته وأن تثور العامة ضده. ومن آخرهم الوزير جوزيف أصلان قطاوي الذي تولى وزارة المالية في مصر سنة (1924م)، وفي العراق تولى عدد من هؤلاء اليهود الوزارات. وأما النصارى الذين تولوا الوزارات والمناصب الهامة في الدولة فلا يعدون كثرة. وإذا نظرت اليوم إلى قائمة أسماء الوزراء في معظم الدول العربية فلا شك أنك ستجد واحداً أو اثنين على الأقل في كل وزارة، وستجد منهم نائباً لرئيس الوزراء. أما لبنان فلا بد أن يكون رئيس الجمهورية مارونياً حسب اتفاق تم عند الاستقلال. وأما الحبشة وإريتريا ذات الغالبية المسلمة فإنهما تحكمان من قبل النصارى، وهذا كله يدل على سماحة الإسلام وعلى تساهل المسلمين في كثير من الأحيان حتى خرجوا عن حد العدل وأضرّوا بدولة الإسلام حين سلّموا المناصب الهامة في الدولة لغير المسلمين. والإسلام لا يدعوهم إلى جعل المسلمين تحت حكم غير المسلمين، حتى قال الشاعر:

يهود   هذا  الزمان  قد  بلغوا
العزُّ   فيهم   والمال   iiعندهمُ
يا أهل مصر إني نصحت لكم


غاية    آمالهم    وقد   iiملكوا
ومنهم    المستشار    iiوالملكُ
تهوّدوا،    قد    تهوَّد   iiالفَلكُ

وكان لكل طائفة من هذه الطوائف حريتها الدينية الكاملة، بل وكانت الطائفة تختار رئيسها، وعادة ما يوافق عليه الخليفة، ويصدر مرسوماً بذلك، ويعطيه الخليفة أو السلطان صلاحيات كاملة. ليس فقط في النظر في الشؤون الدينية للطائفة بل أيضاً في النظر في شؤونها الأخرى. ويحق لهم التقاضي لديه أو لدى من ينوبه، ويجعل الخليفة أو السلطان لهذا الرئيس شرطة وسجناً، وله حق تنفيذ الأحكام بين أبناء طائفته دون الرجوع إلى المحاكم الإسلامية.. ولم يكن الجارون (رئيس اليهود) أو رئيس البطارقة (رئيس النصارى) يدين بالولاء والخضوع لأحد سوى الخليفة أو السلطان.. ومع هذا فيحقُّ لأبناء الطائفة أن يتحاكموا إلى القضاء الإسلامي إذا أرادوا ذلك. وهذا كله قد حدث في عهد رسول الله . قال تعالى عن اليهود الذين جاؤوا يتحاكمون إلى رسول الله p طمعاً في أن يخفف عنهم بعض الأحكام الموجودة في كتابهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ[7] .

وهكذا كان لليهود والنصارى نوع من الحكم الذاتي داخل إطار الحكم الإسلامي العام. وهو ما لم يحصل عليه المسلمون اليوم عندما يعيشون كأقليات، بل ويحاربونهم عندما يريدون تطبيق حكم الشريعة ولو كانوا هم الأكثرية، ففي نيجيريا حملة شعواء لأن بعض الولايات الفيدرالية التي تتمتع بالأغلبية الإسلامية الساحقة قد اختارت تنفيذ حكم الشريعة على المسلمين. وفي السودان حرب شعواء يقوم بها «جارنج» وأتباعه ومن ورائه الدول الغربية لأن الدولة تريد تطبيق حكم الشريعة على المسلمين. وتسمح للمسيحيين بأن يتحاكموا إلى أي قانون يرضونه.. أما في تركيا فقد طُردت عضوة في البرلمان بعد فوزها في الانتخابات لمجرد لبسها منديلاً على رأسها، وحُلََّ حزب السلامة وحزب الرفاه لكونهما أحزاباً تدعو إلى الإسلام بصورة عامة وإن كانت تقبل العلمانية، وما حدث في الجزائر من انقلاب على الانتخابات التي فاز فيها المسلمون، وما تلاها من مذابح مروعة دبرتها الطغمة العسكرية المعادية للإسلام (الائكية) والتي لا تزال الجزائر تعاني منها. والوضع مشابه في أماكن كثيرة بصور مختلفة تتراوح بين العلمانية والأتاتوركية المتشددة في أي طرح ديني إلى أوضاع تدّعي الإسلام وتحاربه في نفس الوقت.

