حادث العوامية والتعبئة الطائفية

الخطبة الأولى: الاهتمام بالسلوك الاجتماعي

ان الالتزام بالقيم الأخلاقية وحسن السيرة والسلوك ليس واجبا فرديا يحققه الإنسان في حدود حياته الخاصة، بل هو مهمة اجتماعية لتحقيق الإصلاح العام.

ان من صميم مسئوليات الإنسان المؤمن ذكرا كان أم أنثى, أن يسعى لكي يكون المجتمع كله ملتزما بالقيم, ولكي يكون كل أفراده ملتزمين بحسن السيرة والسلوك. صحيح  أن الفرد المسلم مسئول بالدرجة الأولى عن نفسه، لكن ذلك لا يعني الوقوف ضمن حدوده الذاتية، وبمعنى آخر لا يصح أن يكون لا مباليًا أو غير مهتم بالسلوك العام في مجتمعه، بل عليه أيضا السعي لإصلاح غيره. ضمن هذا السياق جائت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هي سائر الفرائض الدينية، بل تشير النصوص بأن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها أولويتها على سائر الفرائض، فقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي)، وورد في رواية عن الإمام محمد الباقر : (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء فريضة تقام بها الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر).

والمعروف لغة هو كل ما دعا إليه الشرع وأمر به، واجبا كان أو مستحبا، وكل ما كان مفيدا لبني البشر على مستوى الأفراد أو المجتمع، وأما المنكر فهو كل ما نهى عنه الشرع سواء على مستوى التحريم أو الكراهية، وكل ما كان سيئا في حياة الفرد أو المجتمع. وبهذا فكل فرد في المجتمع مسئول عن التبشير بسلوك الخير والصلاح, وأن يدعو له, ولا يكتفي بالالتزام والتطبيق ضمن حدوده الشخصية.

هناك ثمة خط رفيع بين مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة وبين حرية الإنسان في التصرف ضمن حياته الخاصة. لقد تعمق في عصرنا الراهن مفهوم احترام الخصوصيات الفردية، وأن لكل إنسان الحرية في التصرف ضمن حياته الخاصة وعدم أحقية أحد في التدخل في شئونه الشخصية. من المهم في هذا الاطار أن نرفع اللبس القائم لدى البعض بين احترام خصوصية الافراد، وبين واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمع الإقرار التام بحرية الانسان في التصرف ضمن اطار حياته الخاصة، لكن دعوة الآخرين إلى ما فيه مصلحتهم يبقى أمرا محبذا عقلا وشرعا. ولعل ذلك هو سبب الدعوات المستمرة لأن يحترم عامة الناس القوانين العامة وأن يلتزموا بها، كما تدخل في ذات السياق قضايا الصحة العامة ونظافة البيئة، ذلك لأن هناك تداخلا جوهريا بين الخاص والعام في حياة الناس، كذلك الأمر يمكن القول ان إرتكاب السيئات لا يؤثر على مرتكبيها وحسب وإنما يترك اثره كذلك على المحيط الاجتماعي. وعلاوة على ما سبق تتسم العلاقة بين الأفراد في المجتمع المسلم بخصوصية مهمة، فالإسلام يرى أن هناك علاقة وطيدة بين أبناء هذه الأمة بصريح الآية الكريمة: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والولي هنا هو المحب والناصر، وكأن هذا المقطع من الآية يؤسس لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمسلم عندما يأمر أخاه المسلم بالمعروف وينهاه عن المنكر، فإنما ينطلق من أرضية المحبة لأخيه، انه يحب أخاه المسلم وهو ناصره ومعينه على تجاوز الجوانب السيئة في شخصيته، ولذلك فهو ينبهه لتجنب الوقوع في الأخطاء. ذلك يشبه تماما حينما ترى إنسانا يوشك أن يقع في حفرة فتحرص على تنبيهه حتى لا يقع فيها، فهذا لا يعد تدخلا في شؤونه الخاصة بأي صورة من الصور، بل هو تدخل فيه مصلحة وفائدة له. من هنا لابد من نشر ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق الأساليب المحببة والمناسبة, التي تجعل الطرف الآخر يستجيب للأمر ويرتدع بالنهي.

