الشيخ الصفار يدعو السلفيين والشيعة إلى تجاوز القطيعة

مكتب الشيخ حسن الصفار

أعزائي الحضور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. نلتقي اليوم مع سماحة الشيخ حسن الصفار في حوار حول السلفيين والشيعة وتجاوز القطيعة، منطلقين في تناول محاور الحلقة من كتابه: «السلفيون والشيعة نحو علاقة أفضل»:

منطلقات الدعوة إلى تجاوز القطيعة

سؤال لنكن معكم من البداية، كيف جاءت فكرة كتاب: «السلفيون والشيعة نحو علاقة أفضل»؟ وما هي الرسالة التي تودون توجيهها من خلاله؟

جواب بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وآله الطاهرين وصحبه الطيبين، وبعد..

فكرة الكتاب تنطلق من منطلقين، هي كالتالي:

(1) التأكيد الديني على وحدة الأمة

لدينا ـ في القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكّد على وحدة الأمة، منها ما هو صريح بهذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[ سورة الأنبياء الآية: 92]، وفي آية أخرى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[ سورة المؤمنون الآية: 52]، ومنها تلك الآيات القرآنية التي تدعو إلى الاعتصام بحبل الله تعالى وعدم التفرق: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا[ سورة آل عمران الآية:  103] ، والآية: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[ سورة الأنفال الآية: 46].

إننا نفهم من هذه الآيات الكريمة أن هناك أمرًا  إلهيًّا لأبناء هذه الأمة، بأن يعيشوا حالة الوحدة والتعاون والانفتاح على بعضهم بعضًا، وحينما يأمر سبحانه وتعالى هذه الأمة بالتوحد والتعاون، فإن ذلك من باب الأمر الإرشادي، بمعنى أنه يرشدهم بما تنادي بهم فطرتهم وطبيعتهم الإنسانية، لأن أي مجتمع بشري تحصل فيه اختلافات في الرأي والموقف، ولا بد أن يكون هذا الأمر غير متنافٍ مع الواقع الطبيعي الخارجي لهم كبشر، فالأمر بالوحدة لا بد أن يكون مستوعبًا لحالات التنوع الفكري والاختلاف في الرأي، انطلاقًا من أن الوحدة مبدأ أساس يؤكد عليه الإسلام، وأن هذه المدارس والاتجاهات من سنة وشيعة وأباضية ـ داخل الدائرة الإسلامية ـ، ومن سلفيين وصوفيين وما أشبه ـ كمدارس واتجاهات داخل البيئة السنية ـ، من سائر الشيخ سلمان العودة برفقة الشيخ حسن الصفارالاتجاهات والمدارس الموجودة في الأمة الإسلامية، ما داموا يعيشون في إطار الإسلام فهم جميعًا مخاطبون بهذا الأمر الإلهي، ومأمورون بعدم التنازع والتفرق.

وإذا كانت هناك حالة نزاع وحالة اختلاف فلا بد من احتوائها ومعالجتها وتنظيم التعامل معها.

(2) المصلحة الفعلية للمجتمعات الإسلامية

نحن ـ  كمجتمعات وأوطان ـ نعيش الآن تحديات خطيرة جدًا كمسلمين وكعرب في منطقة الشرق الأوسط والخليج.

ولمواجهة هذه التحديات والأخطار لا بد لنا أن نتوحد، وأن نتعاون ضمن وحدة وطنية وإسلامية، حتى نستطيع أن نواجه هذه الأخطار والتحديات، وحتى لا ينفذ لنا الأعداء من خلال ثغرات التفرقة والخلاف.

من هنا انطلقت فكرة الكتاب ورسالته، التي تركّزت على الدعوة لإيجاد طريق لِحُسْن العلاقة بين هذه الفئات والشرائح، على ما بينها من اختلافات عقدية وفقهية، وهو ما أعتقد بإمكانه.

حصر الخلاف والقطيعة بين الشيعة والسلفيين

سؤال في الأدبيات والكتب التي سبقت كتابكم هذا، كان التقابل بين السنة والشيعة، بينما في كتابكم هذا أفردتم السلفيين في مقابل الشيعة، قد يتفاجأ قارئ الكتاب من العنوان، ويتساءل: لماذا أفردتم السلفيين في قبالة الشيعة، أليسوا جزءًا من السنة؟

(1) المدرسة السلفية تمثل التيار المتشدّد ضمن الدائرة السنية

جواب السلفيون هم جزء من أهل السنة والجماعة، ولكن من الواضح أن الشيعة ليسوا جميعًا في قالب واحد، كما أن السنة ليسوا جميعًا في قالب واحد، فهناك تيارات معتدلة وتيارات فيها شيء من التشدد والحدّية في الموقف تجاه الآخر، عند السنة وعند الشيعة، وأعتقد أن المدرسة السلفية تمثل المدرسة الأكثر تشددًا عند أهل السنة في الموقف تجاه الشيعة وتجاه الرأي الآخر بشكل عام.

ولهذا فإن دعوات التقريب والتقارب بين المذاهب الإسلامية وَجَدَتْ لها مجالاً في أوساط سائر أبناء أهل السنة والجماعة في البلدان المختلفة، ولكن في أوساط الإخوة السلفيين كانت هناك حالة ممانعة من قبول هذه الدعوات، فأعلنوا الرفض لمثل هذه الدعوة منذ بدايتها وانطلاقتها، وألّفوا الكتب وكتبوا الأبحاث في التنظير لسبب الرفض والممانعة، فلا يقبلون أن يكون هناك بحث للتقارب أو للتفاهم مع الشيعة، بسبب وجود موقف حادّ عندهم من الرأي الآخر بشكل عام، حتى ضمن دائرة أهل السنة، وبشكل خاص تجاه الشيعة، وبخاصة حول كثير من المسائل العقدية.

