الشيخ الصفار يُحذر الآباء من خطورة التقصير في إشباع الجانب العاطفي للبنات

مكتب الشيخ حسن الصفار
* إن الخلاف الذي حصل بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين الحاكمين من أمويين وعباسيين جعل أي تمجيدٍ للزهراء (عليها السلام) كنوع من الانتصار لأهل البيت (عليهم السلام).

* كما أن الوحي والرسالات كشفت لنا عن اصطفاء الله تعالى للأنبياء، فإن الأحاديث الواردة في فضل الزهراء (عليها السلام) تكشف عن اصطفائها وعظم مكانتها.

* الأحاديث الواردة في فضل السيدة الزهراء (عليها السلام) تُعطي رسالة إلى البشرية جمعاء، بأن المرأة لا تقعد بها أنوثتها عن الوصول إلى الموقعية المتقدمة من الفضل والكرامة.




حذر سماحة الشيخ حسن موسى الصفار الآباء من خطورة التقصير في إشباع الجانب العاطفي للبنات معتبراً ذلك مدخلاً لاستغلال الآخرين من خارج المنزل لجوع البنت العاطفي لتُصبح فريسةً في فخّ خُدعهم وإغراءاتهم. وأكد من خلال تأمله في الأحاديث الواردة في فضل السيدة الزهراء (عليها السلام) أن هذه الأحاديث تُعطي رسالة إلى البشرية جمعاء، بأن المرأة لا تقعد بها أنوثتها عن الوصول إلى الموقعية المتقدمة من الفضل والكرامة، إضافةً إلى أنها تكشف عن حقيقة اصطفاء السيدة الزهراء (عليها السلام)، وتجعلها في مقام القدوة والتأسي للبشرية جمعاء. وعبّر عن أسفه لما سببته الخلافات والنزاعات المذهبية أن منعت بعض المسلمين من أن ينظروا نظرةً موضوعيةً منصفةً لهذه الأحاديث. كان ذلك في كلمةٍ سابقةٍ للشيخ الصفار ألقاها ظهر الجمعة 20 جمادى الآخرة 1425هـ (6 أغسطس 2004م) بمناسبة ذكرى مولد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام).

بدأ الشيخ الصفار كلمته بتوصيفٍ للحالة التي كان عليها رسول الله قبل ولادة السيدة الزهراء (عليها السلام)، وقال: نحن نستقبل اليوم ذكرى ميلاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) المبارك، ذلك الميلاد الذي أدخل ما لا يعلمه إلا الله من السرور على قلب رسول الله ، والذي كان ينتظر قدوم هذه البضعة الطاهرة بفارغ الصبر. ذلك لأن قريشاً والمشركين كانوا يُظهرون الشماتة والتعيير لرسول الله باعتباره لا عقب له ويُطلقون عليه صفة (الأبتر)، ولكن الله سبحانه وتعالى وعده بأن يمنّ عليه بكثرة الذرية فكان التحقق بميلاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) كما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ.

ثم تحدث عن فضل السيدة الزهراء (عليها السلام) من خلال الأحاديث المنقولة عن رسول الله في ذلك، مؤكداً أن هذه الروايات كثيرة جداً، وأن الظروف السياسية منعت نقل عدد كبيرٍ منها. وأضاف قائلاً: من الواضح أن السيدة الزهراء (عليها السلام) كان لها موقف تجاه الخلافاء بعد رسول الله ، وهذه حقيقةٌ تاريخية كتبها المؤرخون من مختلف المذاهب، فالزهراء (عليها السلام) لم تكن راضيةً عما حدث بعد وفاة أبيها رسول الله وكانت غاضبة، حتى أن الخليفة الأول والثاني بذلا جهوداً لاسترضائها ووسطا علياً من أجل أن تقبل باستقبالهما. ومن الواضح أيضاً أنها عند وفاتها أوصت بأن تُدفن سراً، وأن لا يحضر تشييعها وجنازتها أحدٌ إلا أفرادٌ مخصوصون، مما يدل على أنها لم تكن راضية. (راجع البداية والنهاية لابن كثير، المجلد الثالث، ص: 309 - 311).

وأكد أن هذا الموقف جعل بعض الرواة يترددون ويتحفظون عن ذكر كل ما ورد من فضائل الزهراء (عليها السلام).

