الشيخ الصفار يستعرض الثقافة الشيعية الجديدة

مكتب الشيخ حسن الصفار تقرير: ناصر أحمد الرهين - صفوى

في الليلة الثالثة عشرة من شهر محرم اختتم سماحة الشيخ حسن موسى الصفار محاضراته لعام 1431هـ في جامع الكوثر بصفوى بمحاضرة كان عنوانها (الثقافة الشيعية الجديدة) والتي كان مستهلها الآية الكريمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقد دار بحث الشيخ حول ثلاثة محاور هي:

المحور الأول: المتغيرات وتجديد الثقافة

 
أوضح سماحته من هذه النقطة بأن المجتمعات البشرية والعالم اليوم يمر بتغير هائل وسريع، وبين بأن تاريخ البشرية لم يشهد هذه السرعة في التغيير من قبل، وأن النظريات والاختراعات كانت تأخذ وقتاً زمنياً طويلا حتى تظهر وتصاغ.أما الآن فقد تقدم العلم وتطور العالم في كل ناحية وتطرق للاتصالات كمثال.كما أشار إلى تأثر المحيط الاجتماعي والسياسي ونمط الحياة ومستوى العلاقات بين الناس بهذا التقدم الحاصل.

بعد ذلك طرح فضيلته سؤالاً حول ماهية الثقافة الدينية التي تنتج؟؟ وهل يصح أن تكون ما ورثناه فقط ؟، وفي هذا السياق بين بأن هناك نوعاً من الثوابت والأصول لا يمكن التبديل فيها كالحقائق الرياضية مثلاً والقيم الأخلاقية كالصدق وغيرها.أما في المجال الديني فهناك المعتقدات التي قامت على الدليل ولا يمكن أن تتبدل وكذلك الأمور العبادية كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك.ومن ناحية أخرى تطرق إلى وجود نوع آخر من الثقافة الدينية والتي يكون فيها مساحة للأخذ والرد ويكون باب الاجتهاد مفتوحاً فيها من أجل إتاحة الفرصة لتجدد الأفكار والآراء في الفقه وقضايا الفكر.

ومن هذا المنطلق أشار سماحته إلى أن التغيير والتجديد ضروري بسبب تغير أوضاع البشر وطبيعة الظروف المحيطة بهم، وأشار إلى أن الأنبياء كان كلهم يدعون لعبادة الله وحده ولكن قد تختلف شرائعهم كما تختلف أولويات التركيز من رسالة نبي إلى آخر.

فنجد نبي الله الخليل يركز ضد عبادة الأوثان بينما النبي شعيب ضد الإخلال بالتوازن الاقتصادي، ونبي الله موسى ضد الطغيان السياسي لفرعون, ونبي الله لوط ضد الشذوذ والانحراف الأخلاقي.

وحينما ننظر إلى آيات القرآن نجد تقسيم السور إلى مكية ومدنية بحسب طبيعة المرحلة وتوجيه الاهتمامات في مكة والمدينة.

وضمن المحور الأول شدد الشيخ الصفار على مواكبة التطور المعرفي وتنمية الثقافة وأنها تجعل الإنسان مواكباً لما حوله وهذا ما يؤكده الحديث المذكور عن الإمام الصادق (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)، كما أشار لأهمية الحكمة في توصيل الرسالة وهو ما تمثلت بالآية الكريمة: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وهي وضع الشيء في موضعه.

المحور الثاني: ثقافة النهوض

 
وبدأها الشيخ بتساؤل عن أي نوع من الثقافة تحتاجها الأمة؟، وبين أننا نحتاج إلى ثقافة تنقلنا إلى ركب العلم والحضارة لنستغل الطاقات الموجودة لدينا حيث أننا لا زلنا متأخرين عن المجتمعات الأخرى التي تقدمت ونحن متأخرون أن سبب هذا الشيء هو انتشار الثقافة السطحية الجانبية والانشغال في الجدل العقيم حول القضايا التاريخية والبحوث العقائدية وصرف كل الجهود نحوها، ومنها ما ذكره عن غضب النبي من بعض أصحابه حينما كانوا يتجادلون في المسجد حول القدر فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان من شدة غضبه من جدالهم في هكذا موضوع. وخاطبهم قائلاً: «بهذا أمرتم أو بهذا بعثتم؟ انما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا, انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به, والذي نهيتم عنه فانتهوا».