 

الشيخ الدكتور النجيمي يزور مكتبة الشيخ الصفار (ارشيف)

لذلك كان موقفهم هو الموقف الأشد في أوساط أهل السنة والجماعة، فهم مَنْ يرفض قبول الدعوة إلى الحوار المذهبي وإلى التقارب بين السنة والشيعة، وتُعَدُّ هذه البؤرة ـ بسبب ذلك ـ بؤرة ساخنة في العلاقة بين السنة والشيعة، ولذلك أفردتها وجعلت المقابلة في عنوان الكتاب بين الشيعة وخصوص المدرسة السلفية.

(2) المصلحة الوطنية تقتضي تصحيح العلاقة بين جميع التوجهات

ومن جهة أخرى، نظرًا  لكوني مواطنًا في المملكة العربية السعودية، والتيار السائد في المملكة هو التيار السلفي، لذلك أجد نفسي معنيًّا بمعالجة هذا الموضوع. فحينما أتحدث عن التقارب والحوار بين السنة والشيعة بشكل عام، فهذا طرح يصلح لبقية البلدان والمناطق، ولكن باعتباري أعيش في المملكة، فإن التيار السائد الذي أجده أمامي والذي يجب أن يكون هو الشريك في هذا الحوار هو المدرسة السلفية، لذلك طرحت الموضوع في إطار العلاقة بين السلفيين والشيعة؛ لأن السلفيين هم الشريك الآخر لنا في الوطن، بناءً على أنهم يمثلون الرأي السائد الذي تعتمد عليه الحكومة في المملكة العربية السعودية.

ردّات الفعل على دعوة الشيخ الصفّار

سؤال وَجَّهَ الدكتور عبد الحميد الأنصاري ـ في مقال له في جريدة الشرق الأوسط، بعد صدور الكتاب ـ شبه نداء للسلفيين بأن هذه دعوة للحوار من قِبَل الشيخ حسن الصفار، وطالبهم برد التحية، فهل وجدتم أصداءً لهذه الدعوة من خلال مقابلاتكم ولقاءاتكم؟

د. عبدالحميد الأنصاريجواب عليَّ أن أعترف بأن هناك أصداءً إيجابية، وأن عددًا من العلماء والمثقفين والشخصيات في المدرسة السلفية أبدوا تجاوبهم مع هذه الفكرة، وحصل ـ بالفعل ـ نوع من التواصل معهم، وتبادل الزيارة واللقاء والحديث حول القناعة المشتركة في هذا الموضوع، ولكن قسمًا منهم لا يرون أن الظرف مناسب لتفعيل مثل هذه الفكرة، وعدد ممن التقيته يبدي الارتياح لهذه الفكرة وإمكانية تفعيلها، لكنه يعتذر بأن الظروف والأجواء في الساحة العامّة التي يعملون فيها ـ حسب تشخيصهم ـ لم تنضج بعدُ للإجهار بهذه الدعوة وللتفاعل العلني معها، ولذلك يكتفون بأن يكون التجاوب من قبلهم ضمن المستوى الخاص، واللقاءات الثنائية، والتواصل المحدود، دون أن يجهروا برأيهم على هذا الصعيد.

وهذا لا يعني انعدام التفاعل الإيجابي من قبل بعضهم، فهناك مَنْ كان جريئًا في طرح آرائه في هذا الموضوع، وقد نشرت بعض الكتابات التي تتحدث بصراحة عن ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين السلفيين والشيعة، وكان  الدكتور الشيخ عوض القرني ـ جزاه الله خيرًا ـ من أوائل من تفاعل، فقد زارنا في القطيف والتقينا وتواصلنا معه، وأجريت معه لقاءات إعلامية، وطُرح عليه هذا السؤال، فكان جريئاً في تبيين رأيه وموقفه من فائدة الحوار وفائدة التواصل والتلاقي، وهناك أيضًا إحدى الشخصيات السلفية، وهو الدكتور محمد حامد الاحمري الذي نشر بحثًا ـ في مجلة العصر، في حلقتين ـ تحت عنوان: «رؤية للمعضلة الشيعية»، في هذا البحث يتحدث عن ضرورة إعادة النظر من قبل المدرسة السلفية في النظر إلى الشيعة والتعامل معهم.

 

الشيخ المحرج في ضيافة الشيخ الصفار(ارشيف)

وهناك كتّاب وشخصيات أخرى أيضًا تحدثت وكتبت وناقشت، منهم الدكتور الشيخ سلمان العودة الذي تحفّظ على موضوع التقارب، ولكنه أعلن موافقته وتأييده لبحث موضوع التعايش مع الشيعة، وكان ذلك في تصريح نقلته عنه جريدة المدينة في ملحق الرسالة قبل بضعة أسابيع، فبيّن فيه أنه مع فكرة أن يكون هناك تعايش، وألاَّ تكون هناك إساءة ونزاع وشقاق، وهذا ما يشير إلى أن في وسط التيار السلفي هناك آراء إيجابية وأصداء وردود فعل، قد لا تكون ـ بالضرورة ـ استجابةً لفكرة الكتاب، ولكنه نوع من التطور والاستجابة لتحديات الساحة، وكانت فكرة الكتاب نوعًا من التحفيز والدافع للإعلان عن مثل هذه الآراء.