والغريب حقاً أن سماحة المسلمين مع أهل الكتاب لم تطل الفرق الإسلامية المختلفة منذ ظهور الخوارج الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، كما قال خير البرية، وهم يقتلون أهل القرآن ويدعون أهل الصلبان. وكانوا يمتحنون الصحابة وأبناءهم، ويسألون عن عثمان وعلي رضي الله عنهما فإن قالوا فيهما خيراً قتلوهم وإن سبّوهما ولعنوهما وتبرأوا منهما تركوهم. وإن رأوا يهودياً أو نصرانياً قالوا هذا من أهل الذمة فتركوه بل قاموا بإيصاله إلى مأمنه وهم يتلون قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ[8] ، ومنذ تحول الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض كم سالت من دماء المسلمين وكم قُتلت وأزهقت الأنفس الزكية.. ولم يقع ذلك على أهل الذمة من اليهود والنصارى والصابئة، بل ولا حتى المجوس الذي سنّ المسلمون بهم سنة أهل الكتاب.

وتمترس الحكم بمقولات ضد الفئات المناوئة، ووجد أعواناً من بعض علماء السلطان يزينون له محاربة المناوئين وإيذاءهم وظلمهم باعتبارهم مبتدعة!! وقامت كل فئة نتيجة ما حاق بها باتهام الآخرين بمثل ما اُتهمت به. وتبادل المسلمون الشتائم والتكفير والتبديع والتفسيق. وظهرت الفلسفة وجاءت ردود الفعل وازدادت الانقسامات. وظهرت الجهمية والمعطلة والمعتزلة.. ولم يكتف أولئك بأقوالهم ولكن ما إن استطاع المعتزلة الوصول إلى الحكم حتى أغروا المأمون بإيذاء الآخرين زاعمين أنهم هم أهل العدل والتوحيد، وأن ما عداهم أهل الفسق والبدعة والضلالة. ووصل الأمر إلى مداه بامتحان أئمة أهل السنة حتى وصل الأمر إلى أحمد ابن حنبل فوقف وقفته تلك، وتحمل ضرب السياط، وتعذيب السجن والضرب والإهانة.. واستمر البلاء زماناً طويلاً، على آخر عهد المأمون ثم المعتصم ثم المقتدر، ثم تحول الأمر إلى اضطهاد للمعسكر البادئ بالظلم منذ عهد المتوكل.

وازدادت الفتنة قتامة حتى أن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح المشهور لم يستطع أن يدخل بخارى، ومات محاصراً في قرية خرتنك، وهم يتهمونه بالبدعة والمروق من الدين!! وكذلك فعلوا بالإمام ابن جرير الطبري صاحب التفسير المشهور وصاحب التاريخ المرجع، ومات في بيته محصوراً ولم يتمكنوا من دفنه حيث ثارت العامة المتعصبة لمذهب الإمام أحمد فدفنوه في بيته.