ان تخير الأسلوب المناسب من حيث الطريقة والطرح هو أمر أساس في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلا صحة لأي اسلوب فظ ينال من كرامة أو شخصية الآخرين لمجرد خطأ ارتكبوه، حتى لو كان ذلك الأسلوب بزعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك ما يأتي بنتائج عكسية. ان عماد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم على الكلمة الطيبة، وكما ورد في الحديث عنه (الكلمة الطيبة صدقة)، فإذا كان عند إنسان خطأ معين, ورأى عددا ممن حوله يوجهونه لخطئه بالحسنى والكلمة الطيبة فذلك مما سيؤثر فيه حتما، وبعبارة أخرى يصنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جوا يتنبه فيه الإنسان المخطئ إلى خطئه دون أدنى شعور بخدش في شخصيته أو جرح لكرامته. ولنا أن نتذكر في هذا المقام ما ورد في الرواية حينما رأى الحسنان عليهما السلام شيخًا يتوضأ وضوء خاطئًا فاحتكماه في وضوئهما حتى يتنبه لخطئه. ان مسلكا على هذا النحو يشبه تماما كما لو رأينا قائد سيارة يقود في الاتجاه المعاكس للطريق، فسنستنكر كما يستنكر الآخرون، فيتنبه بذلك السائق إلى خطئه، فلعله كان مشتبها، فالإسلام يريد من الناس أن يمارسوا ذات الأسلوب في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فمن يخطئ ويتهاون في واجب فجميع من حوله معنيون بلفت نظره إلى ذلك الخطأ. وورد عن رسول الله (والذي نفسي بيده ما أنفق الناس من نفقة أحب من قول الخير).

إن بعض موارد تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط بالسلوك الاجتماعي العام, سواء كان ذلك الأمر واجبا أم مستحبا أم محرمًا أم مكروهًا. فلو تحمل كل واحد منا مسئولية تشجيع من حوله على حضور صلاة الجماعة مثلا لكانت المساجد عامرة بالهدى كما هي عامرة بالبناء. من هنا فنحن بحاجة إلى حملة دائمة لتشجيع الناس على حضور صلاة الجماعة, ولتجاوز حالة التهاون والتكاسل التي تمنع الكثيرين من حضور الجماعة، فليس من المقبول أن نجد مسجدا يتسع لألف مصل ثم لا نرى فيه إلا العشرات من المصلين، ان هذه المسألة تدخل في صميم المسئولية الاجتماعية التي تقع على عاتق الجميع.

كما ان من تطبيقات الأمر بالمعروف الاهتمام بالحقوق الشرعية، فنحن نعرف بعض الأشخاص يأتون ليدفعوا الحقوق الشرعية مدفوعين بتشجيع من بعض أقربائهم أو أصدقائهم، ان الأسلوب اللبق والحسن، هو ما يجعل منا شركاء في فعل الخير، فنكون سببا في تطهير مالنا ونمائه. نحن نتحدث مع أصدقائنا في أمور جانبية كثيرة, ونشجع بعضنا بعضا على أمور هامشية كالسفر سوية مثلا، فلماذا لا نشجع بعضنا بعضا على أمور هي أهم من ذلك بكثير، فلا يجب إن نستهين بذلك حتى لو كانت استجابة بعض الأطراف متواضعة في بعض الأحيان.

وعلى غرار ما سبق يتساوق النهي عن العنف الأسري, وسوء المعاملة داخل الأسرة مع النهي عن المنكر. ان قضايا العنف الأسري يفترض أن تنال قسطا وافرا من اهتمامنا، فإذا ما بلغ أحدنا أن هناك من يسيء معاملة زوجته أو عائلته، فلا يجوز أن نقف مكتوفي الأيدي، بل المطلوب المسارعة في الحديث معه ولو على نحو غير مباشر، كأن ترشده لقراءة موضوع يتناول هذه القضية, كما تبين له اشمئزازك من هذا التصرف، حتى يتنبه لخطئه، ذلك لأن كثيراً من النفوس مجبولة على الطيبة بطبعها ولا تحتاج سوى إلى تذكير فقط، فلا يجوز ان نتكاسل ونبخل على أنفسنا وغيرنا بقول كلمة الخير، يقول تعالى ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

وينطبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك على مسألة الاهتمام بالذوق العام ونظافة البيئة.  ان مما يدعو للاسف أن تجد شخصًا يفتح نافذة سيارته ويلقي ببعض الأوساخ في الطريق العام!، ذلك منتهى الاستهتار وقلة الذوق، كما انه خلاف نظافة البيئة، اضف إلى ذلك استمرار كتابة العبارات السيئة والبذيئة على جدران المدارس والمنازل من قبل العابثين، يأتي جميع ذلك مع شديد الأسف في ظل ازدياد مفترض في ثقافة الناس، ومعرفتهم بالسلوكيات غير الحضارية، فمن واجبنا أن نتصدى لهذه الظواهر وأمثالها.

ان من واجبنا أن نولي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قسطا وافرا من اهتمامنا، وأن نبعد عن أذهاننا بأنها فريضة عديمة الجدوى والتأثير، فالأفكار التي تروج على نحو ايجابي تترك أثرها حتما في الواقع الاجتماعي.

الخطبة الثانية: حادث العوامية والتعبئة الطائفية

لقد منّ الله سبحانه وتعالى على الجزيرة العربية بالأمن والاستقرار فور بزوغ الرسالة الإسلامية، غير أن الشيطان وجنوده ظلوا عبر الزمن، وحتى وقتنا الراهن يجهدون في إثارة الفتنة في أرض الجزيرة. لقد كان الناس في جزيرة العرب قبل الاسلام يعيشون حياة سيئة ومنحطة، وكان من أبرز سمات الانحطاط فيها عبادة الأصنام, إلى جانب الاحتراب الدائم, والنزاع المستمر فيما بينهم, كما يظهر ذلك تاريخ ما قبل الإسلام. وبعد جهود كبيرة بذلها الرسول الأكرم ترك  أهل هذه المنطقة عبادة الأصنام, وأصبحوا يعبدون الله عز وجل، كما توحدوا وأصبحوا أمة واحدة ألفّ الله بين قلوبهم، بعد أن كانوا قبائل متفرقة متناحرة، يقول الله عز وجل ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعتمه أخوانا.

يمكن القول إن خطر الوثنية  قد زال تماما من الجزيرة العربية, وقد ذهب إلى غير رجعة، غير أن خطر الاحتراب والنزال لازال خطرا ماثلا. فقد ورد في الحديث الشريف عن جابر بن عبدالله عن رسول الله أنه قال (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم). وهذا الحديث يظهر بجلاء أن خطر الوثنية وعبادة الأصنام قد زالت إلى غير رجعة من الجزيرة العربية، لكن الحديث الشريف يشير من جانب آخر إلى أن حالة النزاع والاحتراب والاختلافات لاتزال خطرا ماثلا. ان من الصحيح القول بأن هذا المجتمع نجح في صنع وحدة اجتماعية وسياسية فريدة على يد رسول الله ، لكن الصحيح أيضا بأن الشيطان وجنوده الآدميين ليسوا في وارد ترك المجتمع المسلم يعيش بسلام، بل سيسعون بمختلف السبل لاعادة الحياة في هذه المنطقة إلى ما كانت عليه من نزاع واحتراب، وهذا ما حصل في فترات متعاقبة من تاريخ هذه المنطقة، وذلك تحت عناوين مختلفة. ان الحديث الشريف يحذرنا على نحو واضح بأن لا نغفل عن مواجهة خطط وألاعيب الشيطان, الذي يسعى جاهدا لايقاع النزاع والشقاق بين أبناء المجتمع المسلم حتى في جوار بيت الله الحرام ومنبع الإسلام، لقد تضمن الحديث رسالة واضحة تحث على اليقظة الدائمة وعدم النوم على حرير الأمل، فالشيطان سيسعى دوما (للتحريش بينهم) يعني في إثارة البغضاء والضغائن بين سكان هذه المنطقة.