استمرار أجواء التوتّر دافع نحو الإصرار على التلاقي

سؤال المعروف أن فكرة التقريب انطلقت من الوسط الشيعي، لكن اليوم يوجد في هذا الوسط شعور بلاجدوائية هذه الأطروحة، حيث يلحظ الشيعة استمرار مظاهر الجفاء والعداء ـ إذا صح التعبير ـ، وذلك بفعل الفتاوى التي ما زالت تستنسخ في هذا الاتجاه، رغم أن الشيعة طوال الفترة الماضية كانوا يبدون حسن النية، كيف تقرؤون هذا الموقف، سماحة الشيخ؟

جوابيجب أن أقول في البدء أن كل طرف ينظر إلى الأمور من الزاوية التي يقف فيها وينظر من خلالها، فالبعض من الشيعة ينظر إلى أن الشيعة قدموا الكثير من المواقف الإيجابية، ولم تصدر منهم أي إساءة، وغالبًا ما تكون هذه المواقف السلبية والمتشددة والمتطرفة من قبل بعض السلفيين، ويتمّ تعميمها على كل السلفيين، وبالتالي يشكك في جدوى الحوار والتفاهم.

وفي الوقت ذاته نجد أن مثل هذا الكلام يدور في الوسط السلفي، فبعض السلفيين كتبوا وتحدثوا بأن دعوات التقريب والتقارب مع الشيعة لا تنسجم مع ما هم يتصورونه ويرونه من مواقف يعدُّونها متطرفة ومسيئة ومتشددة من قبل الشيعة، ولذلك أنا أعتقد أن وجود مشاكل في الساحة بين السنة والشيعة أو بين السلفيين والشيعة يجب أن تكون دافعاً للإصرار على بحث هذا الموضوع وعلى معالجته، ولا يصح أبداً أن تعدَّ مبررًا للتراجع؛ لأن وجود المشاكل يعني خطورة القضية، وما دمنا نرى أن هناك إساءات متبادلة فهذا يجب أن يشجعنا على الاهتمام بمثل هذه القضية، وإلا فإن الإساءات ستستمر وستتصاعد وستنمو، أنا أتعجب كيف يعدُّ البعض أن وجود إساءة من هذا الطرف للآخر مبررًا للنكوص والتراجع عن الدعوة إلى الحوار والتقارب، بينما يجب أن يكون هذا الأمر دافعًا إضافيًّا، ففي الوقت الحاضر نحن بحاجة إلى معالجة هذه المشكلة وبحثها وحلها، وإلا فإن هذه الإساءات ستستمر والشقاق والنزاع سيستمر وسيتطور.

الابتعاد عن الألفاظ المسيئة لكلا الطرفين

سؤال ولكنَّ بعض الشيعة يتهمون الطرف الآخر بأنه يضخم مسألة الخلاف، ففي  مسألة النواصب ـ مثلاً ـ يبيِّن سماحة السيد السيستاني في منهاج الصالحين أنَّ النواصب هم المعلنون لعداوة أهل البيت ، ويفرِّق بينهم وبين عموم إخواننا من أهل السنّة، ففي بيان صادر عنه بتاريخ 14محرم 1428 يعترف لهم بمودة أهل البيت ، بينما الطرف الآخر ينظر إلى أي رواية أو نص يتحدّث عن النواصب من قبل الشيعة، يعد ذلك اتهامًا للسنة، أليس هذا تضخيمًا للموضوع؟

جواب في البدء لا بدَّ من الإشارة إلى أن سماحة السيد السيستاني ـ حفظه الله ـ ظُلم كثيرًا في هذه المرحلة من خلال أحداث العراق، فهناك تعتيم على آرائه، وأحيانًا تعمد لتشويه بعض هذه الآراء وكذلك لمواقفه الدينية والسياسية، مع أنه ـ وللإنصاف ـ قدم خدمة كبيرة للأمة بشكل عام وللشعب العراقي بشكل خاص، وكل المراقبين المحايدين يعترفون بأن وجود مرجعية السيد السيستاني في العراق كانت ضمانة في أوساط الشعب العراقي  لعدم الانزلاق نحو فتنة أكبر، ومشكلة أعمق، ولا زال وجوده مفيدًا جدًّا على هذا الصعيد.

المرجع السيد السيستانيإنَّ السيد السيستاني وبقية فقهاء الشيعة يفرقون بين النواصب وأهل السنة، النواصب هم الذين يعلنون العداء والبغض لأهل البيت ، ولذلك هم يختلفون عن المسلمين من أهل السنة؛ لأن أهل السنة لا يعلنون العداء والبغض.

والفقهاء يفرقون بين المخالف والناصبي، فيقصدون بالمخالف من يخالف مذهب أهل البيت ، ويعنون بهم أهل السنة والجماعة، ولذلك عندما يعبّر فقهاء بِـ (الناصبي) لا يقصدون به أهل السنة؛ لأنهم لهم تعبيرهم المختلف عندما يقصدون به السني، وهو المخالف لمذهب أهل البيت، فله مذهبه الذي هو مقتنع به، ولا يرى في أهل البيت نفس المقام الذي يراه الشيعة لهم من حيث الإمامة والعصمة والمستوى والفضل، ولكنهم لا يبغضون أهل البيت ولا يعادونهم.