وكانت الفتن بين الحنابلة والأحناف، ثم انتقلت إلى الحنابلة والشافعية، وكل فرقة تفسّق الأخرى وتبدّعها، فأهل الحديث ومتعصبة الحنابلة يرمون الأحناف بأنهم ماتريدية، ويرمون الشافعية بأنهم أشعرية، وكلاهما عندهم مبتدعة. والأحناف والشافعية يرون متعصبة الحنابلة مجسمة مثل اليهود!! واختلفوا في زواج الحنفي أو الشافعي للحنبلية، وقال الحنابلة لا يجوز ونعاملهم مثل اليهود والنصارى فيجوز للحنبلي أن يتزوج شافعية أو حنفية، ولكن لا يجوز للشافعي أو الحنفي الزواج من حنبلية.. واستمرت المعارك دهوراً طوالاً ثم أذن الله بانفراج الغمة وانقشاع الفتنة، وقبل الحنابلة بالمذاهب الأخرى كما قبلت المذاهب الأخرى مذهب الإمام أحمد. وإن بقيت مسائل العقيدة تثار إلى اليوم. ولا يقبل من الشافعية ولا الأحناف أقوال الأشاعرة والماتريدية. ويرى السلفيون ذلك كفراً أو على أقل تقدير بدعةً وفسوقاً.. والآخرون يرونهم بنفس النظرة ويقولون عنهم هؤلاء مجسّمة مشبّهة يجعلون لله حيّزاً ومكاناً.

وانقسم المسلمون كذلك في ولائهم للصحابة رضوان الله عليهم. واتهم الخوارج الجميع ما عدا الشيخين أبي بكر وعمر، وقتلوا كل من خالفهم.. وبالغ بعض أهل السنة في بغض آل البيت رغم ورود الأحاديث الكثيرة الحاثة على موالاة آل البيت ومحبتهم ونصرتهم، حتى أن الإمام الحاكم صاحب (المستدرك) قد أُتهم بالتشيع، وأوذي في ذلك. كما أن الإمام النسائي ضُرب حتى الممات بسبب إيراده حديثين في معاوية بن أبي سفيان.. بل إن الإمام الشافعي أُتهم بالتشيع وكاد يفقد حياته بسبب ذلك، ولولا محمد بن الحسن لقتله الرشيد، وأما الإمام مالك فقد أدّت فتواه «ليس على مكره طلاق» إلى ضربه وخلع كتفه وإصابته بسلس البول حتى ترك الصلاة في المسجد. وأما الإمام أحمد فقد أُتهم بموالاته للإمام علي لكثرة ما أورد في المسند من أحاديث في فضله، وأما الإمام أبو حنيفة فقد كان لتأييده ثورة الإمام زيد بن علي زين العابدين أبلغ الأثر في نهاية الدولة الأموية، ثم لما جاءت الدولة العباسية أنكر على السفاح والمنصور سفكهما الدماء البريئة وظلمها، ووقف ضد هذه الدولة الظالمة التي حاولت أن تغريه بمنصب قاضي القضاة فأبى عليهم فسجن وضرب وعذب حتى مات شهيداً.

وتعددت فرق السنة وفرق الشيعة وظهرت الصوفية بفرقها العديدة وطرقها المتكاثرة كما ظهرت الدعوة السلفية، وكل فرقة من هؤلاء تفسّق وتبدّع الأخرى، ويصل الأمر في كثير من الأحيان إلى تكفير الآخرين بزعم أنهم الفرقة الناجية وما عداهم حطب جهنم، وتستخدم في الحرب العنيفة بين الفرق المختلفة الادعاءات والأكاذيب.. وكل فرقة تفتري على الأخرى ما لم تقله، أو يؤول كلامها بحيث يصبح كفراً بواحاً أو على أقل تقدير فسوقاً وخروجاً عن جادة الطريق وسواء السبيل. وتأججت نار العداوة حتى أُصيبت الأمة بعذاب الفرقة وما يستتبعه ذلك من ذهاب الريح والفشل. قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[9] ، وجعل المولى سبحانه وتعالى من أنواع العذاب الذي يصبه على من خالف الجادة ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض[10] ، فبدأت الأمة في الانهيار واجتاحها الصليبيون ثم التتار ولما عادوا إلى الألفة والوحدة نصرهم الله على أهل الصليب والمغول.. ولكن الفتن عادت فطُرِد المسلمون من الأندلس.. ثم وقعت أراضيهم واحدة تلو الأخرى فريسة للاستعمار الأوروبي. ثم كانت الطامة في عصرنا بظهور دولة إسرائيل وطرد أهل فلسطين من ديارهم وتشتيتهم في أركان المعمورة.. والعرب والمسلمون سادون في غيهم، مستمرون في معاركهم، غافلون عن أعدائهم حتى أصبحوا لا حراك لهم، والمسجد الأقصى يناديهم.. والقدس تصرخ فيهم ولا معتصم هناك.. والأطفال والنساء والشيوخ يقتلون ويذبحون على مرأى العالم ومسمعه.. والليل مدلهم والخطب جلل، ولا يزال كثير من الشباب المتدين وشيوخهم مشغولين بتكفير الفرق الإسلامية الأخرى وتبديعها وتفسيقها، تاركين العدو يمرح ويسرح في أرض الإسراء والمعراج.. وهم في معاركهم الدون كيشوتية يقاتلون طواحين الهواء، ويركزون كل جهودهم في تبديع هذه الفرقة، وتفسيق تلك الأخرى، وإخراج الثالثة من دائرة الإسلام بأكمله. واليهود والنصارى يستعبدون أرض المسلمين ويستغلون خيراتها، وهم سعداء في معاركهم الوهمية بأنهم في سبيل الله يجاهدون، تاركين إخوانهم فريسة لشذّاذ الآفاق وعبّاد العجل وأتباع السامري.

