صناعة الهدوء

شهدت السنوات الأخيرة في بلادنا كما في مختلف مناطق العالم سجالات فكرية وسياسية وعقدية واجتماعية واقتصادية إلى آخر القائمة، وهذه السجالات أتت على كل شيء، لم تستثن مقدسا ولا ثابتا ولا مسلّمة إلا حاولت مداعبتها واستثارتها ومحاولة جرها إلى ساحة النقاش والحوار الحر.

لا يمكن التغافل عن هذا السجال ولا التعامي عنه، ولا تهميشه، لأنه متدحرج وممتد وحساس، وربما تعدى خطوطه الحمراء في بعض القضايا ذات الطابع الديني والعقدي والاجتماعي أحيانا، وهي خطوط يتمسك بها من لا يرى داعيا للدخول في هذا النوع أو ذاك من الإثارة والجدل والمحاورة، بينما يعتبرها آخرون مدفوعون بحمى السؤال وحب المعرفة خطوطا موهومة لا داعي لجعلها كابحة عن النقاش والحوار.

هنا أيضا لا أرى نفسي متحفزا للقول أن بعض هذه النقاشات جاءت للتشكيك وليست لمعرفة الحقيقة، لأن هدفي أن أصل إلى أن هناك جدلا كبيرا حول مفردات وأمور كثيرة تتطلب من كل طرف إقامة حجته ودليله على ما يراه ويؤمن به، سواء أكان قلب السائل باحثا أم مغرضا، وصادقا أم مريضا، لأن ذلك علمه عند الله سبحانه وتعالى، ولأن الجواب المقنع فقط هو الفيصل دون الدخول في نية هذا الطرف أو ذاك.

أن نوفر الجواب، ونحضر الدليل، ونقنع العقل، ونرد الشبهة، ونثبت الحقيقة، ونقيم الحجة، ونجادل بالتي هي أحسن، هذا هو الأفضل من كل التفاف أو مواربة أو هروب أو اتهام ومخاصمة.

هناك تساؤلات أفرزتها الظروف وتغير الأحوال والزمان، وهناك تساؤلات أفرزتها سهولة الاطلاع وتوفر المادة العلمية والمعرفية بين أيدي الناس، ومن ثم ارتفاع منسوب الوعي والثقافة، وهناك تساؤلات ساعد المغرضون والمشوهون لحقائق الدين على إثارتها ودحرجتها للجماهير بحلل وأشكال مغرية وجاذبة، وهناك تساؤلات ينفرد العقل بإثارتها لمجرد التفكير والتعمق والتقليب والتمحيص فيما يعترضه من أفكار وظنون وتصورات شاردة وواردة، وهناك تساؤلات فرضتها النصوص والنظريات التي تبدو متضاربة ومتناقضة، سواء أكانت نصوصا حيث تبدو كذلك في أول النظر، إلى أن تنكشف حقيقتها ويرفع تعارضها، أم كانت مقولات ونظريات سطرها علماء ومفكرون وهامات كبيرة في العلم والمعرفة، وهذه لا ضير في القول ان التصادم والتعاند فيها قائم، والشواهد عليه كثيرة.

الادعاء بأن كل ما سرد لا أثر له على أرض الواقع، وأنه توهم وتضخيم أمر مجاف للحقيقة، فالواقع يقول ان دائرة التساؤل تتسع، وإرادة الجدال في مواضيع كانت محرمة حتى الأمس القريب تتحفز عند الشباب بنسب مشهودة، وهناك أسماء تعلن عن نفسها وجرأتها وهي تهز وتصادم القناعات الاجتماعية السائدة في مختلف مجالاتها.

أستطيع القول إن بعض الإشكالات والتصورات والجدل السائد سببه رموز علمية ودينية وثقافية واجتماعية ذات شأن وقيمة ومحورية في مجتمعاتها، ومهما حاولنا التقليل من شأنها فهي أرقام لها أثرها وتيارها ومؤيدوها، ولها كتاباتها وتنظيرها وآراؤها، وأحيانا تتاح لها إمكانات لتخاطب أكبر عدد من المجتمعات والجماهير، عبر وسائل الإعلام المختلفة، المقروءة منها والمسموعة وبأحدث ما توصلت له الآلة الإعلامية الهائلة.

وهذا ما سيساعد في توسع الخرق واتساع الدائرة وكثرة الأنصار وزيادة النقاش والتساؤلات، هذه هي طبيعة المرحلة الحالية، والتي بدأت منذ سنوات قليلة بشكل خجول ومتستر لكنها الآن علنية وجريئة وشجاعة، تراها في كل مدرسة وطيف في بلادنا وخارجها.

وأمام تساؤلات وآراء وأفكار تلامس أمورا دينية واجتماعية حساسة لا تعدم الساحات من التوتر والتشنج من مختلف الأطراف، سواء تلك القابضة على قناعاتها والمتمسكة بها، أو هذه التي تدعي التجديد والوصول إلى الحقائق الأصح من نهج الدين وأخلاقيات التعامل الاجتماعي، أو الثالثة التي تثير التساؤلات فقط دون أن تهتدي إلى ركن ورأي تعتمد عليه، ولكنها تتأمل الوصول.

التوتر والتشنج لا يدل على سلامة التدين في أي ساحة من الساحات، سواء أكان قد حصل في المتمسكين والمحافظين، أم في المجددين (المصطلحان للتوضيح ولا دقة فيهما) والمتسائلين،ولا يدل على رقي في أخلاقهما، ولا ينبئ عن عقل راجح يحافظ على التماسك الداخلي، ليتعاون المجتمع بحثا عن الهدى والحق.

تعالوا نتوافق على حقيقة ننطلق منها وهي أن ديننا أقوى من أن يحرّف أو يبدّل، وأن كل صحيح وسليم عندنا يأبى أن يتغير بسؤال من هنا وتصور من هناك، لأن سلامته وصحته هي وحدها مركز قوته وجوهر رسوخه.

حينها سيكون المناسب لنا أن نعتاد على صناعة الهدوء لنسمع كل شيء، ونطلع على كل شيء، ونناقش كل شيء، وحينها سيكون المجال أمام الجميع مفتوحا على مصراعيه لا يكدره النقاش ولا يعكره الاختلاف.

حاجتنا تزداد يوما بعد آخر، واليوم أكثر من الأمس لنصنع الهدوء الذي يسمح لعقولنا بالتفكير، وللمقال بقية.

msaffar45@hotmail.com

السبت 10/6/1429هـ الموافق 14/6/2008م - العدد 12783