الشيخ الصفار يستحضر الدور الريادي للإمام الصادق (ع) في النهوض بوعي الأمة

مكتب الشيخ حسن الصفار تركي العجيان

استحضر سماحة الشيخ حسن الصفار الدور الريادي للإمام الصادق في النهوض بوعي الأمة، إذ انتهز الفترة السياسية الحساسة التي عاش فيها، حيث عمل على تبين وتوضيح أحكام الشريعة ومفاهيم الدين، وبث العلوم ونشر الفكر والمعرفة وتربية الكوادر الصالحة، ومواجهة التيارات الفكرية المنحرفة التي انتشرت في عصره. مشيراً أن الحركات التي تنشأ في المجتمعات على نوعين: الحركات السياسية، وهي تستهدف الوصول للحكم، أو تحقيق مكاسب سياسية. والحركات الرسالية الحضارية الإصلاحية، ويكون همّها الارتقاء بوعي المجتمع ووضعه على طريق التقدم والحضارة، وبناء العناصر الحضارية والواعية في المجتمع؛ مؤكداً أن أهل البيت يُمثّلون النموذج الأسمى لهذا النوع من الحركات.  مقتطفاً من بليغ كلمات الإمام كلمةً يقول فيها: ((إن الرجال ثلاثة: رجلٌ بماله، ورجلٌ بجاهه، ورجلٌ بلسانه، وهو أفضل الثلاثة)). وأشار إلى جانبٍ من فيوضات هذه الكلمة.


وفي سياقٍ آخر تحدث الشيخ الصفار عن أهم وصيةٍ أوصى بها الإمام الصادق قبيل وفاته، حيث جاء فيها قوله : ((إن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة)) مشيراً إلى بعض مظاهر الاستخفاف بالصلاة، ومنها: عدم الاهتمام بأوقات الصلاة، التقصير في أعمال الصلاة وواجباتها، وعدم الخشوع في الصلاة.

الافتتاحية

الحمد لله الذي أفاض علينا نعمته، وأحاطنا برحمته، وشملنا بحفظه وحمايته، وأطمعنا في عفوه ومغفرته، فهو الله الرحمن الرحيم.


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الخالق لا سواه، وهو المدبّر لا غيره، له الملك وله الأمر وهو على كل شيءٍ قدير.


وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فضّله على جميع خلقه، وقدّمه على جميع أنبيائه، وختم به رسله.

إن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة
الإمام الصادق


صلى الله عليه وآله الأئمة الأطهار، الذين واصلوا مسيرته، وحملوا رسالته، ونصحوا لدينه وأمته، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.


أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، وهي الالتزام بطاعته واجتناب معصيته، جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بالدين، والسائرين على نهج الشرع المبين.

الخطبة الأولى

أكد الشيخ الصفار في بداية خطبة الجمعة 24 شوال 1429هـ (24 أكتوبر 2008م) أن المبلّغين لرسالات الله تعالى من الأنبياء والأئمة والمصلحين يكونون على درجة عالية من الصمود في تبليغ الرسالة، وأنهم يجعلون خشية الله تعالى نصب أعينهم وفي مقدمة اهتمامهم، فهم يخشون الله تعالى ولا يخشون أحداً سواه، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (الأحزاب، 39). وأشار أن المبلّغين لرسالات الله يواجهون في سبيل تبليغهم من يصدّهم عن ذلك بمختلف الوسائل والسبل، بالقوة وممارسة العنف، أو بالارهاب الفكري والحصار الاجتماعي عبر بث الشائعات عليهم ليبتعد عنهم الناس.


وبمناسبة ذكرى شهادة الإمام جعفر بن محمد الصادق سلّط الشيخ الصفار الضوء على الدور الريادي الذي قام به الإمام في تبين أحكام الشريعة ومفاهيم الدين حتى نُسب التشيع إلى مدرسته الريادية، فأصبح أتباع أهل البيت ينتمون إلى المذهب الجعفري نسبة للإمام جعفر الصادق .


