العنف منزلق خطير

مكتب الشيخ حسن الصفار

الخطبة الأولى: إحياء عاشوراء

يشكل موسم عاشوراء محطة هامة لإحياء أمر أهل البيت، وإظهار المودة للقربى التي أمرنا الله تعالى بها، وجعلها أجرًا للرسالة فقال عز من قائل (قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى). هذا الإحياء يشكل مظهرًا من مظاهر تعظيم شعائر الله تعالى (ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب)، وتختلف أشكال تعظيمها وتجسيدها باختلاف الأزمان والعصور. كما يتجلى في هذا الموسم تأكيد الولاء لأهل بيت الرحمة، وإحياء أمرهم, وما أمرهم إلا أمر الدين والقيم والمبادئ فأهل البيت ليست لهم أغراض خاصة، فالإمام الحسين لم يتحرك من أجل طلب سلطة أو منصب أو مطمع، وقد قال (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) ونحن إذ نشكر الله تعالى على أن بلغنا لهذا الموسم، فإننا نسأل الله أن يوفقنا لاحياء هذه المناسبة على خير وجه بما يعود علينا وعلى مجتمعنا ووطننا بكل خير. ان موسما ثريا كعاشوراء ينبغي يكون مصداقا حقيقاً لإحياء قيم وثقافة آل بيت النبي .

إن مناسبة عاشوراء تستحضر للأذهان نهضة الحسين وتذكرنا بظلامة أهل البيت . وكما قال شاعر أهل البيت:

هذا   المحرم   قد   وافتك  صارخة
يملأنا   سمعك  من  إعوال  iiناعية
تنعى   إليك   دماء   غاب  ناصرها


مما   استحلوا   به   أيامه   iiالحرم
في مسمع الدهر من إعوالها صمم
حتى   أريقت  ولم  يرفع  لكم  iiعلم

وقد وردت عن أئمة آل البيت جملة من المرويات التي تحث باتجاه احياء هذه المناسبة العظيمة. فقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق أنه قال للفضيل بن يسار: تجلسون وتحدثون؟ قال: نعم. قال: تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا. وورد عن الإمام علي بن موسى الرضا أنه قال: من جلس مجلسًا يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.

ويشكل عاشوراء كذلك مناسبة هامة تبرز خلالها أهمية الجهد الأهلي والمبادرات التطوعية. فالمطلوب من كل مؤمن الاهتمام بانجاح هذا الموسم, فاحياء مناسبة عاشوراء لا تعتمد -كما هو معروف- على جهد حكومي رسمي في أي بلد من البلدان، وإنما يقع جل الجهد على العمل الأهلي وتنافس الناس على إحياء هذا الموسم العظيم.

من هنا يجدر بكل واحد منا الالتفات إلى عدة أمور:

أولًا: التفكير وإبداء الرأي

إن لكل إنسان قدراته الخاصة والمستقلة على التفكير والابداع وتقديم الاقتراحات لأجل الوصول إلى مستوى إحياء أفضل لهذا الموسم. ولذلك على كل واحد منا أن لا يبخل عن تقديم أفضل ما لديه من أفكار واقتراحات للمساهمة في تطوير سبل وأشكال إحياء هذه المناسبة العظيمة.

ثانيًا: العطاء من المال والوقت والجهد

لا ينبغي لأي واحد خلال هذه المناسبة أن يلعب دور المستهلك أو المتفرج أو المشارك من دون عطاء. إن على كل إنسان أن يسعى للبذل في هذا الموسم، والبذل فيه مخلوف، وما أعظم البذل في إحياء قضية أبي عبدالله الحسين . على المرء أن يبذل من ماله ومن جهده ووقته لإحياء هذه المناسبة، وذلك من خلال التواجد في التجمعات وحضور المآتم ومواكب العزاء، ولا ينبغي الاكتفاء بمتابعة المجالس عبر القنوات الفضائية، فإنها وإن كانت مفيدًة إلا ان الفائدة الأعظم تكون في الحضور والمشاركة، لأن ذلك هو ما يظهر الشعيرة بأكمل وجه ويتيح للمرء الإستفادة منها.