نعم، هناك فرقة أو مجموعة (ولعله أفراد) جهروا في الزمن الماضي بالعداء لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولأهل البيت ، ولكن لا يمكن اتهام أهل السنة جميعهم بالعداء لأهل البيت، ولا يوجد فقيه من فقهائنا المعاصرين يتهم أهل السنة بأنهم جميعًا نواصب، بل إن بعض فقهائنا لهم رأي متقدم على هذا الصعيد، فالإمام الخميني (رحمه الله) يرى أن النواصب هم فرقة تاريخية انقرضت لم يَعُدْ لها وجود، وأن هذا الاسم يطلق على فرقة كانت موجودة وانقرضت، ويعبّر بأنه لو عادت تلك الفرقة لانطبق هذا العنوان عليهم.

وأنا شخصيًّا أدين الله بأنه لا يوجد مسلم على وجه الأرض يعادي أهل البيت. نعم، هناك عداء للشيعة وإساءة لهم، ولكن هذا ضمن الصراع السياسي وحالة الصراع والخلافات الطائفية، وكذلك ضمن سوء الفهم وردود الفعل والمواقف الموجودة بين الطرفين، وإلا فلا يوجد مسلم يتجرأ على إعلان العداء لأهل البيت ، وإذا وجد من يقوم بهذا الأمر ويعلن العداء أو الإساءة لهم فإن بقية المسلمين من أهل السنة لن يسكتوا عليه ولن يقبلوا منه.

إنَّ الشيعة بهذا المعنى لا يرون بأن السنة هم نواصب، وإنما يعدون النواصب توجهًا معينًا كان موجودًا في الماضي، ولكنه الآن ـ على ما يبدو ـ ليس له وجود.

هذا بالإضافة إلى أنه ينبغي تجاوز مرحلة التنابز بالألقاب، فمن المعيب ـ ونحن نعيش في هذا العصر ـ أن نتنابز بالألقاب فيما بيننا وقد نهانا القرآن الكريم عن ذلك بكل صراحة، كما في الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ[سورة الحجرات، آية: 11] ، فلا يصحّ أن يطلق الشيعة على السنة مصطلح «النواصب»، أو يطلق السنة على الشيعة مصطلح «الروافض»، أو يكون هناك حديث عن شعب جزء من الأمة الإسلامية ـ وهو الشعب الإيراني ـ فيعيّر بقوميته الفارسية، إن هذا معيب ولا يصح.

نعم، يظل الاختلاف السياسي في مكانه، والاختلاف العقدي والفقهي في مكانه، دون اللجوء إلى التنابز بالألقاب واستعمال هذه المصطلحات المثيرة، فهذا أمر يجب أن يتوقف عنه الجميع.

مع الشيخ عائض القرنيوقد صرح بعض العلماء في المملكة العربية السعودية من المدرسة السلفية ضد هذه الظاهرة، ودعا إلى التوقف عن استعمال هذه الألقاب والتنابز بها من روافض ومن نواصب، وأنا أدعو إلى تجاوز هذه المرحلة التي عاشتها الأمة فترة طويلة وزمنًا طويلاً ووصلت إلى حدّ المواقف الطفولية، ففي بعض الأزمنة الماضية كان هناك صراع على أساس الحروف، فالسنة يعيبون على الشيعة أن بداية اسمهم حرف الشين، وهناك كثير من الأشياء السيئة تبدأ بحرف الشين، مثل الشر والشعوذة والشيوعية والشيطان، وفي المقابل بعض الشيعة كتب يعيب على أهل السنة أن بداية اسمهم حرف السين، وكثير من الأشياء تبدأ بحرف السين، مثل سقر وسم، هذا كلام طفولي تهريجي، لا يصح أبدًا أن يتعاطى به الواعون والمثقفون، ولا يصح أن يدور في أجواء الأمة وهي تعيش في هذا العصر، عصر الوعي والانفتاح.

ومن جميل ما قرأته مؤخَّرًا عن بعض علماء أهل السنة ـ ومنهم الشيخ القرضاوي وبعض علمائنا في المملكة ـ الحديث حول هذا الموضوع (المصطلحات المثيرة)، فكانوا يقولون بأنه ليس هناك مانع من ألاَّ نطلق على الآخرين أنهم كفار، وكذلك ألا نسمي اليهود والنصارى كفّارًا، وإنما نسميهم أهل كتاب أو نسميهم غير المسلمين، وهو توجّه جيد، وما دمنا نحاول أن نؤصِّل لعلاقة جيدة بين المسلمين وغير المسلمين بألا نطلق عليهم مسمّى (كفار)، وذلك بدافع أن هذه التسمية قد تثيرهم و تجرح مشاعرهم، فإذا كنا مستعدين أن نتجاوز عن مصطلح استعمله القرآن، وهو مصطلح الكفار، ونقول عن الطرف الآخر غير مسلمين، كيف لا نتنازل عن مصطلحات أنتجتها ظروف سياسية وبيئة صراع بين الطوائف والمذاهب، مثل مصطلح روافض ونواصب؟! ينبغي أن نقرر تجاوز هذه الكلمات والمصطلحات المثيرة، وأن نتعامل باحترام، كما يليق بنا كمسلمين.