لقد استمرت حالات النزاع والمناوشات بين القبائل إلى عهد قريب سبق قيام  الدولة السعودية, التي وحدت أطراف الجزيرة العربية, فكان ذلك هو التطور السياسي الأبرز في تاريخ هذه المنطقة. من هنا وجب التفكير بشكل دائم في حفظ هذه الوحدة، والحرص على أن يعيش الناس في هذه المنطقة متآلفين متحابين يعاضد بعضهم بعضا, ويشعرون بانتمائهم الواحد إلى بلادهم ووطنهم، وهذا ما يستلزم نشوء مناهج وبرامج لتعزيز المواطنة, وتحقيق مسألة الاندماج الوطني، حتى لا تكون هناك إثارات يمكن أن تعود بالبلاد إلى مرحلة الخلافات والاحتراب القبلي. ان هدفا نبيلا من هذا القبيل يتطلب وجود مناهج تعليمية تربي الأجيال في هذا الوطن على التآلف والمحبة، فلا يصح أبدا أن نسمح بوجود ما يثير البغضاء والشحناء بين الطلاب وهم يدرسون في نفس المدرسة، فوجود إثارات طائفية في مناهج التعليم يعني أننا نبذر بذور البغضاء في نفوس هذا الجيل.

وكذلك الأمر على مستوى الإعلام، فوسائل الإعلام ينبغي أن تهتم بنشر ثقافة الوحدة والتآلف, وتذكير الناس بما يجمعهم, والإشارة إلى سيرة نبينا محمد وسعيه الدؤوب الى التأليف بين القلوب, وتجاوز الخلافات السابقة، فقد كان يغضب من كل من يثير نعرة من نعرات الجاهلية فيردد (دعوها فإنها منتنة، أبدعوى الجاهلية تدعون). ينبغي أن تنحى وسائل الإعلام باتجاه وأد الفتن, ونزع فتيل الأزمات بين مختلف مكونات المجتمع, حتى لا تعود بلادنا القهقرى.

إن مسؤولية الحفاظ على الوحدة وتأكيد التآلف داخل المجتمعات مسئولية مناطة بالجميع. تتساوى في هذا السياق أجهزة الدولة والمؤسسات الدينية والمثقفون والواعون. ان الجانب الديني المتمثل في الفتاوى والخطب الدينية ينبغي أن يعطي الوحدة بين المواطنين واندماجهم أهمية قصوى، ولو لم يكن من أمر سوى تحصين أبناء المجتمع من وساوس الشيطان, وسعيه للتحريش بين الناس عامة, وبين ساكني الجزيرة العربية بصورة خاصة, على حد قول النبي الأكرم لكفى.

على النقيض من ذلك، لازلنا نشهد مع بالغ الأسف سعيا للتعبئة بين المواطنين, وخاصة التعبئة الطائفية. ثمة هناك من يسعى بشكل دائم لاثارة مواضع النزاع والتفريق بين المواطنين, وتشكيكهم في بعضهم بعضا، وهذا مسعى يتطابق تماما مع أغراض الشيطان، فهؤلاء الذين يحرضون ويعبئون المواطنين طائفيا ومذهبيا إنما يحققون أهداف الشيطان، حتى أنك تجد هؤلاء سريعي الإستجابة لأي حدث طائفي أو مذهبي يقع في أي منطقة من مناطق العالم الإسلامي, بحيث يجرون نار المعركة الطائفية إلى بلادنا. فأين ما وقع حدث طائفي في لبنان, أو العراق, أو البحرين, فإنك ترى الأصداء الطائفية تتردد هنا بسرعة البرق، حيث يستغله دعاة الكراهية في تعبئة المواطنين ضد بعضهم.

إن وقوع أحداث سياسية في مختلف البلدان بين القوميات والطوائف والمذاهب المختلفة، ينبغي أن يكون دافعا لنا لحفظ وحدتنا على نحو أفضل، لا أن نستورد تلك الأخطار إلى بلادنا. وينسحب ذات الأمر على بعض الأحداث الداخلية التي تجري في بلادنا بين الحين والآخر، فإندلاع المشاكل في مختلف المناطق وبين مختلف القبائل والطوائف يكاد يكون أمرا عابرا، فلماذا تفسر ذات الأحداث على نحو طائفي وسياسي مبالغ عندما تجري في منطقة يقطنها المواطنون الشيعة مثلا، فتنطلق اثرها حالة من الهياج والتعبئة الطائفية الكريهة.