ثالثًا: حماية أجواء الاحتفاء من أي شوائب

إن احياء مناسبة عاشوراء تعكس في حقيقتها أحد أوجه مجتمعنا، ومذهبنا. ولذلك علينا أن نظهر هذه المناسبة على أكمل صورة مشرقة، فينبغي أن يكون لكل واحد منا دور وجهد في رعاية وحماية هذه الأجواء، حتى يتم إحياء وإقامة هذه المناسبة، بالطريقة السليمة والمفيدة والمشرقة التي أمرنا بها أهل البيت (حين قالوا: كونوا لنا زينًا، ولا تكونوا علينا شينًا).

رابعًا: توجيه الأبناء وتقويم سلوكهم

ينبغي أن نستفيد من هذه المناسبة في استيعاب أبناء مجتمعنا وتقويم سلوكياتهم وأخلاقهم. فلابد من التأكيد وحث الأبناء على الالتزام بالمبادئ والقيم، ذلك لأننا نعيش في عصر يتعرض فيه أبناؤنا لغزو ثقافي إعلامي يستهدف إفساد سلوكهم وأخلاقهم، وهذا الموسم يشكل أفضل مناسبة لمعالجة هذا الأمر، فإن قلوب الشباب وقلوب الناس تهفو لذكر أبي عبدالله الحسين. يأتي الناس طوعًا كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء إلى مجالس إبي عبدالله الحسين وإلى مواكب العزاء، وتلك  فرصة مهمة ينبغي أن نستفيد خلالها من حضور أبناء المجتمع بكافة شرائحه وأطيافه في التوجيه إلى الدين وإلى الخلق القويم. هناك مسئولية خاصة تقع على القائمين على مواكب العزاء التي تكتظ بحشود من المشاركين الشباب. فعلى الأخوة القائمين على هذه المواكب وبدعم من المجتمع أن يستثمروا هذه العاطفة الجياشة، في استقطاب الشباب وإصلاح أي خلل أو أي ظاهرة سلبية نراها خطرًا على مجتمعنا. في مواكب العزاء ينبغي التأكيد على حضور صلاة الجماعة، والالتزام الديني، والتأكيد على مسألة العفة وعدم الوقوع في أجواء الشهوات والأهواء التي تحرض عليها مختلف الوسائل والأساليب الإعلامية والتقنية الحديثة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المناسبة علينا مناسبة خير وبركة وزيادة في محبة أهل البيت وتثبيتا لمشاعر الولاء في القلوب والنفوس والتزاما بالسير على نهج أبي عبدالله الحسين نهج العزة والكرامة, نهج الحرية والالتزام بالدين والسعي من أجل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثبتنا الله وإياكم على ولاية أهل البيت وجعلنا من أنصار الحسين ووفقنا وإياكم على إحياء هذه المناسبة على أكمل وجه.

الخطبة الثانية: العنف منزلق خطير

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.

عنه : «لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً».

وعنه : «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء»

وعنه : «لا يحولنَّ بين أحدكم وبين الجنة كفٌّ من دم أصابه».

وعنه : «من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله».

وعن رسول الله : «لزوال الدنيا جميعاً أهون على لله من دم يسفك بغير حق».

وهناك حادثة وقعت في عهد الرسول  تكشف عن مدى اهتمام الإسلام بالحياة فقد وجد رجل مقتول من قبيلة جهينة ولا يعلم قاتله، فغضب رسول الله  لذلك فأمر باجتماع المسلمين في المسجد وصعد فيهم خطيباً قائلاً «أيها الناس أيقتل إنسان ولا يعلم قاتله ، والله لو أن أهل السماوات والأرض اشتركوا في دم مسلم واحد بريء أو رضوا به لكان حقاً على الله أن يكبهم كلهم على مناخيرهم في نار جهنم».

وورد في الحديث أن رسول الله  بعد ما انتهى من أعمال منى وقف في الناس خطيباً وقال :«أيها الناس أي يوم أعظم حرمة ؟ قال المسلمون : هذا اليوم ، قال : فأي شهر أعظم حرمة ؟ قالوا: هذا الشهر، قال: فأي بلد أعظم حرمة ؟ قالوا هذا البلد، قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».

