اضطرابات مصر ومسألة الأقليات

الخطبة الأولى: الغنى والثراء النفسي

ورد عن رسول الله أنه قال: ليس الغنى من كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس. وورد عن أمير المؤمنين ع أنه قال: فقر النفس شر الفقر.

لا يقتصر مفهوما الغنى والفقر على الجانب المادي والاقتصادي في حياة الأفراد، وإنما يرتبطان على نحو وثيق بالجانب المعنوي والروحي للأشخاص كما تشير لذلك النصوص الإسلامية.

الغنى والفقر في الأصل مصطلحان اقتصاديان يرتبطان بمدى امتلاك الإنسان للثروات والإمكانات المادية، فإذا كان الفرد يمتلك مستوى من الإمكانات المادية فيوصف حينها بالغنى، أما إذا لم يكن يمتلك تلك الإمكانات فسينعت بالفقر، ذلك هو المعنى اللغوي والاقتصادي للغنى والفقر، إلا ان الثقافة الإسلامية نقلت هذين المصطلحين إلى ميدان التربية والأخلاق فتحدثت عن غنى وفقر النفوس لا فقر المال فحسب. فهذه النصوص توجهنا وترشدنا إلى أن هناك ثروات روحية معنوية يمتلكها بعض الناس ويفتقر لها آخرون. من هنا ينبغي أن يحرص الإنسان على امتلاك الثروات المعنوية أكثر من أي شي آخر، فهي الأهم بالنسبة لشخصية الإنسان.

لا تناقض هنا بين غني النفس وغنى المال، فليس معنى الثراء المعنوي الروحي أن يكون الإنسان فقيرا معدما، ولكن المقصود أن تكون الأولوية عند الإنسان لاكتساب الثروات الروحية والإمكانات المعنوية، وإذا ما حصل على الإمكانات المادية فلا ينبغي أن تشغله عن اكتساب الإمكانات الروحية. من هنا ورد الحديث عن النبي (ليس الغنى من كثرة العرض) وهي الإمكانات المادية - (ولكن الغنى غنى النفس) أن تكون نفس الإنسان ثرية روحية.

إن امتلاك الفرد لإمكانات مادية كبيرة سيظل غير ذي جدوى ما دام خاوي الوفاض معنويا وروحيا، بل سيكون حقيقة في أشد أنواع الفقر وشره. إن غنى النفس هو ثراؤها بالملكات الفاضلة والسمات النبيلة، فيما الفقر الفعلي ليس سوى انعدام تلك الملكات أو ضعفها في نفس الإنسان، فامتلاك الفرد لخصال المروءة والعزة والبذل والعطاء والصبر والقناعة وحسن الخلق وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة هو الثراء الحقيقي, وإن كان معدما من الناحية المادية، ومن افتقد هذه الخصال فهو فقير مهما كانت إمكاناته المادية. ورد عن أبي ذر الغفاري قال رسول الله (يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت نعم يا رسول الله، قال: فترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله. فقال : إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب). وجاء عن الإمام علي قال (فقر النفس شر الفقر).

ليس هناك من تعارض في اجتماع الثراء المعنوي الروحي من جهة والثراء المادي من جهة أخرى، فالسعيد من اجتمع له الأمران. غير إننا عند المفاضلة بين الأمرين سنجد سلسلة عناصر تجعل من الثراء المعنوي أكثر قيمة بمراحل من الثراء المادي بمفرده، وذلك للأسباب التالية:

أولا: الثراء المعنوي باق مع الإنسان، بينما الثراء المادي معرض للزوال في أي لحظة. فالإنسان الذي يمتلك صفات نبيلة فإنها تبقى معه ما بقي الدهر، ولكن من يمتلك عقارًا أو منصبًا، فلا يضمن بالتأكيد بقاء المال أو المنصب بحوزته، ولذا فالثروات المعنوية هي الأبقى والأكثر دواما.