ولا بد من إعادة لُحمة الأمة والارتفاع فوق الخلافات والحزازات والنعرات، وتناسي مآسي الماضي واختلافاته حول هذه القضية أو تلك فما تعانيه الأمة ينبغي أن يدفعها إلى لمّ شعثها ومداواة جروحها وتقريب وجهات النظر بين الفرق المختلفة التي تقر كلها بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً.. والتي تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، والتي تقيم أركان الإسلام الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.. قبلتنا جميعاً واحدة ووجهتنا وعبادتنا لله وحده. فلا مجال إذن للاختلاف على الفروع.

والرسول كان يقبل من الإعرابي إسلامه بالشهادتين وبإقراره بمبادئ الإسلام. ولا يطلب منه سوى ذلك. ولم يكن يسألهم عن تفاصيل صفات الألوهية وصفات الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات فهي كلها داخلة في الشهادتين، وفيما يتلونه من القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وما يجمع المسلمين بفرقهم المختلفة أكثر بكثير مما يفرقهم، ولكن الشيطان يغريهم بالعداوة والبغضاء والبحث عن أوجه الخلاف حتى يمزقهم كل ممزق، ويجعلهم لقمة سائغة لأوليائه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان وعبدة الشيطان.

وممن انتهض لمهمة إذكاء روح الأخوة والمحبة بين فرق المسلمين الشيخ حسن بن موسى الصفار الذي ولد في مدينة القطيف من المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية عام (1377هـ/1957م). فقد جعل الشيخ حسن، زاده الله علماً وخلقاً، كل همه منذ حداثة سنه وميعة صباه أن يدعو إلى الله بالموعظة الحسنة وأن يزيل قدر المستطاع تراكمات الحزازات والإحن من القلوب بين طائفتين من طوائف المسلمين اقتتلا طويلاً، وتعادتا عبر الأزمان والقرون المتطاولة.. وهما طائفة الشيعة الإمامية الجعفرية وطوائف السنة.

واستمعت إلى خطبه العديدة في المناسبات والجمع وفي عاشوراء مسجلة، وقرأت كثيراً من كتبه فوجدت علماً وخلقاً، وتبصيراً لمن يستمع إليه بأخلاق المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. وأخلاق آل بيته الكرام. وكيف كانوا في قمة من السماحة ولين الجانب والعفو عمن ظلمهم. فها هو الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه يدعو الخوارج الذين أغلظوا له القول إلى الجادة بالحكمة والموعظة الحسنة، بل ويسمح لهم بالإصرار على موقفهم الظالم والخاطئ طالما أنهم لم يسفكوا الدم الحرام.. فلما سفكوا الدم الحرام، قاتلهم ولكن لم يجهز على جريحهم أو يستعبد أسيرهم، ولم يأخذهم وأموالهم غنيمة بل عاملهم معاملة أهل البغي كما فعل في كل حروبه. «فهم إخواننا بغوا علينا»، وتحدث عن موقف الحسن بن علي ريحانة رسول الله ، والذي قال عنه أنه سيد شباب أهل الجنة هو وأخيه الحسن . وكيف تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية مع يقينه أنه هو الأجدر والأحق بها، ولكنه فعل ذلك كله من أجل حقن دماء المسلمين وإقامة الصلح بين الفئـتين.