وكنموذج على ما سبق، ما جرى من حدث محدود في بلدة العوامية في محافظة القطيف من اشتباك بين رجال الأمن وبعض الأشخاص حيث قوبل هذا الحدث بتهويل كبير, وتشكيك طائفي ومذهبي, واتهام المواطنين بالولاء لبلد آخر!.

ان ممارسة العنف مدانة، ولا أحد يغطّي العنف لا ضد المواطنين ولا ضد رجال الأمن، ولا أحد من علماء الشيعة ولا في فكر الشيعة الدعوة للعنف، بل إن علماءنا تحدثوا كثيرًا حول العمل السلمي، واللا عنف، والعالم كله يعرف أن الثورة الإسلامية حينما قامت في إيران وأنزل الشاه المخلوع جيشه إلى الشوارع، أمر الإمام الخميني الشعب بأن ينثروا الورود على دبابات الجيش، ولم يسمح لهم باستخدام العنف، وفي ذات السياق ألفّ المرجع الراحل السيد الشيرازي أكثر من كتاب بخلاف عشرات المحاضرات التي تحدث خلالها عن نبذ العنف وتأكيد النهج السلمي، وهكذا سائر علماء الشيعة. فالعنف مدان، لا نقبل به ونرفض استخدامه تجاه أي كان.

إن حدث العوامية كان يجب أن يكون سببا لوحدة المواطنين والتفافهم أكثر حول بعضهم البعض, بتأكيدهم على الأمن والسلم, ومعالجة المشاكل بالحوار والطرق السلمية. غير أن المسئ في الأمر استغلال هذا الحدث في تأجيج الطائفية.

ومن المؤسف أن التصريح الرسمي حول هذا الحدث هو الذي أعطى الضوء الأخضر لهذه التعبئة الطائفية، فقد كان واضحا ان بعض عبارات بيان وزارة الداخلية حملت ضوءً أخضرا للبدء بهجوم وحملة طائفية تستهدف المواطنين الشيعة. ان هذا ليس في مصلحة الوطن، وله انعكاسات سلبية، وقد فتح الباب واسعا ومنح فرصة لوسائل الإعلام العالمية والإقليمية للحديث حول الموضوع، لأن البيان طرح الحدث في اطار بالغ من التهويل والتشكيك الطائفي والمذهبي، حتى بلغ حد الاتهام بالولاء لدولة آخرى ومرجعياتها. أن هذا الاتهام وان لم يعمم على  جميع المواطنين من أهالي المنطقة، لكنه كان بمثابة ضوء اخضر لتوجيه الاتهامات والتشكيك في ولاء هؤلاء المواطنين بالنظر الى وجود أرضية مهيأة أصلا، فجاءت هذه العبارة لتعطي فرصة للمتعصبين ليبدأوا حملتهم الطائفية.

ليس من مصلحة الوطن التعاطي على نحو مبالغ مع أي حدث عابر كحدث العوامية، بل السليم هو أن يعالج كأي حدث آخر، فينبغي أن يحقق فيه وتعالج خلفياته، ويعاقب المخطئ بعد ذلك.

ان رجال الأمن يتعرضون خلال عملهم لحوادث أمنية على مدار العام, فيقع من بينهم العشرات بين قتيل وجريح كما تشير إلى ذلك الصحف اليومية، فلا ينبغي أن تتحول حادثة محدودة إلى قضية طائفية. نحن ومع إدانتنا القاطعة لأي اعتداء على رجال الأمن، إلا اننا ندين في الوقت نفسه اسباغ الأبعاد الطائفية على هذا النوع من الأحداث. وعلى غرار ذلك، نرفض رفضا قاطعا حالة التعميم التي يقابل بها المواطنون الشيعة في كل مرة، فمع وقوع أي حدث من قبل أحد من الشيعة في الداخل أو الخارج, يطالب وجهاء الشيعة وخطباؤهم ومثقفوهم بأن يعلنوا ولاءهم وتبرؤهم!، وكأن الشيعة مدانون ويقبعون في قفص الاتهام دائما.