ثانيا: الثراء المعنوي مصدر رضا وسعادة، بينما الثراء المادي قد لا يحقق ذلك بالضرورة. فالشخص الذي تكون نفسه ثرية معنويا، سيعيش على نحو تلقائي في راحة وسعادة، بينما قد يعيش الآخر الذي يمتلك الثروات المادية وهو مفتقر إلى الثروات الروحية حالة من الاضطراب النفسي وعدم الاستقرار، وهذا ما نسمع عنه ونلحظه عند كثير من الأثرياء. فالناظر من بعيد للواحد من هؤلاء يراه يتقلب في الثراء المادي، فيخيل للآخرين تبعا لذلك بأن هذا الثري في غاية الراحة والسعادة لوسع داره، وفخامة سيارته، وتعدد إمكاناته، لكن وبقليل من الاطلاع على تفاصيل حياة هذا الثري وعلى حقيقة واقعه, فقد تكتشف بأنه يعيش الاضطراب الروحي, وعدم الانسجام النفسي, ضمن تعاطيه مع مختلف الأمور.

كتبوا مرة خلال مشكلة انهيار سوق الأسهم التي مرت على المملكة قبل سنوات، أن إنسانًا محدود الدخل جمع كل ما عنده وأضاف عليها بعض القروض المالية التي بلغت بمجملها ما يقارب 400 ألف ريال واستثمرها في سوق الأسهم. وشخص آخر كان عنده ثروة مالية شخصية قدرت بـ 100 مليون ريال، فاقتطع نصفها ليستثمرها في سوق الأسهم، وحين وقعت الخسارة وانهار السوق، خسر الاثنان، ولكن من خلال ردة فعل الاثنين على مسألة الخسارة ظهر المعدن الروحي لكليهما، فالشخص محدود الدخل تأثر بالخسارة نفسيا على نحو محدود، ذلك لأنه يمتلك ثراء روحيا دفعه لتسليم أمره لله تعالى والتوكل عليه، فواجه المشكلة حتى تغلب عليها. لكن الآخر الثري ماديا، والخاوي روحيا، لم يتحمل الأمر فأصيب بالاكتئاب وعانى أمراضًا ومعاناة شديدة، مع أنه لا يزال يحتفظ بخمسين مليونا هي النصف الآخر لثروته.

حينما لا يكون هناك ثراء روحي وثقة بما في يد الله سبحانه فإن الثراء المادي قد يجلب الشقاء على الفرد، هنا يكمن الفارق الجوهري بين الثراء المادي والثراء المعنوي، ورد عن رسول (من أراد أن يكون أغنى الناس فليكن ما في يد الله أوثق منه مما في يد غيره).

ثالثا: الثراء المعنوي يدفع الإنسان إلى حسن التعامل مع محيطه الاجتماعي، بينما الثراء المادي الأجوف روحيا قد يجعل الإنسان غير منسجم مع محيطه. فمن يتمتع بالغنى الروحي سيصل رحمه, ويحسن إلى الآخرين, ويبذل من ماله في سبيل المجتمع, ويتواضع للناس، ولكن حينما لا يكون كذلك فإن رغبته في الثروة تقوده لسوء التعامل مع الآخرين، وقد رأينا وسمعنا عن أشخاص دخلوا في مشاكل لا تنتهي حتى مع آبائهم وامهاتهم ووصلوا إلى أروقة المحاكم لخلافات لا تعدو عن نزاع على قطعة أرض أو مبلغ من المال!. إنما يقع في هذا الأمر من يكون نهمه وراء المادة على نحو صرف، مفرغا جوانحه من أدنى ثراء روحي ومعنوي.