الفكر الإسلامي قائم على أساس الاجتهاد

سؤال دعوتم إلى علاقة أفضل بين السلفيين والشيعة، كيف يمكن أن تتحسن العلاقة بين الطرفين مع وجود هذا التباين الكبير في الآراء العقدية بينهما؟ كتقديس الشيعة لقبور أئمتهم وزيارتها، والاحتفال بالمولد النبوي، وهي الممارسات التي يرى الطرف الآخر أنها إما بدعة أو شرك، كيف تكون علاقة حسنة بين الطرفين وبينهما هذا التباين؟

جواب من الخطأ أن يكون للعلاقة الحسنة شرط تعجيزي، وهو شرط التوافق في الرأي، إن اختلاف الرأي وتعدد الاجتهادات أمر مشروع، والمدرسة الإسلامية والفكر والفقه الإسلامي قائم على أساس الاعتراف بحق الاجتهاد، وأن المجتهد «إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد»، فما دام قد سلك في اجتهاده الطريق الموضوعي الصحيح فله الحق في إبداء رأيه في مقابل الآراء الأخرى، وكل المسلمين يتفقون على أنه في زمن رسول الله كان هناك اجتهادات بين الصحابة، كما هو الحال في قضية الصلاة في الحديث المعروف: «لا يصلين أحدكم إلا في بني قريضة»، وقد أقر رسول الله اجتهاد الطرفين من صلى ومن أخر صلاته.

باب الاجتهاد في الشريعة مفتوح، وهو لا ينحصر في المجال الفقهي فقط ـ كما يقول البعض ـ، وإنما أيضًا في المجال العقدي والفكري، بل هو في المجال العقدي والفكري أكثر ضرورة منه في المجال الفقهي.

زيارة الدكتور محمد عبده يماني - ذو الحجة 1429هـسؤال هل لك أن تعطينا مثالاً على الاجتهاد في المسألة العقدية؟

جواب مثل مسألة الشفاعة، والتوسل، والبناء على القبور، هذه مسائل فيها مجال للاجتهاد، وحتى القضايا القديمة التي طرحت كخلق القرآن وعدم خلقه، هذه مسائل كان فيها تعدد آراء، فما دام هناك تعدد آراء في المسائل العقدية والمسائل الفقهية، وفي فهم التاريخ وتقويم شخصياته فلا يصح لنا أن نضع هذا الشرط التعجيزي، ونقول إن العلاقة لا تصبح سليمة بين الطرفين إلا إذا توافقا في الرأي في هذه المسائل العقدية أو المسائل الفقهية؛ لأن المسألة لا تقتصر على دائرة واحدة في الخلاف مع الشيعة، فهناك اختلاف في بعض الآراء العقدية وبعض الآراء الفقهية داخل السنة أيضًا، وهناك اختلاف داخل المدرسة السلفية أيضًا.

فنحن إذا كان لدينا إصرار بأن التباين الفكري ـ على تباين مسافاته  واسعة أو ضيقة ـ مانع من حسن العلاقة، فهذا يعني أننا نضع شرطًا تعجيزيًّا لحسن العلاقة بين أبناء الأمة، وإذا كان الإسلام لم يعد الخلاف في الأصل الديني مانعًا لحسن العلاقة بين أصحاب الديانات، فكيف يصح لنا أن نعد الخلاف في تفاصيل وأجزاء من الدين مانعًا لحسن العلاقة بيننا كمسلمين وأتباع لدين واحد.

الإسلام يشرّع لعلاقة سليمة في ظل الاختلافات

سؤال ما هو الحل سماحة الشيخ؟

جواب القرآن الكريم يشرع للعلاقة مع أهل الكتاب، مع اليهود والنصارى، يقول تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ[سورة الممتحنة، الآية: 8] فالحديث ـ في هذه الآية ـ عن غير المسلمين في حال كونهم يختلفون معكم في الدين لا يمنع من أن تبروهم وأن تقسطوا إليهم، شرطَ أن لا يعتدوا عليكم، وهو بين المسلمين أولى وأكثر إلحاحًا.

في الفقه الإسلامي باب حول التعامل مع غير المسلمين ضمن مصطلح أهل الذمة (وهو من المصطلحات التي يدعو اليهود والنصارى لتغييره، وقد أبدى بعض علماء المسلمين مرونة في التجاوب مع هذا المطلب، وأنه ليس ضرورياً أن نطلق عليهم أهل الذمة، ولْنُطْلِقْ أي مصطلح آخر في الفقه الإسلامي)، هناك باب حول حسن التعامل مع أهل الذمة، ورد فيه عن الرسول أنه قال: «من آذى ذمياً فقد آذاني»  وفي رواية أخرى «فأنا خصمه»، وورد عنه أنه قال: «من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة»، فإذا كان الاختلاف في أصل الدين ليس مانعًا ولا حائلاً عن أن تكون علاقتنا طيبة مع غير المسلمين ما داموا لم يعتدوا علينا، فكيف نَعُدُّ الخلاف والنقاش في مسائل داخل الدين ـ عقديةً كانت أو فقهية ـ مانعًا من أن تتحسن العلاقة، فليكن للسلفيين آراؤهم حول البناء على القبور من أنه بدعة ولا يجوز.. وهذا رأيهم، كما أن الشيعة يرون أن البناء على قبور الأولياء مستحب وفيه أجر وثواب.. ويظل هذا رأيهم، ويجب على الطرف الآخر احترامه، وليعمل كل إنسان برأيه، وليكن هناك احترام متبادل.

ولكن ما يجب أن نقف عنده، هو حملات التشهير وحالات التهريج التي يقوم بها كل طرف تجاه الآخر، فإذا كان كل طرف مقتنع بما يفعل فليفعل ما هو مقتنع به، ومسألة الإيمان وصحّة أي رأي أمر يعلمه الله سبحانه.

وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب له رأي حول صلاة التراويح جماعة في شهر رمضان ولكنه لم يمنع بقية المسلمين أن يصلوها بما يرونه صحيحًا بشأنها، وكذلك بين الصحابة كان هناك اختلافات، وقد وضع الشيخ ابن تيمية كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) تحدث فيه عن الخلافات بين الصحابة وبين التابعين وما بينهم من خلافات، وذكر أمثلة لقضايا عقدية وفقهية اختلفوا فيها، ولكن ذلك لم يكن مانعًا من أن يتعايشوا ضمن إطار أمة واحدة وفي صف وإطار واحد؛ لأن هذه الآراء المختلفة بين السنة والشيعة وبين السلفيين والشيعة لا أعتقد أنها تمنع من حسن العلاقة، شَرْطَ أن يكون هناك احترام متبادل، وأن لا تكون هناك إساءة من هذا الطرف للطرف الآخر.

الاحتراب الطائفي خدمة للمشروع الإمبريالي العالمي

سؤال ذكرتم في الكتاب أنكم متفائلون بعلاقة أفضل بين السلفيين والشيعة في الأيام القادمة، ما حدث في العراق من اقتتال طائفي هل ترك مجالاً للسعي إلى هذا التقارب واللقاء؟

زيارة الشيخ عيسى الغيث - 4 صفر 1432هـجواب في بَدْءِ الأحداث المرعبة في العراق، وبخاصة التي أعقبت التفجير في سامراء في قبة الإمامين العسكريين في السنة الماضية، بالإضافة إلى حصول مشاكل طائفية واسعة في العراق، ثم تصاعد مثل هذه الحالة, ثم ما أثاره إعدام صدام من تشنج الأجواء والظروف الطائفية والمذهبية، ووجود حالة من الاحتقان والتشنج المذهبي في المنطقة، أصابني وأصاب أمثالي قلق كبير على مستقبل الوحدة في هذه الأمة، وعلى مستقبل العلاقة بين أبناء المذاهب الإسلامية، ولكني ـ بحمد الله ـ أرى أنه قد انقشعت هذه الغيوم إلى حدٍّ كبير، واتضح للجميع أن ما يحصل في العراق ليس حربًا مذهبية وإنما هو صراع طائفي سياسي، صراع بين الطوائف وليس بين المذاهب، لم تحصل في العراق مشكلة بين السنة والشيعة على مسألة عقدية أو مسألة فقهية؛ فالصراع الجاري الآن في العراق ليس بسبب رأي تتبنّاه المدرسة السنية، أو لأن السنة يقولون بهذا الرأي والشيعة يقولون برأي آخر، وما يحصل هناك اختلاف في المواقف السياسية وعلى موضوع المحاصصة، فالأمريكيون شرعوا موضوع المحاصصة الطائفية في العراق، وأنا هنا لست من دعاة الترويج لعقلية المؤامرة، ولكننا لا نستطيع أن نتنكر للواقع القائم في العراق، الاحتلال يريد أن يبقى في العراق، وأن يركز له قواعد عسكرية هناك، وقد صرح أحد المسؤولين الأمريكيين أن مقاومة الإرهاب في العراق تستلزم بقاء القوات الأمريكية لعشر سنوات، فهم يريدون أن يوجدوا مبررًا لاستمرار تواجدهم واحتلالهم ووجود قواعدهم العسكرية الدائمة، لذلك لا بد أن يشجعوا حالة الصراع الطائفي والقومي والعشائري، وفي الأيام الأخيرة بدأ الأميركيون في إعطاء السلاح لبعض العشائر العربية في العراق، لدرجة أن رئيس الوزراء أعرب عن قلقه حول هذا الموضوع، لأنه يؤسس لإيجاد ميليشيات جديدة, إن موضوع تسليح العشائر العراقية الذي يعمل عليه الأميركيون ليس أمرًا جديدًا، فقد  كانوا من الماضي يعملون عليه أيضًا، لكن هذا يدل على أنهم يشجعون حالة الاقتتال والصراع الطائفي لأهداف استمرار بقائهم في العراق.

وهذا دون أن نغفل أن الأميركيين والغربيين يعدون أمن إسرائيل قضية أساس وإستراتيجية، وبالتالي فإنهم يسعون بمختلف الطرق لإرباك الواقع العربي ومعه الساحة الإسلامية؛ لأن ذلك يصب في مصلحة أمن إسرائيل، ولأن ذلك يمنع تضافر الجهود العربية والإسلامية في مقاومة إسرائيل وفي الضغط عليها، وخاصة بعد حرب لبنان وتعاطف كل المسلمين في مختلف أنحاء العالم مع المقاومة الإسلامية في لبنان، وهذا ما يدفعهم لتشجيع حالة الصراع الطائفي.

وحتى لا نلقي باللائمة كل عليهم، نقول كما قال القرآن الكريم: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ[سورة التوبة، آية: 47]، ففي أوساط المسلمين من يستجيب لهذه التوجهات وينفذ مخططات الأعداء بقصد أو بدون قصد، بوعي أو بدون وعي، ولكنّي أشعر الآن بأن الصورة قد اتضحت، وأن ما حصل في العراق أعطى وعيًا وحصانة لشريحة كبيرة من الواعين، من السنة والشيعة، وحتى ضمن المدرسة السلفية، وهذا ما قرأته من خلال كتابات بعضهم، وما لمسته في لقاءاتي ومحادثاتي معهم، وأرجو أن يشكل ذلك زخمًا إضافيًّا لمسيرة التقريب وحسن العلاقة إن شاء الله.

