استهداف الشيخ الصفار.. قفزة نحو المجهول

حسين العلق *

لا مساومة على دماء البشر.. ولا تفريط بمستقبل الأوطان. ضمن هذا السياق يمكن فهم التصريحات الأخيرة لسماحة الشيخ حسن الصفار في خطبة الجمعة في العاشر من فبراير، فقد استنكر سماحته إطلاق النار على المسيرات السلمية في القطيف، ودان على نحو قاطع إراقة الدماء وإزهاق الأرواح.

موقف الشيخ الصفار العقلاني في حقيقته كان تعبيرا عن موقف الشريحة الأوسع من عقلاء الوطن. فمهما بلغ الاختلاف حول أصل أعمال الإحتجاج أو أساليبه التي يقوم بها الشباب في الشارع، يبقى استخدام العنف وإراقة الدماء خط أحمر، لا أحد يود لبلادنا تجاوزه بأي حال، ومن أي طرف كان. فالعقلانية هي مطلب الكل، بل واجب الجميع.

ان أي دعوة لحقن الدماء أو مبادرة تنفس الاحتقان يفترض أن تكون محل ترحيب. تلك بدهية عقلائية بكل المعاني ووفق جميع المقاييس الاجتماعية والسياسية. مثل هذه الدعوة سبق وأن أطلقها الشيخ الصفار في 25 نوفمبر 2011 في غمرة الأحداث الدموية التي راح ضحيتها أربعة شهداء على أيدي قوات الأمن في القطيف، إلا أن الغريب في الأمر أنه وعوضا عن أن تقابل تلك الدعوة بالترحيب، فوجئنا آنذاك بسلسلة من المقالات في الصحف الرسمية تهاجم الشيخ الصفار على نحو فجّ وقميء لا يليق إلا بقائليه.

بيد أن الأكثر غرابة مما سبق هو رد الفعل الرسمي هذه المرة على تجديد الشيخ الصفار إدانته لقتل متظاهر سابع برصاص الأمن في القطيف. فقد كان بيان وزارة الداخلية السعودية يوم 20 فبراير مستغربا على نحو كبير، كونه جاء ردا على دعوات عقلانية للشيخ الصفار - دون أن تسميه - مع ان أقصى ما طالب به الشيخ هو إيقاف القتل وإجراء تحقيق في حوادث إطلاق النار ومحاسبة المسئولين عن تلك الأخطاء، فهل يستدعي ذلك إصدار بيان من أعلى سلطة أمنية في البلاد؟!.

وعليه، ماذا يعني التعاطي الرسمي والإعلامي السيئ مع الشيخ الصفار على النحو الذي رأينا حتى الآن؟. لتفسير ذلك، يمكن القول أن هناك، كما هو واضح، من بات يستفزهم وجود شخصية محسوبة على طيف مذهبي معين، تحظى بهذا الوزن السياسي والفكري والقبول الاجتماعي العابر للطوائف، في منطقة يراد لها أن تظل على الدوام حقل ألغام طائفي نشط وطنيا وإقليميا. وإذا علمنا بأن أكثر ما يستفز الحكومات المستبدة في عالمنا العربي هو حفاظ الشخصيات المستقلة على مواقفها المبدئية، فسنفهم حينها جانبا من تفسير الحملة التي تطال الشيخ الصفار هذه الأيام. الهدف الأساس من الحملة على الشيخ هي محاولة تحجيمه ضمن إطار مناطقي محدد، وحصاره ضمن هوية طائفية ضيقة، فلا يعود رمزا وطنيا يشار له بالبنان. فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة الطائفية المستعرة.