جاء في أحد التقارير أن أختين كانت إحداهما متزوجة من رجل محدود الدخل, فيما الثانية متزوجة من ثري مقتدر، فكانت زوجة الرجل محدود الدخل تنظر إلى أختها وتتمنى لو كانت مثلها, وتغبطها على ما هي عليه من الثراء، لكن حين تكشفت الأمور أمامها, ظهر أن أختها التي تعيش تحت ظل الزوج الثري لم تكن تشعر بالسعادة، لأن زوجها غير مهتم بها, ولا يؤدي الحقوق تجاهها، فعينه مفتوحة على أعراض الناس، بينما كانت الأولى تنعم بالراحة مع زوجها, حيث يمنحها كل محبته واهتمامه, ويحسن معاملتها، وهنا يظهر بلا شك جانبا الفرق بين الثروات المادية والثروات المعنوية. لذلك ورد ضمن أحاديث التزويج أن لا يعتمد معيار المال في أهلية الشخص المتقدم في طلب الزواج بل يعتمد معيار الخلق والدين، وفي الحديث (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه)، ولم يتناول الحديث مقدار ثروة الشخص وإمكاناته المادية، كما ورد عن الإمام الصادق (أتدري ما الصعلوك؟ فقلنا القليل المال. فقال لا وإنما هو الذي لا يتقرب إلى الله بشيء من ماله). فما قيمة المال ونفعه إذا لم يجد به على الناس ووجوه الخير.

وورد عن امير المؤمنين (جود الفقير أفضل جود)، ونحن نرى من وحي الواقع أن غالب الذين يدفعون الحقوق الشرعية من يكون الفائض المالي السنوي عندهم أقل من 50 ألف ريال إلى 100 ألف ريال، ولكن من يكون الفائض السنوي عنده يزيد على عشرين مليون ريال فليس من السهل على بعضهم أن يخرج خُمس وزكاة أمواله، ولا نريد التعميم هنا، فهناك الكثير من أهل الخير ممن يوفقهم الله تعالى فيبذلون باستمرار ما بوسعهم في أوجه البر.

رابعا: الثراء الروحي ضمان للمستقبل الأخروي. فالإنسان في هذه الحياة مهما امتلك من وسائل الثروة، لكن مآله الموت في نهاية المطاف. ولنضرب مثلا بسيطا لتوضيح الفكرة بين الدنيا والآخرة؛ فلو أن إنسانًا ذهب إلى بلد ليقيم فيها مدة مؤقتة، وعرض عليه شخص أن يقيم هذا الشهر منعمًا مكرمًا كعيشة الملوك ولكن بشرط أن تتنازل عن كل ممتلكاتك في بلدك، فهل هناك عاقل يقبل بذلك؟ بالطبع لا! فهي إقامة مؤقتة وهو بحاجة إلى سكن دائم وإمكانات دائمة. كذلك الإنسان في هذه الدنيا فهو يعيش حياة وإقامة مؤقتة قد يحرص خلالها على امتلاك الثروات ولكن ماذا عن الحياة الآخرة؟ من هنا وصف ربنا الحياة الدنيا بقوله عز وجل ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، ان من يمتلك الثراء الروحي والمعنوي يجهد في التفكير في دار مستقره في الآخرة, ويسعى من أجل أن يصبح هناك في أحسن حال. فكما ينبغي على المرء ترتيب أوضاعه في الحياة الدنيا، ينبغي عليه في الوقت نفسه ترتيب وضعه في الآخرة، فالمقياس الحقيقي للغنى والفقر يكون في يوم القيامة وفي الدار الآخرة، ورد عن أمير المؤمنين (الغنى والفقر بعد العرض على الله تعالى).

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الأثرياء في معنوياتهم ومادياتهم.

الخطبة الثانية: اضطرابات مصر ومسألة الأقليات

﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون.

تأتي حاكمية العدل في التعامل مع أصناف الناس ضمن أعلى سلم المبادئ الرائعة للشريعة الإسلامية، غير أن تطبيقات ذلك على الأرض تبدو بعيدة المنال في أحيان كثيرة. تفيض مبادئ الإسلام بالإنسانية والمحبة والعدل والإحسان، وتأتي في طليعة هذه المبادئ مبدأ حاكمية العدل في التعاطي مع الناس، سابقة على الأحاسيس والمشاعر والمواقف الشخصية تجاههم، فقد يكون لدى الإنسان، لسبب أو لآخر، غضاضة تجاه أحد يترتب عليها انعدام الود بين الطرفين، لكن مع ذلك ينبغي أن لا يكون الموقف النفسي من الآخر مبررا للاعتداء على حقوقه، هذا هو المبدأ الأساس في الإسلام, سواء كان في التعامل مع الأفراد أو بين الجماعات والفئات، فإذا ما كره أحد فئة معينة من الناس، لأفكارهم أو عاداتهم أو دينهم أو لأي سبب آخر، فهذا شيء يخصه، ولكن لا يجوز له أن يترجم هذه المشاعر عدوانا عليهم ونيلا من حقوقهم. ان أمر الثواب والعقاب على المشاعر والأحاسيس تجاه الآخرين موكول لله سبحانه وتعالى، غير ان المهم في هذه الحياة الدنيا هو شكل وسبل التعامل مع هؤلاء الآخرون.

