الشيخ الصفار يؤكد أن المقاومة الإسلامية ستُسجّل انتصارات أكبر لولا العراقيل الداخلية

مكتب الشيخ حسن الصفار القطيف: تركي مكي علي


أكد سماحة الشيخ حسن الصفار أن المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين ستُسجل انتصاراتٍ أكبر تُعزز بها مكانة الأمة الإسلامية في العالم، لو أن القيادات السياسية التي تجاهلت هذه المقاومة تتركها وشأنها دون أن تضع أمامها العراقيل. مهنئاً المقاومة الإسلامية في فلسطين تحقيقها هذا النصر الكبير الذي لم يتأتى لو لا صمود المقاومين وثباتهم. ودعا قادة الأمة العربية والإسلامية إلى إعادة النظر في موقفهم السلبي تجاه المقاومة مستثنياً تلك الأيادي البيضاء التي لا يهمها رضا أمريكا ولا تُرهبها القوى الإستكبارية في العالم، والتي مازالت ثابتةً في تقديم الدعم المادي والمعنوي للمقاومة.
وأوضح أن معادلة الصراع قد تغيرت خصوصاً بعد أن قرأ المقاومون واقعهم وواقع العدو الصهيوني قراءة صحيحة، فتعرفوا على نقاط قوتهم وضعفهم، وعرفوا نقاط قوّة العدو وضعفه، فاستطاعوا أن يُحرزوا الانتصار تلو الآخر وأن يوقعوا بالعدو الهزيمة النكراء، مؤكداً أن دويلة إسرائيل في طريقها للإنكماش والتراجع.


وفي سياق آخر تحدث الشيخ الصفار عن العطلة الصيفية وضرورة استيعاب الأبناء والبنات فيها من خلال: احتواء العائلة لأبنائها في الصيف، تكثيف البرامج المستوعبة للشباب، التوجّه لتأهيل الأبناء والبنات عبر تسجيلهم في الدورات المختلفة كدورات اللغة الإنجليزية أو الحاسب الآلي، وأخيراً الدفع باتجاه العمل الصيفي. وأكد أن العطلة الصيفية بمثابة قنبلة موقوتة من شأنها أن تُدمّر الأبناء والبنات إذا لم تُعلن حالة الطوارئ من المجتمع لحماية هذا الجيل من الآثار السلبية المحتملة.


الافتتاحية


الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق، وعواقب الأمر، نحمده على عظيم إحسانه، ونيّر برهانه، ونوامي فضله وامتنانه، حمداً يكون لحقّه قضاءً، ولشكره أداءً، وإلى ثوابه مقرّباً، ولحسن مزيده موجباً.


ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادةً نخضع بها لربوبيته، وندين فيها بعبوديته، ونأمل أن تكون طريقنا إلى جنته.


ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي اختاره من جميع خلقه، وفضله على جميع بريته، وختم به أنبياءه ورسله. اللهم صلّ عليه وعلى آله الأخيار الامتداد لسيرته، والمبلّغين لشريعته.


أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فإنها حصانة الإنسان من الوقوع في الحرام، ومناعته من أمراض الذنوب والآثام، جعلنا الله وإياكم ممن يُروّض نفسه بالتقوى، ويُجاهدها عن الانقياد للشهوات والأهواء.


الخطبة الأولى


أشار الشيخ الصفار في بداية الخطبة الأولى للجمعة 16 جمادى الثانية 1429هـ (20 يونيو 2008م) إلى حقيقة هامة أكدتها الآيات القرآنية وهي أن الحالة النفسية للإنسان تؤثر عليه إيجاباً أو سلباً في مواجهة العدو، فإذا كانت نظرة الإنسان إلى عدوّه بهيبة وبتركيز على نقاط قوّته وتضخيمها فإنه بذلك سيحجم عن المواجهة، أما إذا نظر الإنسان إلى عدوّه بموضوعية من خلال التركيز على نقاط القوة في مقابل نقاط ضعف العدو فهنا تتعز الثقة بالنفس، ويندفع باتجاه المواجهة.


مستشهداً بواقعة بدر الكبرى التي حكى عنها القرآن الكريم في مشهدٍ تأكدت فيه هذه الحقيقة بجلاء، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (الأنفال، 44). فرغم أن عدد المشركين كان ثلاثة أضعاف المسلمين، والعتاد لديهم كان أضعاف ما عند المسلمين، إلا أنهم عند المواجهة رأوهم قليلاً ليس من خلال النظرة المادية الحسية ، وإنما من خلال النظرة المعنوية، وبالتالي استطاع المسلمون أن يُحرزوا انتصاراً عظيماً على المشركين.