وأضاف قائلاً: إن الخلاف الذي حصل بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين الحاكمين من أمويين وعباسيين جعل أي تمجيدٍ للزهراء (عليها السلام) كنوع من الانتصار لأهل البيت (عليهم السلام)، ونوع من الإظهار لمقامهم، وبالتأكيد فإن أؤلئك الحاكمين لا يريدون أن يُعطوا هذه الفرصة لمنافسيهم، ولذلك حصل نوع من التعتيم على فضائل الزهراء (عليها السلام). ومع ذلك ما ورد في المصادر الإسلامية غير الشيعية من رواياتٍ في فضل الزهراء (عليها السلام)، مع ملاحظة هذه الأجواء، ليس شيئاً قليلاً.

ونقل الشيخ الصفار مجموعة من الأحاديث الواردة في فضل السيدة الزهراء (عليها السلام)، ومنها ما جاء في صحيح البخاري في باب مناقب فاطمة بنت رسول الله عنه أنه قال: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» (حديث رقم: 3767). وجاء في شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، تعليقاً على هذا الحديث: أتى النبي ملكٌ وقال: إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.

وعقّب على ذلك بقوله: نحن نعلم أن كلمة (نساء أهل الجنة) شاملة للأولين والآخرين، وحينما يقول الحديث: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»، يعني ليست هناك امراة في تاريخ البشر أفضل من فاطمة الزهراء من الأولين والآخرين.

وتابع يقول: بسبب الأجواء السياسية حاول البعض أن يُبرز بعض الأحاديث الواردة في فضل بعض أمهات المؤمنين كالسيدة عائشة، معتبراً إياها أفضل من فاطمة الزهراء (عليها السلام) اعتماداً على تلك الأحاديث المروية عندهم، ولكن العلماء المحققين من أهل السنة أنفسهم، كما أورد ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري أن السبكي الكبير قال: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة. (شرح صحيح البخاري، ج: 7، ص: 137).

ونقل حديثاً آخر في فضل السيدة الزهراء (عليها السلام) ومن صحيح البخاري أيضاً حيث قال رسول الله : «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني» (حديث رقم: 3767). ويُجيب على سؤال: ماذا يُريد رسول الله أن يقول من خلال هذا الحديث؟ وهل أن تعبيره (بضعةٌ مني) يعبّر عن حالة طبيعة، كما يقولها أي إنسان عن ابنته؟ بقوله: بالتأكيد أن الرسول لا يعني الجانب المادي فقط، وإنما يعني المكانة المعنوية.

وتابع الشيخ الصفار في ذكر نماذج من الأحاديث الواردة في فضل الزهراء (عليها السلام)، ومنها الحديث الذي ذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة، ص: 557، عن أبي أيوب أن النبي قال: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط ، تمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق.» وحديثٌ آخر ورد في مصادر عديدة، من مصادر أهل السنة، وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال وغيره، أن رسول الله قال: «أول شخصٍ يدخل الجنة فاطمة.» (ميزان الاعتدال، ج:2، ص: 116). وأحاديث أخرى أيضاً أنه قال لها: «فداك أبوك». (بحار الأنوار، ج:22، ص: 491). وتُشير الروايات «أن النبي إذا أراد سفراً كان آخر الناس عهداً بفاطمة، وإذا قدم كان أول الناس عهداً بفاطمة.» (بحار الأنوار، ج: 43، ص: 40).

وأكد أن هذه الروايات يجب أن تستوقف المسلمين جميعاً، معبراً عن أسفه لما سببته الخلافات والنزاعات المذهبية أن منعت بعض المسلمين من أن ينظروا نظرةً موضوعيةً منصفةً لهذه الأحاديث.

وأشار الشيخ الصفار أن هذه الأحاديث:

أولاً- تكشف عن حقيقة اصطفاء السيدة الزهراء (عليها السلام).

فكما أن الوحي والرسالات كشفت لنا عن أشخاص الأنبياء، وأن الله تعالى اصطفاهم، كذلك هذه الأحاديث تكشف عن هذه الشخصية المصطفاة، وهي فاطمة الزهراء (عليها السلام). مضيفاً: أنه كما أن أفضل البشر من الرجال على الإطلاق، وبما لا يقبل النقاش، هو رسول الله ، فإن هذه النصوص تدل على أن أفضل البشر من النساء هي فاطمة الزهراء (عليها السلام).