لو طبق المسلمون المبادئ الإسلامية سيما "حاكمية العدل" لكانت مجتمعاتنا من أكثر المجتمعات الإنسانية استقرارًا وانسجامًا. ان مما يؤسف له بشدة أن هناك بونا شاسعا ومسافة واسعة بين هذه التعاليم وواقع المجتمعات الإسلامية غالبًا، ولذلك أصبحت مجتمعاتنا مسرحا للاضطرابات والفتن والهزات الاجتماعية، بينما عاشت المجتمعات الأخرى استقرارًا سياسيا ونموا اقتصاديا، لا لشئ سوى أنها طبقت ما نحن بصدده من مبادئ إسلامية وإنسانية عظيمة. لم يعد هناك ثمة مشكلة بين الجماعات والفئات المختلفة داخل المجتمعات المتحضرة، سيما وقد دفعوا في الماضي أثمانا باهظة في الحروب المستعرة فيما بينهم، لكنهم تجاوزوا حالة القطيعة وتعايشوا مع الاختلاف الطبيعي بين البشر، فانعكس ذلك استقرارا اجتماعيا في حياتهم، في مقابل ذلك لا تزال المجتمعات الاسلامية تفتقر إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي نتيجة عدم تجاوز مأزق التعايش السلمي بين مختلف الفئات.

يقول الله سبحانه وتعالى ﴿ولا يجرمنكم أي لا يحملنكم ويدفعكم ﴿شنآن قوم بغض قوم، ﴿على أن لا تعدلوا، بمعنى أنه لا يصح أن تكون العداوة مدعاة لعدم العدل مع من تكرهونهم ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى، وقد تحدث المفسرون بأن مورد نزول هذه الآية كان التعامل مع المشركين، وبعضهم قال بأنها نزلت حول التعامل مع اليهود، وبالإجمال فالآية تشدد على الاحتكام الى قيمة العدل كمعيار أعلى في التعامل مع الآخر المختلف دينيا وفكريًا.

ان أكبر ضمانة لاستقرار المجتمعات هي اعتماد مبدأ المواطنة وأن يعيش الجميع في ظل نظام يساوي بينهم في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص.

تابعنا بألم ما حدث في مصر في الأسبوع المنصرم من اشتباك دموي بين المسيحيين الأقباط وعناصر الأمن فيما عرف بأحداث ماسبيرو يوم 9 أكتوبر 2011م اثر خروج مظاهرة للأقباط احتجاجًا على هدم كنيسة لهم في أسوان، ووقع في الاشتباكات حوالي 26 قتيلاً وأكثر من 156 جريح، وشهد الوضع السياسي المصري اثر ذلك حالة استنفار خشية وقوع فتنة كبرى. ان حادثة من هذا القبيل مرشحة للوقوع في مجتمعات عديدة بسبب اختلاف العرق، القومية، الدين او المذهب، ولكن السؤال هو؛ لماذا تبقى هذه الاضطرابات مرشحة لتكرار وقوعها في مجتمعاتنا؟ ومتى يمكن لها أن تتجاوزها؟. حقيقة الأمر لا نحتاج إلى معجزة وحلول سحرية لتجاوز هذا الأمر، فالحل جاهز وممكن، وهو أن نستفيد ونتعظ من تجارب الشعوب الأخرى.