من خلال هذه الفكرة انطلق الشيخ الصفّار متأملاً في معركة المسلمين اليوم مع الصهاينة المحتلين لفلسطين، مؤكداً أن أهم مشكلة واجهت المسلمين في الماضي أنهم نظروا إلى عدوّهم من خلال تضخيم نقاط قوّته وتجاهل نقاط ضعفة، وفي ذات الوقت تجاهل نقاط قوة المسلمين وتأكيد نقاط ضعفهم، ولذا كان التقدم للإسرائيليين وتوسيع دائرة الاحتلال. ولكن الحقيقة لم تكن كما صوّرها المسلمون في أنفسهم تجاه هذه القوة المعادية، حيث أن لديهم نقاط ضعفٍ كبيرة وأهمها أنهم على الباطل، ويُدافعون عن مصالح مادية، مما يعني أنهم غير مستعدين لتكبد خسائر جسيمة مادية أو بشرية، فاهتمامهم بأنفسهم وبحياتهم يأتي بالدرجة الأولى. وفي ذات الوقت لا يُنكر أن لديهم قوّة كبيرة فتقدمهم التكنولوجي واضح، والدعم العالمي والدولي لصالحهم، وكل ذلك يجعل لهم هذه القوة والهيبة. ومع أن المسلمين في واقع المعادلة يمتلكون نقاط الضعف التي يصعب معها مواجهة العدو الصهيوني، إلا أن من أهم نقاط قوّتهم التي تجاهلوها هي أنهم على الحق، وأنهم يمكتلون مخزوناً روحيّاً كبيراً يجعلهم متطلعين لثواب الله تعالى وجنته، إضافةً للكثافة العددية التي بإمكانها أن أن تُزعزع أمن العدو واطمئنانه.


وأكد أن هذه المعادلة حينما كانت غائبة عن المسلمين، استطاع الصهاينة اليهود أن يوقعوا بالمسلمين الخسائر الكبيرة، بينما اليوم وبعد أن تغيرت المعادلة، بإدراك المسلمين لنقاط قوّتهم، وقراءتهم بعمق نقاط ضعف العدو، استطاعوا أن يُحققوا انتصاراً تلو آخر أمام هذا الجيش الذي سوّق لنفسه أمام العالم بأنه الجيش الذي لا يُقهر.


ففي لبنان خرج الصهاينة يجرون أذيال الخيبة بهزيمةٍ نكراء، على أيدي المقاومين المؤمنين في لبنان، رغم أن القوة المادية والعتاد العسكري كان لصالح اليهود، وكذلك كان الدعم العالمي والدولي، ومع ذلك بصمود المقاومين المؤمنين تحقق النصر المبين.


واليوم تشهد الساحة الإسلامية انتصاراً آخر يُسجله المقاومون في فلسطين حيث أثبتوا للعالم صمودهم في مواجهة هذا العدو، رغم ضآلة الإمكانات، وضعف الدعم، إلا أن إسرائيل تجد نفسها مضطرة لإعلان التهدئة مع المقاومة الفلسطينية، وتوافق على وقف عملياتها العسكرية ضد قطاع غزة، وأن الحصار يُرفع تدريجياً حتى ينتهي بالكامل خلال عشرة أيام.


كل ذلك يؤكد أن المقاومين حينما قرأوا واقعهم وواقع عدوّهم قراءةً صحيحة استطاعوا أن يُحققوا انتصاراتٍ كبيرة، وأن يوقعوا بالعدو هزائم نكراء من شأنها أن تشل حركته.


وأكد الشيخ الصفّار أن دويلة إسرائيل في طريقها للإنكماش والتراجع، وقد بدأ العد التنازلي لهذا الكيان الغاصب، وقريباً يتلاشى، وتُحرر أرض فلسطين، والمسجد الأقصى، ويمضي المسلمون جميعاً للصلاة فيه بأمنٍ وأمان.


وفي سياق الحديث عن الدور المطلوب تجاه هذا الواقع الجديد أكد الشيخ الصفّار أن الانتصار الذي حققه المقاومون في لبنان وفلسطين لم يكن عبر مفاوضات السلام، ولا من خلال الدعم الدولي ولا حتى العربي والإسلامي، وإنما كان بصمود المقاومين، ولذا فإن على المقاومين أن يستمروا في صمودهم وثباتهم، لأن ذلك خيار الأمة الوحيد في بانتزاع الحقوق، وتحرير الأرض المحتلة.


مضيفاً إن على قيادات الأمة العربية والإسلامية أن تعيد النظر في موقفها السلبي تجاه المقاومة، وعيبٌ على هذه الأمة أن يعيش أهالي غزة الجوع والحرمان، وليس هناك من يدعمهم ولا يُساندهم، كل ذلك حفاظاً على مشاعر أمريكا، فلتغضب أمريكا. وأعرب عن استيائه للموقف الرسمي العربي والإسلامي وخوفه على مشاعر أمريكا في حين أن أمريكا لا تُعير لهذه الأمة أيّ اهتمامٍ، ولا تُراعي مشاعرها ولا مصالحها. مستثنياً المواقف الإيجابية التي لا يهمها رضا أمريكا من غضبها ولا يهمها القوى الاستكبارية في العالم، والتي من خلالها يصل للمقاومة دعم إلا أنه ليس المستوى الذي تحتاجه المقاومة في مواجهة هذا العدو الغاصب.