وعندما سُمَّ الحسن وتقطعت أمعاؤه بفعل السم سأله أخوه الحسين عمن سمه فأبى أن يصرّح باسمه حتى لا يثير فتنة.. وكذلك أوصى أخاه الحسين بأن يدفنه عند جده بعد أن أذنت السيدة عائشة إلا إذا أبى مروان وثارت الفتنة، وطلب من أخيه أن لا تسفك فيه محجمة دم، وقَبِلَ أن يدفن بالبقيع وفعل الحسين ذلك وآل بيته على مضض.

وكيف كانت أخلاق الحسين ثم كانت أخلاق علي زين العابدين ، وماذا فعل لمن سبه وشتمه. ألم يعامله بالحسنى ويكرمه بالعطاء ويدعو له بالخير.. وكذلك فعل محمد الباقر t الذي بقر العلم، ثم جعفر الصادق الذي نشره في آفاق الأرض.. ثم موسى الكاظم t الذي كظم غيظه وصبر على الأذى والحبس والظلم. ولم يكن منه إلا العطاء والبذل لكافة المسلمين والنصح لهم.

وهكذا في العترة كلها. فما أجدر أتباعهم أن يتخلقوا بأخلاقهم ويسيروا على هديهم ويقولوا بقولهم. فما عرف من أحد منهم قط أنه كان سبّاباً، بل تحملوا الأذى والسباب وسوء الخلق بتلك الأخلاق النبوية العالية، وكانوا منارات هدى ودعاة وحدة، وصبروا على الضيم حتى لا تتفرق الأمة وتتمزق كل ممزق. فكيف يدّعي من أتى بعدهم وانتسب إليهم أنه منهم وهو سبّاب لعّان. ما هذه طريقتهم ولا هذه دعوتهم بل هم دعاة هدى ومنارات للوحدة والوئام.

وهكذا بذل الشيخ حسن الصفار جهده وعلمه في توضيح طريق الأئمة وجهادهم وصبرهم ورفيع أخلاقهم وحرصهم على وحدة الصف ولمّ الشعث ووحدة الكلمة، مع ترفعهم عن السباب واللعان والصخب والمماراة ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً[11] . ثم إن معركتنا اليوم مع اليهود وأشياعهم لا تسمح لأحد بأن يصرف أي جهد سوى في استنقاذ الأقصى من براثن هذه الطغمة الفاسقة الفاجرة، اخوة القردة، وأشباه الخنازير. وهذا لا يعني أن الخلافات بين الفرق الإسلامية ستزول بين ليلة وضحاها.. ولكن المطلوب هو الالتقاء على ما يجمع ويقرب لا البحث عن نقاط الاختلاف وتوسيع شقة الخلاف. وما يجمع فرق المسلمين كثير كثير.