ان هيمنة الشعور بالتعالي عند فئة من الشعب، وبقاء الفئة الأخرى تحت سيطرة الشعور بالاضطهاد -سواء كانت هذه الفئة أقلية أم أكثرية- هو ما يجعل العلاقة هشة, والنسيح الاجتماعي قابلاً للاختراق والتمزق، من هنا مثّل مبدأ المواطنة أساسا لتعايش سلمي بين الجميع.

وثاني ضمانات الاستقرار يكمن في سيادة ثقافة التعددية وقبول الآخر، وذلك مبدأ ديني شدد عليه ربنا سبحانه وتعالى في الآية الكريمة ﴿لكم دينكم ولي دين، ويقول كذلك ﴿لا أكراه في الدين. فحينما يسود الاحترام المتبادل يتحقق الانسجام في المجتمع، أما إذا سادت وسائل التعبئة والتحريض على الكراهية بسبب اختلاف الدين أو الرأي أو التوجه, فإن المجتمع يبقى مهيئا للاضطراب والفتن والمشاكل. فالحل يكمن في هذين المبدأين؛ اعتماد المواطنة في العلاقة مع كل المواطنين، وسيادة ثقافة التسامح والتعددية واحترام الآخر.

كيف تصل مجتمعاتنا وشعوبنا إلى الحل الجذري لمشكلة ادارة الاختلاف بين فئات الوطن؟ نحن نعلم في هذا السياق أن المسألة مضى عليها قرون، فقد عاشت الأمة الإسلامية في ظل الاستبداد وهيمنة الرأي الواحد لقرون طويلة وتربت عليها أجيال متعاقبة، حتى أصبحت هناك مكتسبات للفئات المهيمنة على حساب الفئات المهمشة بحيث لم يعد من السهل على الفئة الأولى التنازل عن تلك المكتسبات يسهولة، نحن ندرك هذا الأمر، كما نعلم ان مشكلة العنصرية في أمريكا على سبيل المثال لم تحل في يوم وليلة، وإنما احتاجت إلى عقود طويلة من الزمن حتى تعالج مختلف جوانبها على المستوى العام، ومع ذلك لا زالت آثار العنصرية موجودة في المجتمع الأمريكي على المستوى الفردي. ما العمل إذن؟ للجواب على هذا السؤال نحن بحاجة إلى أن نتجه إلى الحلول الجذرية، عبر إجراء سلسلة خطوات، منها:

الأولى: الاعتراف بوجود خلل في إدارة الاختلاف بين فئات الوطن

إن مشكلة كثير من بلداننا تكمن في أنها لا تريد الاعتراف بوجود هذه المشكلة، فتتظاهر حكومات هذه البلدان عوضا عن ذلك بأن كل شيء على ما يرام، بل لا تتردد في الإعلان بخلاف الواقع بأنها تنظر لجميع مواطنيها باعتبارهم سواسية كأسنان المشط! متناسية حجم التمييز القائم.

حالة التنكر هذه لن تساعد في حلحلة المشكلات بل هي سبب أساس في تعميق المشاكل وزيادة تعقيدها يوما بعد آخر، إن سلوكا من هذا القبيل يشبه إلى حد كبير سلوك النعامة التي تدس رأسها في التراب، فيما تضل المشكلة قائمة ما بقي التنكر لها مستمرا.

هنا لابد من الإشارة إلى أن الجهة غير المتضررة من التمييز لا تشعر غالبا بهذه المشكلة، فتتنكر تبعا لذلك لوجودها من الأساس، ولكن الآخرين من ضحايا التمييز هم من يشعر بوطأته صبح مساء. لابد قبل أي شيء آخر من أن نتحلى بالشجاعة والصراحة مع أنفسنا, ولنعترف بأن هناك مشكلة تمييز تنخر الكيان الاجتماعي في بلداننا ، تماما كسائر المجتمعات البشرية التي كانت وما زال بعضها يعاني من ذات المشكلة، فالاعتراف بمشاكلنا ليس عيبا، ولكن العيب كل العيب هو في التستر على المشكلة والتنكر لها. ان محاولة التنصل من المسئولية في اندلاع مشكلاتنا الداخلية التي تعود إلى جذور محلية محضة، وإلقاء اللوم على هذا الطرف الخارجي أو ذاك لن يساهم في حل هذه المشكلات، بل سيأخذنا بعيدا عن تسوية مشاكلنا، ولعل ما حصل من اشتباك طائفي في مصر مؤخرا ليس سوى مظهر من مظاهر المشكلة القائمة في المجتمعات الإسلامية.