وأخيراً أكد الشيخ الصفار أنه إذا لم تكن هناك إرادة لدعم المقاومة فلتُترك لحال سبيلها لتؤدي دورها الجهادي دون أن توضع أمامها العراقيل والعقبات الداخلية التي تحول دون تقدم المقاومين، مضيفاً: إن المقاومة لو تُركت بدون هذه العراقيل لحققت انتصارات كبيرة تُعزز بها مكانة الأمة الإسلامية في العالم.


 الخطبة الثانية


قارن الشيخ الصفّأر في الخطبة الثانية بين اهتمام الإنسان بوضعه الصحي والروحي، مبيناً أن هناك قاعدة عامة في المجال الصحي يسعى لتطبيقها كل من يهتم بصحته وصحة من يتحمل مسؤوليتهم، تلك القاعدة هي: الوقاية خيرٌ من العلاج.


مؤكداً أن هذه القاعدة في الجانب الروحي والنفسي لا تقل أهمية عن الجانب الجسمي، إذ ينبغي للإنسان أن يقي نفسه وأهله من الوقوع في المعاصي والمحرمات ذلك لأن الذنوب تسلب الإنسان أمنه واطمئنانه واستقراره، في الدنيا، وتجره إلى عذابٍ أليم في الآخرة.


ومع إطلالة العطلة الصيفية أكد الشيخ الصفّار على ضرورة أن تُكثّف العائلة والمجتمع الجهود في شغل أوقات الفراغ الضار التي يعيشها الأبناء والبنات، والتي من شأنها أن تتحول إلى قنابل موقوتة تجر الأولاد إلى مهاوي الانحرافات المختلفة والتي من شأنها أن تُضيّع مستقبلهم ومستقبل المجتمع.


مؤكداً أن التقارير تُشير إلى زيادة الممارسات الطائشة في العطلة الصيفية، وفي كل عام تتخرج مجاميع من الأبناء والبنات لتنضم إلى فئات الإنحراف والإجرام في المجتمع، وهذا بالتأكيد ينبغي أن يؤرق الجميع ليُعلنوا حالة الطورائ حمياةً للجيل الناشيء مما قد يُسبب في ضياع مستقبلهم.


وأشار الشيخ الصفار إلى وجوب التعاون، وبذل الجهود المشتركة من أجل تحقيق أكبر وقايةٍ للأبناء والبنات، مسلّطاً الضوء على عدة نقاط من الضروري التوجه نحوها:


أولاً- احتواء العائلة لأبنائها في الصيف، ففي فترة الدراسة ينشغل الأبناء والبنات بالدروس أما في فترة الصيف فإنهم يقبعون في فراغٍ مميت، وهنا يتوجب على العائلة أن تولي أبنائها اهتماماً أكبر خصوصاً في هذه الفترة الزمنية. مهيباً بالعوائل التفاعل مع البرامج والأندية الصيفية، وتكثيف الاهتمام بالأبناء والبنات خصوصاً في هذه الأيام الحرجة.


ثانياً- تكثيف البرامج المستوعبة للشباب، حيث يتوجب على المجتمع دعم هذه البرامج وأن تتسع لهذه البرامج والأنشطة المساجد والحسينيات، وأن تحظى بدعم مادي ومعنوي، من قبل العلماء، ورجال الأعمال، وعليهم تُعقد آمال كبيرة في احتواء الشباب والفتيات من الانزلاق في حبائل الإنحراف، ومن المخجل أن يتقاعس المجتمع عن دعم هؤلاء المهتمين بإقامة هذه الرامج.


ثالثاً- التوجّه لتأهيل الأبناء والبنات، عبر تسجيلهم في الدورات المختلفة كدورات اللغة الإنجليزية أو الحاسب الآلي، تفجيراً لطاقاتهم واستغلالاً لأوقات فراغهم، ووقايةً لهم من مخاطر الانحراف.


رابعاً- الدفع باتجاه العمل الصيفي، حيث أن جميع الشركات ملزمة بتوظيف مجاميع من الشباب في العطلة الصيفية، والتفاعل مع هذه المسألة من شأنه أن يُخفف من حدة خطورة العطلة الصيفية ويوفر الفرصة لكسب الخبرة وصقل الشخصية.


واختتم الشيخ الصفار خطبته بالتأكيد على أن المسؤولية على الجميع، وفي التفاعل مع هذه الأمور وقاية للأبناء والبنات، وبذلك نكون قد التزمنا بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (التحريم، 6).


والحمد لله ربّ العالمين