والغريب حقاً أن رابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأزهر الشريف قد أقامت حواراً بناءً من الفاتيكان، بل وتعاونت معهم تعاوناً وثيقاً في مواجهة مؤتمر السكان العالمي الذي انعقد في القاهرة عام 1994، والذي يدعو في بنوده وقراراته إلى إباحة الفاحشة بكل أنواعها وإلى اعتبار الزنا واللواط ( الشذوذ الجنسي) من الأمور الشخصية العادية. بل اعتبر حياة رجل مع رجل كما يعيش الرجل مع زوجته أسرة، وخاصة إذا تبنوا طفلاً، وكذلك معيشة المرأة مع المرأة، أو معاشرة رجل وامرأة خارج نطاق الزوجية.. وأصبحت أجهزة الإعلام تتحدث عن المثليين (المقصود الشاذين جنسياً) من الرجال والنساء وحقهم.. وحق الأطفال في المعاشرة الجنسية مع الكبار، ومنع الزواج قبل سن الخامسة والعشرين حتى ينتشر النتن والعفن.. والسماح بالإجهاض حسب الطلب.. وفرض العقوبات على الدول التي تخالف هذا النتن، فلما تعاون الفاتيكان مع الهيئات الإسلامية من السنة والشيعة استطاعوا أن يبطلوا هذه القرارات وأن يفشلوا مؤتمر السكان في القاهرة ومؤتمر المرأة في بكين..

وهكذا كان لهذا التعاون بين الفاتيكان (قيادة الكاثوليك في روما) والكنائس الأرثوذكسية التي تبعت الفاتيكان بعد ذلك من جهة، وبين المنظمات الإسلامية الرسمية وغير الرسمية مثل الأزهر ورابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجموعات رسمية من إيران من جهة ثانية، كان لهذا التعاون أبلغ الأثر في إيقاف الهجوم الكاسح الذي كانت تنظمه الهيئات والدول العلمانية على الأخلاق والقيم.

فإذا أمكن إيجاد تعاون بناء بين المسلمين والفاتيكان، فلماذا لا يمكن أن يتم مثل ذلك التعاون وأكثر بين فرق المسلمين المختلفة؟

إن العقلاء وعلى رأسهم الشيخ حسن بن موسى الصفار يدعون لذلك. ويرون أن لا سبيل لنهوض الأمة وسلامتها من أمراضها وكبواتها سوى بهذا التعاون، وهذه الروح الخلاقة التي تدعو إلى السلم والوئام بين فئات المسلمين ونبذ الفرقة والخصام والالتفاف حول ما يجمع والابتعاد عن كل ما يفرّق.

وليس معنى هذا أن الخلافات بين المذاهب ستزول، ولكن معنى ذلك أن نتجاوز هذه الخلافات إلى ما يجمع وهو كثير.. وأن ندع للزمن أن يزيل أوجه الاختلاف تدريجياً. وعلى الجانبين أن يبتعدا تماماً عن السب والتكفير والتفسيق.. وإذا كان الرسول وآل بيته الكرام وصحبه الأعلام هم القدوة والمثل الأعلى، فعلى الجميع أن يستنّ بسنتهم ويهتدي بطريقتهم، فلم يكن أحد منهم سبّاباً ولا لعّاناً بل كان العفو وجميل الأخلاق شيمتهم ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[12] . والجميع مطالب بذلك، وأن يُسمح للسنة بممارسة كافة أوجه نشاطهم في إيران، كما يُسمح للشيعة في المناطق الأخرى التي هم فيها أقلية بمثل ذلك. وأن يعامل الجميع بالعدل والإحسان. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[13] .

والله أسأل أن يجمع القلوب على محبته وطاعته وأن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...           

    

                                 جدة

بتاريخ: 16/6/1422هـ

الموافق: 4/9/2001م

(*) مفكر إسلامي ومتخصص في طب الباطنية.
مقدمة كتاب أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع الجزء الثاني - ونشر المقال في جريدة المدينة، وننقله من مجلة المرشد العدد الخاص بسماحة الشيخ حسن الصفار، (15-16) تاريخ: 2002-2003م ـ 1423-1424هـ.
[1]  البقرة: 256.
[2]  العنكبوت: 46.
[3]  المائدة: 5.
[4]  المائدة: 8.
[5]  الممتحنة: 8-9.
[6]  لقمان: 15.
[7]  المائدة: 42-43.
[8]  التوبة: 6.
[9]  الأنفال: 46.
[10]  الأنعام: 65.
[11]  الفرقان: 63.
[12]  فصلت: 34.
[13]  النحل: 90.