ثانيا: امتلاك إرادة الحل

لابد من وجود إرادة حقيقية وفعلية لابتداع الحلول لمشكلاتنا البينية. إن اعتماد سياسة الالتفاف والتحايل على المشاكل قد يؤجلها بعض الوقت، لكنه لن يساهم في حلها بأي حال، فقد تنفجر المشكلات مجددا في أي وقت لاحق. من هنا نبعت الحاجة لوجود إرادة فعلية للحل. كما ان الاقتصار على الحلول الأمنية لن يجدي هو الآخر نفعا، اذ لن تعدم المشاكل سبل التعبير عن نفسها بشكل آو بآخر، فلابد من التوجه لحل المشكلة ورفع معاناة المتضررين من سياسة التمييز القائمة, وذلك بابتداع الحلول السياسية، الاجتماعية والثقافية حتى نستأصل مشكلاتنا.

ثالثا: تلاقي العقلاء من الأطراف المختلفة

ان بروز التشدد في هذا الطرف أو ذاك ليس سوى إفراز طبيعي لوضع سياسي واجتماعي غير سوي. من هنا كان على العقلاء من مختلف الأطراف أن يتداعوا فيما بينهم خاصة وقت الأزمات، سواء من داخل أجهزة الحكومات أو الأطراف المختلفة، وذلك لغرض امتصاص حالات التشنج التي تفرزها الأوضاع المتوترة. نحن نقول ذلك مع كامل إدراكنا لصعوبة موقف العقلاء والمعتدلين حين تطل الفتن والاضطرابات برأسها، فهم في مرمى الاتهامات من كل جهة، ذلك لأن كل طرف من المتنازعين يريد من المعتدلين الوقوف إلى جانبه، وإذا ما قدم هؤلاء العقلاء رأيا معتدلا فإن المتشددين من كل الأطراف سيرشقونهم بالاتهامات..

رابعا: محاصرة الحوادث الطائفية

المشكلات الطائفية غالبا ما تندلع نتيجة حوادث جزئية، فإذا لم تحاصر هذه الحوادث وتواجه بالشكل السليم فإن رقعتها قد تتسع وتتعمق. وبالعودة للاشتباكات بين الأقباط والمسلمين في مصر نجد بأن شرارتها غالبا ما تعود لخلاف على بناء كنيسة أو نزاع على قطعة أرض أو زواج مسلم من قبطية او العكس، وهذه في مجملها قضايا جزئية, وإن كانت بالتأكيد أعراضاً لمشكلة طائفية داخلية عميقة, ومرشحة للانفجار في أي وقت. هنا لابد من الإشادة بالموقف العام في الساحة المصرية إزاء اندلاع الاشتباك الطائفي الأخير، فالمصريون تعاملوا مع ما حصل في الأسبوع المنصرم تعاملا حضاريا على مستوى الآراء والمواقف، وهذا بالتأكيد سيساعدهم في الخروج من هذه المحنة لا بل سيقربهم من الحلول الجذرية.

ان نسبة الأقباط في مصر والتي لا تتجاوز العشرة في المائة من السكان لم تكن سببا لتجاهل مشكلتهم من مختلف المستويات السياسية، الدينية والثقافية. لقد كانت القيادات في مصر بمستوى الحدث من خلال تعاملها الحضاري المسئول والإيجابي. فقد دان شيخ الأزهر الدكتور محمد طيب الفتنة واتخذ جانب الحكمة ودعا إلى التلاقي والحوار، وعمل على جمع مختلف أطراف النزاع فساعد على إطفاء الفتنة. هذا هو الدور الحكيم والمتوقع من القيادات الدينية بدلا من دخولها على خط الاضطرابات كعامل تأزيم, عبر توجيه الاتهامات ورمي الآخرين بتهم الولاء للخارج. اذ تكمن إحدى مشكلاتنا العويصة في تورط بعض الجهات الدينية والرسمية في صب الزيت على نار الفتنة بتصريحاتهم غير المسئولة، في حين كان ينبغي على هذه الجهات أن تكون أطرافا جامعة تعمل على أساس قول الله سبحانه وتعالى ﴿إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم.