الشيخ الصفار رقم صعب ورمز من رموز الاعتدال والتعايش الاسلامي والوطني التي تستحق الإجلال والتقدير. فهو شخصية عابرة للطوائف والأطياف والمناطق، وهو لا ينطلق في دعواته من منطلق المناورة السياسية، أو المصالح الآنية، بقدر انطلاقته من قناعة عقدية مؤصلة، وضرورة أخلاقية راسخة، وأرضية فكرية أسس لها في العشرات من مؤلفاته، ولعل إطلالة سريعة على أبرز أفكاره تكشف إلى أي مدى يتطلع هذا العالِم إلى قيام وطن يحترم إنسانية البشر، فضلا عن حرمة المواطن، بما هو مواطن لا غير، لا فرق في ذلك بين أبيض أو أسود سلفي أو شيعي أو صوفي، نجدي أو أحسائي أو حجازي. ولهذا تجد الشيخ الصفار، يغض الطرف باستمرار، ولا يعير البيانات والحملات المضادة كبير اهتمام. ألا تستحق شخصية بهذا القدر من الفكر المتسامح أن تكون أيقونة وطنية؟.

إن استهداف الشيخ الصفار على النحو الذي رأينا هو بمثابة قفزة نحو المجهول. فالشيخ الصفار "عالم من علماء المسلمين ورمز صعب ومفكر اسلامي قام ولا يزال بدور كبير في نشر السلام والتقارب والدفاع عن قضايا المحرومين" وفقا لأخينا الشيخ عبدالكريم الحبيل. وعليه فاستهداف الصفار هو "ضرب لمسيرة التعايش والتواصل الوطنيين التي يقودهما" كما أشار إلى ذلك صديقنا الشيخ حسن بوخمسين في خطبته الأخيرة في الأحساء. كما بعثت الحملة على الشيخ الصفار "برسالة سلبية لعموم المجتمع" وفقا لصديقنا الشيخ عباس السعيد في خطبته الأخيرة بجامع الامام الحسين بالعوامية، وأزيد عليه بأن تلك الرسالة السلبية طالت ليس المجتمع المحلي فحسب، بل مسّت كل مواطن حرّ وغيور يبغي مصلحة بلاده ومواطنيه، ولا يجد في التصعيد الأمني ملاذا للخروج من الأزمات دائما، ولعل هذا ما يفسر حالة التضامن العلمائي والشعبي مع الشيخ الصفار بعد تعرضه للحملة الإعلامية الأخيرة. وبمعنى آخر، بعثت حالة التضامن الواسعة مع الشيخ الصفار رسالة واضحة بأن استهداف الرموز المعتدلة على مستوى الوطن هي خطوة غير محسوبة، وقفزة باتجاه المجهول، وقد تأتي بنتائج عكسية أحيانا.

يبقى أن نقول بأن مواقف الشيخ الصفار الأخيرة هي في حقيقتها تمثل الشريحة الأوسع من عقلاء الوطن، خصوصا لجهة الدعوة لحقن الدماء وتقديم مبادرة تنفس الاحتقان في المنطقة، فذلك محل ترحيب الجميع، كونه يحمي مستقبل البلاد والعباد، ولقد كان المتوقع أن تتلقف الجهات المعنية هذه الدعوة وتسير باتجاه صناعة الحلول بدلا من نكئ الجراح وسكب الزيت على النار من خلال ردود الفعل غير المحسوبة.

أظن بأن المجال أمام بلدنا لازال واسعا والفرص بعد متاحة للاستجابة للدعوات العاقلة والحلول السياسية. ولعل أهم شرائط ذلك هو توفر الارادة الصادقة والمبادرات الخلاقة التي تحفظ هيبة جميع الأطراف، وتلبي تطلعات المواطنين وتحفظ حقوقهم وكرامتهم بالدرجة الأساس. أما استخدام القوة وتوزيع الاتهامات المستفزة يمينا وشمالا.. وشرقا! فتلك ليست سوى جعجعة عقيمة لا طحين من ورائها، بل على النقيض من ذلك ستضاعف الأزمات وتصعب ايجاد المخارج والحلول.. حمى الله بلدنا من غرور القوة!

كاتب وباحث سعودي