الحوار الوطني وآفاق التواصل

سؤال بدأ التقارب بين السنة والشيعة والسلفيين في المملكة العربية السعودية بدعوة الحوار الوطني التي أطلقها الملك عبد الله أيام كان وليًّا للعهد، أين ذهب الحوار الوطني اليوم؟ وهل قدم شيئًا على صعيد التقارب بين المذاهب؟

جواب قلت في أكثر من مناسبة إن الحوار الوطني قدم خدمة كبيرة للمجتمع في المملكة العربية السعودية على صعيد تجاوز حالة القطيعة بين الأطراف المختلفة، فلأول مرة ـ من خلاله ـ تجتمع كل الأطياف والتوجهات تحت سقف واحد، تتناقش وتتحاور، ثم تتفق على توصيات تتضمن: الاعتراف المتبادل، والالتزام بمبدأ الحوار، وحسن العلاقة، والتعاون، والاتفاق على المصلحة الإسلامية والوطنية، وهذا ـ بحدّ ذاته ـ إنجاز مهم يسجل للحوار الوطني.

وكنا نأمل أن يواصل الحوار الوطني مسيرته بسرعة وشجاعة أكبر.

وما يبدو لي أن الحوار الوطني بعد اللقاء الثاني الذي انعقد في مكة المكرمة، ابتعد عن هذا الموضوع، وانشغل بموضوعات مختلفة، وهي مهمة، لكن بدا لي وكأن الحوار الوطني ابتعد عن القضايا الأساس التي نحتاج إليها لتصليب الوحدة الوطنية ولتجاوز حالة القطيعة والجفاء بين الجماعات والتيارات المختلفة، ليس فقط بين السلفيين والشيعة، وإنما أيضًا بين السلفيين والصوفية، وبين الإسلاميين والليبراليين ـ إن صح هذا التصنيف الذي يتحدث عنه في المملكة ـ.

الشيخ الصفار والشيخ عائض القرنيلقد كنا بحاجة إلى المزيد من البحث والجدّية، وإلى المزيد من اتخاذ خطوات عملية على هذا الصعيد، ولكن لا أدري، لعل القيادة السياسية لها رأي أو وجهة نظر أخرى، أو أنه كانت هناك أسباب معينة، ولكني أتحدث عن رؤيتي بأنني كنت أتوقع أن تكون مسيرة الحوار أكثر جدّية على هذا الصعيد.

اللقاء الوطني ودوره في تجسير الهوّة

سؤالصرحتم لبعض وسائل الإعلام أن اللقاء كان يكفي لكسر هذه الحواجز النفسية بين مختلف الأطياف، هل تواصلَ اللقاءَ  والعلاقة بينكم وبين أطراف أخرى شاركت في الحوار الوطني، أم اكتفيَ باللقاء تحت سقف هذا المكان الذي اجتمعتم فيه؟

جواب التواصل استمر مع بعض من التقيناهم في الحوار الوطني ومع آخرين، لأن اللقاء فتح المجال للقاء وللتواصل مع آخرين، حتى أولئك الذين لم يشتركوا معنا في الحوار الوطني، والحمد لله هناك تواصل، وتلاقٍ بمختلف الأشكال، ليس بيني فقط وبين العلماء والمشايخ والمثقفين من الإخوة السنة والسلفيين، وإنما هو أوسع، ولا يقتصر عليّ شخصيًّا، فهناك عدد من المثقفين والشخصيات والمفكرين من المواطنين الشيعة في المملكة أصبحت لهم علاقاتهم مع إخوانهم من أهل السنة، ومع إخوانهم من السلفيين، وكذلك هناك شخصيات من الساحة السلفية لهم علاقات مع شخصيات من المواطنين الشيعة، لقد أصبح المجال مفتوحًا.

ولعل هذا هو السبب في أن يصعد المتطرفون في الجانبين نشاطاتهم، وكأنه غاظهم أن تحصل هذه الحالة من التواصل، فهناك من المتشددين السلفيين مَنْ غاظهم هذا الأمر، وهذا ليس سرًّا؛ لأنهم يكتبون عنه في مواقعهم على الإنترنت، وينددون بأيّ لقاء، وبأيّ علاقة وتعاون بين أي فرد من السنة والشيعة، أو بين أيّ شخص من السلفيين والشيعة أو الصوفية أو ما أشبه ذلك، وكذلك عندنا داخل الوسط الشيعي أيضًا بعض الشيعة صعدوا من لغتهم الممانِعة لهذا التقارب، تحت مبرر أن هناك إساءات تصدر من الطرف الآخر، وفي بعض الأحيان تحت مبرر الخوف من تقديم التنازلات.

دعوات الوحدة لا تؤسس لثقافة التنازلات

سؤال كان لكم السبق باقتحام هذا المجال واختراق هذه الحواجز بزيارتكم لمفتي المملكة العربية السعودية الراحل الشيخ عبد العزيز بن باز، ثم زيارتكم لأسرته لتعزيتهم بوفاته أيضًا، ثم كان لكم السبق في استضافة بعض الرموز السلفية في مجلسكم العامر، هل تلقيتم دعوة من الطرف الآخر لزيارة مناطق سلفية؟

جواب لم أتلقَّ دعوة لزيارات عامّة في مواقع سلفية، وقد ذكرتُ سابقًا أن ظروفهم هناك لعلها لم تنضج بعدُ، لكن وقد اقتصرت الدعوات والزيارات على الطابع الخاص، فبعض العلماء والشخصيات من السلفيين دعوني إلى بيوتهم ودعوا شخصيات أخرى وحضروا اللقاء، وكان هناك حديث وحوار طيب وجيد. وهذا حصل أكثر من مرة.