ثانياً- تجعل فاطمة الزهراء (عليها السلام) في مقام القدوة والتأسي للبشرية جمعاء.

ثالثاً- تُعطي رسالة إلى البشرية جمعاء، بأن المرأة لا تقعد بها أنوثتها عن الوصول إلى الموقعية المتقدمة من الفضل والكرامة.


وأوضح أن المجتمعات البشرية كانت ومازالت تنظر إلى المرأة نظرة دونية، مؤكداً أن المجتمعات المتقدمة المعاصرة كأمريكا وأوروبا تُعاني من التمييز بين الرجل والمرأة مع كل الفرص التي أتيحت للمرأة في تلك المجتمعات. وأضاف قائلاً: هذا الفارق قد يكوون كاشفاً عن حالة طبيعية بسبب الاهتمامات المختلفة للمرأة والحالة المختلفة لها، وفي بعض الأحيان قد يكشف عن وجود نظرة غير متساوية لكفاءة المرأة مع كفاءة الرجل.

وحينما يتحدث رسول الله بهذه الأحاديث عن ابنته، وخاصة في تلك البيئة والأجواء فهو يُريد أن يُعطي رسالة إلى البشرية جمعاء، بأن المرأة لا تقعد بها أنوثتها عن الوصول إلى الموقعية المتقدمة من الفضل والكرامة. وفاطمة الزهراء (عليها السلام) أنثى، ولكن أنوثتها لم تمنعها أن تتبوء هذه الموقعية الكبيرة المميزة.

وأكد أنه لا ينبغي أن ننظر إلى الناس من خلال جنسهم، ذكراً أو أنثى، وإنما ينبغي أن ننظر إلى حقيقة المواهب والقدرات والسلوك، فالمسألة ترتبط بجوهر الشخصية، وحقيقتها. مضيفاً أن الله تعالى أراد للمرأة أن تقوم بدورٍ هامٍ جداً، فعن طريقها يأتي النسل البشري، وهي التي تحمل الإنسان في أحشائها جنيناً، ثم هي التي ترضعه، وهي التي تربيه، وهذا الدور يستوجب أن تكوون نفسيتها مهيئة، ولذلك فإن الله تعالى جعل المرأة تمتلك مخزوناً من العواطف والأحاسيس أكثر مما يمتلك الرجل، وهذا المخزون يجعل المرأة في وضعية معينة عند بعض الناس.

واستطرد الشيخ الصفار في الحديث عن ضرورة الاهتمام بالمرأة، وخاصة في مرحلة كونها بنتاً، مشيراً إلى الأحاديث التي تُعطي للإهتمام بالبنت أهمية أكبر من الاهتمام بالولد الذكر، كالحديث المروي عن رسول الله أنه قال: «إن الله تبارك وتعالى على الإناث أرق منه على الذكور، ومان رجل يُدخل فرحةً على امرأة بينه وبينها حرمة إلا فرحه الله يوم القيامة». (الوسائل، ج: 15، ص: 14). وفي حديثٍ آخر عنه أنه قال: «من دخل السوق فاشترى تحفةً فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قومٍ محاويج وليبدأ بالإناث قبل الذكور، فإن من فرّح ابنةً فكأنما أعتق رقبةً من ولد اسماعيل». (بحار الأنوار، ج: 101، ص:69) مؤكداً أن السبب في التأكيد على الاهتمام بالبنت كونها مرهفة الأحاسيس والعواطف، وينتظرها دورٌ كبير، فيجب أن تُهيأ لذلك، ولا يكون ذلك إلا من خلال إحاطتها بقدرٍ كبيرٍ من الاحترام والحنان والعطف.

وأشار الشيخ الصفار إلى خطورة تقصير العوائل في إشباع الجانب العاطفي للبنت، محذراً من احتمالية استغلال الآخرين من خارج المنزل جوع البنت العاطفي فتُصبح فريسةً في فخ خُدعهم وإغراءاتهم، خصوصاً مع تقدم التكنولوجيا من خلال الإنترنت التي فتحت الآفاق واسعة في هذا المجال.

وأخيراً يجب علينا كمسلمين أن نتأمل في الأحاديث الواردة في فضل الزهراء (عليها السلام) ونأخذ منها الدروس والعبر بعيداً عن الخلافات المذهبية، فالزهراء (عليها السلام) رمزٌ وقدوةٌ لعموم المسلمين وليس لطائفةٍ دون أخرى.