ومع هذا التأكيد الكبير في الاسلام على حرمة الدماء، كيف اصبح الدم المسلم رخيصا في اوساط المسلمين، وكيف خضبت معظم ساحات البلاد الاسلامية بلون الدماء القانية، فهناك سفك للدماء على يد السلطات الحاكمة في اكثر من بلد اسلامي، وهناك توجهات ترفع شعارات الدين تستبيح الدماء وتمارس الارهاب وتقوم بالتفجيرات والاغتيالات.

لقد فجع مجتمعنا في القطيف هذه  الأيام باراقة دماء اربعة من شبابنا وابنائنا الاعزاء برصاص غادر كما أصيب عدد  من الجرحى، مما أدى إلى تشنج الاوضاع، وهياج المشاعر، وإذ نعزي عوائل الشهداء بفقد ابنائهم وعموم المجتمع المكلوم. فإننا نحذر من هذا الانزلاق الخطير نحو هاوية العنف وسفك الدماء.

ويهمني من منطلق الشعور بالمسؤولية والحرص على مصلحة المجتمع والوطن أن أؤكد على الامور التالية:

اولا: أن تقوم قيادة البلاد بمبادرة طيبة تنفس بها الاحتقان، وتضمد الجراح، وتفوت الفرصة على المغرضين، وتستوعب هؤلاء المواطنين الذين لا يطلبون شيئا يعسر على الدولة، ولا يريدون إلا التمتع بحقوق المواطنة المشروعة، ورفع أي تمييز أو حيف بحقهم.

إن كلمة حانية من قيادة البلاد، ومعالجة سريعة لبعض المشكلات، واهتماما تنمويا جادا بالمنطقة وأبنائها، سيكون له اكبر الاثر في النفوس، ويساعد العقلاء والمصلحين في المجتمع على النجاح في دعوتهم للهدوء والوئام.

اما ترك العنان للتعبئة الطائفية، والدخول في معادلة ردود الافعال، والاقتصار على المعالجة الأمنية، فإن ذلك هو ما يريده اعداء الوطن، وما يجب ان نحذر منه جميعا حكومة وشعبا، فالاضطرابات وانفلات الأمن ضرر على المواطنين وعلى الدولة، وخسارة للوطن، نسأل الله تعالى ان يحمي بلادنا ومجتمعنا من هذا المنزلق الخطير.

ثانيا: لا بد من تأكيد الانضباط في اوساط افراد وأجهزة الأمن العاملة في المنطقة، بمنع حصول أي اساءة تستفز المواطنين، والاهم من ذلك عدم الاستجابة لما قد يواجههم من الاستفزاز في غمرة اجواء الانفعال والحماس. فلا يصل الامر إلى سفك الدماء. ومن المهم جدا التحقيق في الحوادث الدامية التي وقعت ومحاسبة المسؤولين عن وقوعها.

ثالثا: اتوجه إلى شبابنا الاعزاء للتأكيد على ما ورد في بيان علماء القطيف الصادر يوم امس الخميس 28  و الحجة من الالتزام بالوسائل السلمية في التعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق، وعدم الانجرار إلى أي شكل من أشكال العنف.

شبابنا الاعزاء.. إن الشعوب العربية تفاخر اليوم وفي موسم الربيع العربي بنهجها السلمي كما رأينا في تونس ومصر واليمن والبحرين، حيث لم يواجه الجمهور عنف السلطات بعنف مضاد. فاحذروا ايها الشباب الاعزاء أي دعوة باتجاه مظاهر العنف، ولا تُستدرجوا للعنف، ولا تسمحوا لمندسين ان يشوهوا حراككم بممارسات عنفية، وكونوا كما عهدناكم ابناءً بررة لمدرسة اهل البيت .

وضعوا نصب أعينكم ما قاله أول شهيد حسيني وهو مسلم بن عقيل، الذي امتنع عن استخدام العنف ضد عبيدالله بن زياد وكانت الظروف مهيأة له مما تسمعونه في السيرة الحسينية، لكنه استحضر قول رسول الله : الايمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن.

حفظكم الله يا شبابنا الاعزاء وكل شباب الوطن من كل مكروه وحقق آمالنا وآمالكم في العيش بأمن وأمان وكرامة في وطننا الغالي العزيز.

وللاستماع:

«الخطبة الأولى: إحياء عاشوراء»

«الخطبة الثانية: العنف منزلق خطير»