وأشار الشيخ الصفار إلى أن الحركات التي تنشأ في المجتمع تكون على نوعين:

أولاً- الحركات السياسية، وهي تستهدف الوصول للحكم، أو تحقيق مكاسب سياسية. وقد تستخدم في سبيل ذلك القوة أو الضغط الشعبي أو التحالف مع القوى المختلفة. وهذه الحركات يكون جلّ اهتمامها الجانب السياسي، إلا أنه لا ينفي أن يكون لبعضها توجهات فكرية.


ثانياً- الحركات الرسالية الحضارية الإصلاحية، ويكون همّها الارتقاء بوعي المجتمع ووضعه على طريق التقدم والحضارة، وبناء العناصر الحضارية والواعية في المجتمع.


 

اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة
الرسول الأعطم

وأكد الشيخ الصفّار أن أهل البيت يُمثّلون النموذج الأسمى للحركات الرسالية الحضارية، فما كان همّهم السلطة والحكم، رغم أنهم يُدركون أهميّتها في تحقيق أهدافهم الرسالية، إلا أن الملابسات التي كانت تُحيط بذلك، جعلت أهل البيت يُركّزون على قضيتهم الأساس وهي النهوض بالمجتمع والرقي بوعيه وإصلاحه.


وعن المرحلة التي عاشها الإمام الصادق أوضح الشيخ الصفّار أن الإمام عاش فترة انتقالية من حياة الأمة، ما بين نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، فانتهز الإمام هذه المرحلة الحساسة، وركّز اهتمامه في بث العلوم ونشر الفكر والمعرفة وتربية الكوادر الصالحة، فأنشأ جامعة يربو عدد طلابها على (4000) طالب، وتُدرّس فيها مختلف العلوم والمعارف، كالطب والكيمياء والفلك. وواجه الإمام الصادق التيارات الفكرية المنحرفة التي انتشرت في عصره، وذلك بسبب التداخل المعرفي والثقافي بين المجتمعات العربية وغيرها، حيث توسّعت في تلك الحقبة الزمنية حركة الترجمة إلى اللغة العربية مما أدى إلى دخول بعض الأفكار المنحرفة، وتشكلت بذلك تيارات تتبنى هذه الأفكار، وما كان من الإمام إلا أن يُواجه هذه التيارات بأسلوبه الحكيم، وعلمه النافذ.


واقتطف الشيخ الصفّار من ينبوع الإمام الصادق وروائع كلماته التي تنطق بالحكمة، كلمةً يقول فيها: ((إن الرجال ثلاثة: رجلٌ بماله، ورجلٌ بجاهه، ورجلٌ بلسانه، وهو أفضل الثلاثة)).


وأشار إلى جانبٍ من فيوضات هذه الكلمة، موضّحاً أن الرجال الفاعلين في المجتمع والذين يمتلكون التأثير فيه، هم على ثلاثة أصناف:


أولاً- رجلٌ بماله، بمعنى أن لديه قدرة اقتصادية، وبالتالي يكون له تأثيرٌ على الواقع الاجتماعي، فرجال الأعمال بكل تأكيد طبقة مؤثرة، والدين لا يُنكر ذلك: ((نعم العون على الدين الغنى)).


ثانياً- رجلٌ بجاهه، والجاه والمكانة الاجتماعية ذات تأثير كبير، ولذا فإن طموح الإنسان للجاه والمكانة الاجتماعية أمرٌ مشروع، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (الفرقان، 74).


ثالثاً- رجل بلسانه، وهو صاحب المنطق والبيان، وبطبيعة الحال فهو أيضاً صاحب علمٍ ومعرفة، فالمتكلم البليغ الذي يفتقد العلم والمعرفة لا يأتي بشيء، وفي المقابل العالم الكبير الذي لا يمتلك المنطق والحكمة والبيان في إيضاح علمه، فإن الناس من حوله لا يستفيدون من علمه ومعرفته. والقرآن الحكيم يؤكد أن الأنبياء والمبلّغين إنما كانوا على درجلة عالية من الفصاحة والبلاغة، يقول تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (الشعراء، 195)، ويقول تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (ص، 20). وكان رسول الله يفتخر بفصاحته، حيث يقول: ((أنا أفصح من نطق بالضاد)).