لقاء البريككما أن أخي الشيخ محمد الصفار دعي إلى القصيم ضمن مهرجان ثقافي هناك، وكان هناك تفاعل في هذه الزيارة، رصدتها وسائل الإعلام الداخلية والخارجية في المملكة.

حالة التواصل وتبادل اللقاءات بعد الحوار الوطني موجودة ولا تزال، لكن ما نطمح إليه أن تكون هناك جرأة من الطرفين في الإعلان عن هذا الموقف وهذا الرأي، ولا يصح لنا في الوسط السلفي السني أو الوسط الشيعي أن نخضع لضغط المتشددين المتطرفين؛ لأن هناك جهات متطرفة متشددة عند السنة والشيعة والسلفيين، وهذه الجهات المتشددة تضغط على الذين يسعون للتقارب والتفاهم، وأدواتهم في الضغط إثارة المشاكل الخارجية التي تحصل، فيعدونها مبررًا يمنع من التقارب والتعاون أو التخويف من التنازلات.

وأحب هنا أن ألفت إلى نقطة مهمة، وهي: إننا لا ندعو إلى تنازلات متبادلة، فلا نريد من السنة أن يتنازلوا عن شيء من معتقداتهم، ولا نريد من السلفيين أن يتنازلوا عن شيء من معتقداتهم، ولا نقبل نحن الشيعة أن نتنازل عن شيء من معتقداتنا وآرائنا، التنازل ليس مطلوبًا وليس واردًا فيما نقوم به من مساعي الوحدة والتقارب، إنما المطلوب التنازل عن الإساءات، فلا تكون هناك إساءة من هذا الطرف للآخر، وكذلك المطلوب هو تجاوز حالة القطيعة.

وأود أن أضيف هنا أن الذين يتحدثون عن التنازلات يزايدون على البعض في مجتمعاتهم، وكأنهم الأكثر حرصًا على مذهبهم أو على عقيدتهم، بينما غالبًا ما يكون هؤلاء المزايدون هم الأقل فاعلية والأقل نشاطًا حتى في الدفاع عن مذهبهم وعن فكرهم، لكن المسألة في كثير من الأحيان تكون في إطار المزايدة ورفع الصوت للفت الأنظار، ولذلك أصر على مسألة مهمّة، وهي ألا نخضع لهذه الضغوط، وأن نكون حاسمين في الدعوة إلى وحدة هذه الأمة، وفي تجاوز الشقاق والنزاع، وكما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ، وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً[سورة الأحزاب، الآية: 39]، ونحن في ذلك نراهن على وعي الناس في مجتمعاتنا؛ لأنها الآن أصبحت أوعى من الماضي، وكذلك يجب أن نراهن على وعي هذا الجيل الجديد، وعلى تطلعه لطي صفحة ذلك التاريخ المظلم والمرحلة السيئة التي عاشتها مجتمعاتنا وأمتنا.

خطوات جادّة نحو ميثاق شرف

سؤال صرح الشيخ العبيكان عن مشروع تحدث معكم عنه ـ كما ذكر ذلك في بعض وسائل الإعلام ـ، أين ذهب هذا المشروع؟ وما الذي حصل له؟

عبد المحسن العبيكانجواب أحسنت، ذكرتني ذكرك الله بالخير، لقد نسيت الإشارة إلى موقف الشيخ العبيكان؛ لأني أعتقد أن فضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان من الشخصيات التي كانت جريئة في الإعلان عن هذا الأمر وفي التحدث حول هذا الموضوع، ولقد التقيناه أكثر من مرة، وفي بعض اللقاءات حضر مجموعة من العلماء من السلفيين وبعضهم كانوا من المتشددين وذوي المواقف الحادة تجاه الشيعة ومن مختلف المناطق الخليجية، حضر معنا بعضٌ من هؤلاء العلماء بعض اللقاءات، واتفقنا مع الشيخ العبيكان على أن يكون هناك تواصل، وأن يكون هناك ميثاق شرف يتفق عليه المواطنون السنة والشيعة في المملكة، إذ كنا نتحدث ـ حينها ـ عن الإطار الوطني في المملكة، وأن يكون هناك اتفاق نحمي ـ من خلاله ـ وحدتنا الوطنية، ونتعاون داخل إطارنا الوطني، ونتجاوز به حالة الإساءات وسوء الفهم.

وكانت هناك صياغة لهذا الميثاق، وقد راجعنا الصياغة وشاركني في ذلك بعض العلماء الأجلاء من منطقتنا، حيث شارك بعض علماء الشيعة في حضور هذه اللقاءات، كما أنه حضر من طرفه بعض العلماء الآخرين.

وقد اتصلت ـ مؤخَّرًا ـ مع الجهة التي عملت على تهيئة هذه الفرصة، فوجدت أن هناك عزمًا على معاودة السعي في هذا الإطار.

سماحة الشيخ، الوقت سرقنا، شكرًا لكم على هذه الفرصة...

إخواني الحضور،  شكرًا لكم على حسن الاستماع .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.