الخوف برؤية قرآنية 2

(الخوف) الذي يتحول إلى حالة مرضية ينتج عنها خلل نفسي هو الشيء غير الطبيعي ويسميها علماء النفس بمرض (الخواف) أو (الفوبياء) وهي حالة من الخوف تتملك الإنسان في حالات مرضية استثنائية والتحليل النفسي يصنفها ضمن الأمراض العصابية وتنشأ عنها حالات مختلفة كالخوف من الماء أو البحر أو غيرهما من الأشياء.

السؤال: هل في إمكان الإنسان أن يوجه هذا الميل الفطري نحو الأخطار الحقيقية الكبرى؟ نعم وذلك بتقوية الإرادة والإرادة عامل حاسم في الصحة النفسية وذلك بتوطين النفس على مقاومة حالات (الخواف).. وفي توجيهاتنا الإسلامية: (إذا خفت من أمر فقع فيه) أن يخاف الإنسان الخطر ويخشاه فذلك شيء طبيعي وفطري في أعماق نفس الإنسان.

وليس عيبا ولا نقصا.. والمطلوب من الإنسان ليس اقتلاع جذور الخوف من النفس والقضاء عليه نهائيا فهو أمر غير ممكن إنما المطلوب هو توجيه هذا الميل الفطري نحو الأخطار الحقيقية الكبرى التي تهدد مستقبل الإنسان.

المطلوب .أن يخاف الإنسان من مركز القوة والثقل التي تهيمن على العالم, وتسيطر على كل شأن من شؤونه وكل ذرة من ذراته وهي قوة الله سبحانه وتعالى وهيمنته وعظمته.

والمطلوب أخيرا: ألا يكون الخوف عقبة وحاجزا أمام الإنسان يمنعه من التقدم والاحتفاظ بالحرية والكرامة.. فالقرآن يعترف بواقعية الخوف لدى الإنسان، ولا يعتبره جريمة أو عيبا في الأساس.. وإنما الجريمة تكمن في سوء الاستفادة وفي الإفراط في ممارسة الخوف.. وأن يصبح الخوف عقبة في طريق تقدم الإنسان وكرامته وحريته.

إن القرآن ينقل لنا بعض الصور واللقطات من داخل وأعماق نفوس أنبيائه وأوليائه ليؤكد لنا واقعية الخوف وتجذره، حتى في تلك النفوس المختارة الزكية الطاهرة،فالأنبياء والأولياء أيضا يخافون ولكنهم يتجاوزون حاجز الخوف من الأخطار والمشاكل ويقمعونه داخل أنفسهم بقوة إرادتهم وبتسديد الله تعالى لهم.

1 - فهذه أم نبي الله موسى ، تلك الولية المخلصة التي اختارها الله لتكون أم نبي من أعظم أنبيائه ولتضعه في تلك الظروف الحرجة. لقد كانت تخاف على وليدها (موسى)من فتك (فرعون).. ويأتيها الوحي من السماء ليوجهها إلى استثمار ذلك الخوف في أخذ أشد الاحتياطات والاجراءات لحماية الوليد ثم يشجعها على تجاوز حالة الخوف المفرط والركون إلى الطمأنينة والاستقرار.

يقول تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).

2- ونبي الله موسى ذلك الرسول الذي أعده الله تعالى لمواجهة طاغية زمانه المتجبر فرعون وزوده بالآيات والمعجزات ولكنه لما رأى فعل سحرة فرعون العجيب حيث تحولت الحبال والعصي في أنظار الناس إلى حيات وأفاع توشك أن تلتهم الجموع المتفرجة.. لما رأى ذلك تحرك هاجس الخوف الطبيعي في نفسه لكنه انتبه إلى موقفه ومهمته وأسعفته السماء بتوجيهاتها وعنايتها فقمع ذلك الهاجس في نفسه وتحدى السحرة وأباطيلهم بكل قوة وصمود.

يقول تعالى (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى).

 3 - في قضية اجتماعية كان الرسول الأعظم محمد يعلم من قبل الله أن ربيبه (زيد بن حارثة) الذي رباه ورعاه سيطلق زوجته (زينب بنت جحش) وأن الله سيزوج رسوله بمطلقة ربيبه (زيد) إلغاء للأحكام الجاهلية في تحريم زوجة الربيب (أي الشخص الذي يربيه الإنسان وليس ولدا له). ولكن الرسول كان يضغط على زيد ألا يطلقها حذرا من توجيه الاتهامات والشائعات إلى شخصية الرسول العظيم. وينزل وحي السماء معترضا على هذا التخوف والحذر الذي يجيش في أعماق نفس الرسول حفاظا على قدسية رسالته وسمعة شخصيته..

يقول تعالى (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا).

إذاً: فليس عيبا أن تخاف إنما العيب ألا تتجاوز الخوف وتقمعه داخل نفسك. وعظمة الأبطال ليست في أنهم لا يخافون.. وإنما لأنهم يتجاوزون حاجز الخوف.. تجاوزا واعيا قائما على الإيحاء الذاتي والتحليل الواعي لموضوع الخوف.

24/9/2008م