وأضاف: إننا حينما نفخر بالإمام علي فذلك لأن الإمام يمتلك من العلم الذي لا يُضاهيه فيه أحد بعد رسول الله ، وكذلك فإنه سيد البلغاء والمتحدثين.


مختتماً الخطبة بالتأكيد على الدور الكبير الذي يؤديه العالم المفوّه، لذلك قال الإمام الصادق بأن هذا الرجل هو أفضل الثلاثة الذين يمتلكون التاثير في معادلة المجتمع.

الخطبة الثانية

أشار الشيخ الصفار إلى رواية ينقلها أبو بصير، حيث يقول: دخلت على أم حميدة أعزّيها بأبي عبد الله الصادق فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد، لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً.! فتح عينيه، ثم قال: اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة، قالت: فلم نترك أحداً إلا جمعناه، قالت: فنظر إليهم ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة.

من مظاهر الاستخفاف بالصلاة، عدم الاهتمام بأوقاتها والتقصير في أعمالها وواجباتها، وعدم الخشوع فيها


وأضاف: إن الإنسان في آخر لحظات حياته إنما يُوصي بأهم شيءٍ يجيش في صدره، وهذا إمامنا الصادق يؤكد على الصلاة كأهم برنامج عبادي يقوم به الإنسان. ومن قبله رسول الله قد أوصى بالصلاة في آخر لحظات حياته، حيث قال فيما روى أنس: ((اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة، اتقوا الله في الصلاة)).


وتابع يقول: والصلاة هي تعبيرٌ عن الصلة بين الإنسان وخالقه سبحانه وتعالى، فبمقدار ما يُريد الإنسان أن تكون صلته بالله سبحانه فعليه أن يُقبل على الصلاة ويُحافظ عليها. فأداء الصلاة يعني وجود خط اتصال بين الإنسان وخالقه، وانقاطعها يعني انقطاع هذا الخط.
وأشار الشيخ الصفار إلى بعض مظاهر الاستخفاف بالصلاة:

  • عدم الاهتمام بأوقات الصلاة، يقول الإمام علي : ((ليس عملٌ أحب إلى الله –عزّ وجل- من الصلاة، فلا يشغلنّكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا، فإن الله –عزّ وجل- ذمّ أقواماً فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (الماعون، 5) يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها))..
  • التقصير في أعمال الصلاة وواجباتها، قال رسول الله : ((أسوأ الناس سرقةً من يسرق صلاته، قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يُتمّ ركوعها ولا سجودها)). ويقول الإمام الصادق : ((إذا قام العبد في الصلاة فخفف صلاته، قال الله تبارك وتعالى لملائكته: أما ترون إلى عبدي كأنه يرى أن قضاء حوائجه بيد غيري، أما يعلم أن قضاء حوائجه بيدي)). وقال الإمام الصادق لمن قال له: الرجل تكون له الحاجة يخاف فوتها، أيُخفّف الصلاة؟ قال : ((أولا يعلم أن حاجته إلى الذي يُصلي إليه)).
  • عدم الخشوع في الصلاة، في حين أن الله تعالى يعد الخاشعين بالفلاح والفوز، يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (المؤمنون، 1-2).

واختتم الشيخ الصفار الخطبة بالتأكيد على ضرورة الاهتمام بالصلاة، وخصوصاً صلاة الصبح حيث يتساهل الكثير في أدائها في وقتها، فيقضون الليل بالسهر ليضيع عليهم وقت الصلاة، مؤكداً أن السهر الذي تفوت معه الصلاة يكون حراماً إذا علم الإنسان بأنه بهذا السهر ستفوته الصلاة، مضيفاً أن الصلاة هي أهم عملٍ عبادي وهي محور صلاح الإنسان وفساده، يقول : ((إن عمود الدين الصلاة، وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، فإن صحت نظر في عمله، وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله)). وعنه : ((إذا كان يوم القيامة يُدعى بالعبد فأول شيءٍ يُسأل عنه الصلاة، فإن جاء بها تامّة، وإلا زُجّ به في النار)).


والحمد لله رب العالمين