ان من يريد معالجة المشكلات الطائفية فسيجد السبيل سالكا، أما من يبحث عن الاتجار بالمشاكل ويلتف على حلها فسيقول أي شيء ويبرر أية أفعال، لكن المشكلة ستبقى والخسارة ستكون على الوطن. لقد كان لافتا في الأزمة الأخيرة موقف رئيس الوزراء المصري الدكتور عصام شرف باعتباره رأس الهرم السياسي، فقد كان خطابه ناضجا معتدلا دعا فيه رجال الدين الإسلامي والمسيحي ورجال الإعلام والثقافة والفن، لتحمل مسؤولياتهم الوطنية, لسد الثغرات في نسيج الأمة, والتي تمكن مثيرو الفتن من النفاذ منها، وشدد في آخر خطابه القول مخاطبا جميع المصريين "أثق في وطنيتكم وإخلاصكم وإيمانكم بالله والوطن واحذروا الفتنة بينكم". هذان الخطابان الديني لشيخ الأزهر والسياسي لرئيس الوزراء هما اللذان سيمكنان المصريين من تجاوز هذه المحنة إن شاء الله.

والأهم من إلقاء الخطابات هو التوجه العملي للمعالجة حيث بدأ طرح بعض المشاريع ومنها إقرار قانون مكافحة التمييز الديني، ويتضمن القانون فرض عقوبة السجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه مصري أو بإحدى هاتين العقوبتين على من يرتكب جريمة التمييز بين المواطنين المصريين. وعرف مشروع المرسوم الجريمة بأنها أي عمل أو امتناع عن عمل يكون من شأنه إحداث التمييز بين الأفراد أو ضد طائفة من طوائف الناس بسبب الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وتترتب على هذا التمييز إهدار تكافؤ الفرص أو العدالة الاجتماعية أو تكدير للسلم العام. هذا هو مشروع الحكومة المصرية والذي يجري طرحه للمناقشة.

وعلاوة على ما سبق قررت الحكومة المصرية تشكيل بيت العائلة المصرية. فقد طرح رئيس مجلس الوزراء قرارًا بإنشاء بيت العائلة المصرية برئاسة شيخ الأزهر والبابا شنودة الثالث. ويضم هذا البيت الزعامة الدينية للمسلمين الذين يمثلون 90% من السكان وزعامة الطائفة القبطية التي تمثل بالكاد 10% من المصريين، دون أن يجد شيخ الأزهر أي غضاضة في الجلوس على قدم المساواة مع زعيم الأقباط ورئاسة بيت العائلة بالتناوب، غير ناظر لضآلة نسبة الاقباط من تعداد السكان العام. ويهدف بيت العائلة المصرية إلى الحفاظ على النسيج الاجتماعي لمصر بالتنسيق مع جميع الهيئات والوزارات في الدولة.

نحن معنيون بالعمل من أجل الأمن والاستقرار وبناء علاقات أفضل بين كل فئات وشرائح الوطن. إن من مسئوليتنا كبح جماح الأفكار المتشددة لدى مختلف الأطراف حتى لا يعود ضررها على المجتمع والوطن، وأخيرا نحن في أمس الحاجة إلى الحكمة والتعقل من كل الأطراف حتى تستطيع مجتمعاتنا الإسلامية تجاوز هذه الفتن والوصول إلى شاطئ الأمن والاستقرار.

نسأل الله سبحانه أن يحفظ الأمن في بلادنا وبلاد المسلمين جميعًا.

وللاستماع:

«الخطبة الأولى: الغنى والثراء النفسي»

«الخطبة الثانية: اضطرابات مصر ومسألة الأقليات»

* خطبة الجمعة بتاريخ 16 ذو القعدة 1432هـ الموافق 14 أكتوبر 2011م.