والسؤال هنا؛ لماذا تتعاملون معنا كالمجرم الذي ينبغي عليه أن يسجل حضوره كل يوم في مركز الشرطة؟

نحن لا نقبل هذا الأسلوب البغيض. ولنا أن نسأل في مقابل ذلك، لماذا حينما تحصل إساءات للمواطنين الشيعة لا يطالب هؤلاء أنفسهم بأن يتكلموا عنها، فقد تحدث ذات مرة إمام عينته الدولة للمسجد الحرام معلنا بكل صراحة عن تكفيره المسلمين الشيعة وخص علماءهم بالكفر، فلماذا لم نجد أي ادانة له في أوساطكم؟ لماذا سكت العلماء والدعاة والمثقفون والإعلاميون إلا قلة من الواعين الذين تحدثوا حول هذا الموضوع؟ لماذا لا تدينون هذا التكفير؟ ولماذا تسكتون حينما يمنع بعض الشيعة من اقامة صلاة الجماعة في مناطقهم؟ أيها الإعلاميون والكتاب والدعاة الذين تطالبوننا كل يوم بأن نتحدث ونثبت اهتمامنا بالوحدة والولاء لماذا لم تتحدثوا أنتم حول هذا الموضوع؟ هناك مواطنون يريدون أن يصلوا جماعة في مناطقهم فيمنعون! أليس هناك رجل رشيد، عالم، داعية، مثقف أو مفكر يحتج ويقول بأن هذا خطأ ولا ينبغي أن يكون؟ بل الأدهى، لماذا يمنع الشيعة في بعض المناطق من اتخاذ مقابر لدفن موتاهم، فيضطرون لنقل جثامين ذويهم إلى مسافات بعيدة حتى يدفنوا؟ هل هذا صحيح؟ ولماذا يحرم الشيعة من بعض الفرص الوظيفية فتسكتون؟ لماذا لا تتكلمون يا علماء السنة والجماعة؟

لماذا يسمح بدخول جنازة كل ميت مسلم إلى المسجد النبوي الشريف من أي بلد كان ولا يسمح الدخول بجنازة المواطن الشيعي إلى المسجد؟ وقد رأينا قبل أشهر كيف حرمت جنازة أكبر علماء الشيعة في المدينة المنورة وهو الراحل الشيخ محمد علي العمري من الدخول الى المسجد النبوي!. فلماذا لا تتكلمون يا من تطالبون الشيعة كل يوم باعلان رأيهم تجاه كل قضية؟ فإذا تحدث شخص ما في لندن طولبنا بالرد عليه، أو قامت مجموعة محدودة بحدث أمني في منطقة وجبت علينا الادانة!، والسؤال ماذا عنكم أنتم ولماذا تسكتون؟ فالوحدة الوطنية لا تحمى من طرف واحد وإنما يجب أن يتعاون فيها الجميع.

نحن ندين استخدام اللغة الطائفية والكيل بمكيالين، وندعو إلى التعامل مع الأحداث بحجمها وضمن اطارها الصحيح. نحن ضد الاثارات الطائفية والمذهبية ضد أي فئة من المواطنين، فكلنا مواطنون وننتمي إلى هذا الوطن وشركاء فيه ويهمنا أمنه، فانفراط الأمن يكون ضرره على الجميع. ان أهم نعمة أنعمها الله علينا هي نعمة الأمن والأمان، ولذلك نحن ندين أي عمل عنف تجاه أي مواطن أو رجل أمن أو مؤسسة حكومية أو أهلية، فذلك أمر مدان وينبغي أن نلتف حول هذا الموقف، لكننا في نفس الوقت ندين الأسلوب الطائفي في التعاطي مع الأحداث التي تقع في منطقتنا، يجب أن يتوقف هذا التوجه في اثارة التعبئة الطائفية المذهبية, وإلا فالضرر ليس على الشيعة وحدهم، بل هو على الجميع الدولة والوطن، كما انه يفتح منافذ يستغلها الأجانب والاعداء.

نسأل الله أن يصلح ما فسد من أمور المسلمين.

وللاستماع:

«الخطبة الأولى: الاهتمام بالسلوك الاجتماعي»

«الخطبة الثانية: حادث العوامية والتعبئة الطائفية»

خطبة الجمعة بتاريخ 9 ذو القعدة 1432هـ الموافق 7 أكتوبر 2011م.