وهناك أيضاً حديثه (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله) الذي يبين أن المسلمين انشغلوا بالكلام حول صفات الله وذات الله بينما الآخرون تفكروا في خلق الله فتقدموا وغزوا الفضاء ووصلوا إلى مراتب علمية متقدمة.

وكذلك ينطبق الأمر على الأنبياء والأئمة الذين هم كالأقمار فبدل التمعن في نور القمر وجماله تكون الاستفادة منه في إضاءة دروبنا لنصل إلى مقاصدنا.

وفي خضم حديثه عن ثقافة النهوض ذكر إحصائيات حول تقدم اليهود في العالم وكيف أنهم استطاعوا أن يكونوا 11 % من نخبة الشعب الأمريكي و20% من أساتذة أكبر جامعات أمريكا ونصف مليارديرات أمريكا.

أشاد سماحته بالمرجع الراحل الإمام الشيرازي (قدس سره) وأنه كان من المؤكدين على ثقافة النهوض في الكثير من خطبه وكتاباته وذكر منها كتابي (السبيل إلى إنهاض المسلمين) وكتاب (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين).
 

المحور الثالث: تجاوز القلق على الهوية

وذكر بأن الشيعة عاشوا فترات من الزمن يعانون من التهميش والتعتيم وكانوا لا يذكرون ولا يشار إليهم وكان العلماء في النجف بالكاد يحافظون على حياتهم، أما الآن فإن الشيعة يعدون رقماً ولهم موقعيتهم في العالم، وأوضح بأننا تجاوزنا تلك المرحلة من حياتنا بالمعرفة وبالنهل من مدرسة أهل البيت واتباعهم، وفي موضوع ما يثار حول الشيعة من وجود "تبشير شيعي" وما إلى هنالك ومن يثير الإشكالات قال بأن هناك فئات تريد إشغال الشيعة بهذه المسائل ليعمقوا الحساسيات بينهم وبين المذاهب الأخرى وذكر ما تبثه الفضائيات كقناة " المستقلة"وأن الهدف منها هو خلق الحساسيات وإشغال الناس عن قضاياهم الأساس.وأشار سماحته إلى وجود أطراف بيننا  تستجيب للاستفزازات وترد بأسلوب حاد ضد قضايا ورموز الطرف الآخر. في نقطة أخرى بين أن الاستغراق في بعض الطقوس والممارسات يكون على حساب الأساسيات.

وأكد سماحة العلامة الصفار أن حماية الهوية تكون بالعلم والمعرفة ويتجلى ذلك في مواقف مشرفة للشيعة على مر الزمن والتي تخدم المذهب وتعلي شأنه.قال الإمام الصادق (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم)، واستطرد سماحته وذكر بأن ما يطرحه هو ما يقتنع به وهو قابل للنقاش والأخذ والرد وهو يرحب بذلك.

كما دعا إلى توصيل المعارف والأفكار للناس لكي يروا صورة الإسلام المشرقة، وفي هذا السياق  ذكر قصة المستعربة اليابانية التي دخلت في الإسلام بفضل كتاب عن السيدة الزهراء كتبته الكاتبة (بنت الشاطىء) وأثر فيها حينما قامت بترجمته للغة اليابانية وتغيرت مفاهيم كثيرة لديها ودخلت في الإسلام واتبعت منهج أهل البيت .

وكعادته ختم سماحته محاضرته بذكر مصيبة سيد الشهداء الإمام الحسين وما تبع استشهاده وأهل بيته وأصحابه، وبين كيف أن عقيلة الطالبيين السيدة زينب كانت ثابتة صامدة رغم ما جرى عليها من مآسي وآلام متدرعة بإيمانها العميق بالله عز وجل، وتطرق إلى مواراة الإمام السجاد لجسد أبيه والشهداء من أهل البيت والأنصار بعد واقعة الطف الأليمة.