دور المنبر الحسيني في صناعة الوعي السياسي

الشيخ حسن الصفار *

من الطبيعي أن تتعدد عطاءات المنبر الحسيني بتعدد آفاق الفكر الإسلامي الرحيب، فالمنبر الحسيني مدرسة واسعة الأرجاء تمثل شمول الإسلام، وسعة أفقه الموجه للإنسان في مختلف مجالات الحياة.

الناس في أيام عاشوراء يحظون بموسم ثقافي معرفي شامل. يستمعون فيه إلى الآراء والأفكار التي تلامس مختلف جوانب حياتهم، لذلك من الطبيعي أن يتنوع أداء المنبر الحسيني بحسب تنوع مستويات واهتمامات الخطباء الذين يرتقون هذا المنبر، وبحسب اختلاف البيئات والظروف والأوضاع، فهناك منبر يركز على البعد العقدي، ومنبر آخر يركز على البعد السلوكي الاجتماعي، ومنبر ثالث يركز على الجانب التاريخي، وهكذا سائر الجوانب.

ومن الأبعاد التي لا ينبغي أن تغيب عن المنبر الحسيني هو بعد الوعي السياسي، حيث لا بد وأن يكون للمنبر الحسيني عطاء في هذا المجال، وذلك للأسباب التالية:

السبب الأول: لأننا حينما نعتقد بشمولية الدين؛ فهذا يعني أن للدين رأياً ورؤيةً في المجال السياسي، ويمتلك إجابة عن الأسئلة  السياسية: كيف تدار شؤون الناس؟ كيف تُصرّف أمور الحكم؟ كيف ينبغي أن يعيش الناس الاهتمام السياسي في عصرهم وأوطانهم؟

لا بد وأن تكون للإسلام رؤية في ذلك، وينبغي أن يكون للمنبر دور في تبيين رؤية الإسلام على هذا الصعيد.

السبب الثاني: البعد السياسي بعد أساس في قضية الإمام الحسين ، فالإمام ينطلق من عمق الدين، ولكنّ قضيته كانت تتمحور في موقفه السياسي، لم يستشهد الإمام الحسين لأنه جادل في قضية عقدية، ولم يقتل لأنه تحدث عن رأي في علوم الطبيعة، إنما تحرك الإمام الحسين هذا التحرك الذي أدى إلى استشهاده لأنه مارس موقفاً رافضاً لسلطة الظلم والانحراف التي صادرت قرار الأمة، وهو القائل:  "إنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"، وقال: "ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقاً فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما".

إذن هناك موضوع محوري لنهضة الإمام الحسين وهو الموقف السياسي الذي لا ينفصل بالطبع عن رؤيته العقدية، ومشروعه الديني والروحي العام، وبالتالي فالمنبر الحسيني لا يمكن أن يتجاهل البعد السياسي.

السبب الثالث: نحن نعيش الآن في زمن فرضت فيه السياسة نفسها على جميع الناس. في ازمنة سابقة كان الحديث في السياسة من خصائص نخبة المجتمع، كانت مجموعة محدودة من الناس تتحدث في الشأن السياسي، إما بقية الناس فلا يرون أنفسهم مؤهلين للخوض في هذا الشأن، ولم تكن القضايا السياسية مورد اهتمام لعامة الناس، ولكننا الآن نعيش في عصر أصبحت السياسة خبزاً يومياً، وأصبحت شانا يتداوله الجميع.

اليوم الأطفال في صفوف الدراسة الابتدائية أصبحوا يتابعون الشأن السياسي، وكذا النساء والكبار والصغار، وهذا تطور ايجابي في المجتمعات البشرية، إذ لم تعد السياسة حكراً على فئة حاكمة أو على نخبة مهتمة بالشأن الفلسفي أو الاجتماعي، بل أصبحت كما هي شأن عام، لأن السياسة ترتبط بحياة كل الناس وشؤونهم، وبالتالي ما دام المنبر يعيش في عصر فرضت فيه السياسة نفسها على جميع الناس، وعلى جميع شرائح وطبقات المجتمع، فلا يمكن لهذا المنبر أن يتجاهل البعد السياسي.

السبب الأخير: في الماضي كانت هناك مبررات تمنع عالم الدين، وخطيب المنبر الحسيني من تناول الشأن السياسي، من تلك المبررات قمع الحاكم الذي لا يفسح المجال للحديث حول الشأن السياسي، ولكننا الآن نعيش في ظرف انتزع الناس فيه قدراً من حرية التعبير عن الرأي، لم يعد القمع بتلك الدرجة التي يمتنع فيها الحديث عن الشأن السياسي، سواء في الجرائد أو في المجلات أو في المنتديات وفي التلفزيونات والإذاعات.

ما عادت الدول والحكومات الآن قادرة على تكميم الأفواه كما كانت في الماضي، ولم تعد قادرة على منع الناس من تداول الحديث في الشأن العام، وبالتالي فهناك متسع ومساحة للحرية في الطرح، بخلاف الفترات الماضية التي قد يكون من حق الانسان أن يحسب حساباً في طرح آرائه في هذه المجالات.

ولعل سائلاً يسأل: ما هو المطلوب من المنبر في مجال الوعي السياسي؟

أقول: قد لا يكون المطلوب أن يقوم الخطيب بدور التعبئة ضد هذا النظام أو ذاك، ولا التحريض على هذه الحكومة أو تلك، وقد لا يكون دور الخطيب الحسيني طرح الشعارات السياسية الفاقعة، أو الحديث عن أحداث معينة أو أشخاص معينين، ليس المقصود من الوعي السياسي هي هذه القضايا الظاهرية.

حينما نتحدث عن الوعي السياسي فالمقصود منه: توضيح المفاهيم السياسية للجمهور، فلقد أصبحت القضايا السياسية مطروحة، ولكن كثيراً من الناس يفتقدون المعرفة والرؤية لهذه المفاهيم من زاوية إسلامية.

لذلك أدعو من يستطيع - وكما قلت كل إنسان حسب اهتمامه، وحسب مستواه، ليس صحيحاً أن نلزم كل الخطباء أن يتحدثوا عن العقائد، أو أن يتحدثوا عن الأخلاق، أو عن الوعي السياسي - على كل إنسان أن يتحدث في ما يرى نفسه متمكناً من الحديث فيه، إذا كان إنسان غير متمكن في الحديث في البعد العقدي فلا يورط نفسه بالحديث فيه، وكذا إذا كان  غير باحث في الشأن التاريخي لا ينبغي أن يورط نفسه في الحديث عن هذا الأمر، وإذا كان غير متمرس في الوعي السياسي أيضاً لا ينبغي أن يورط نفسه في الحديث عن هذا الموضوع، لكن من استطاع ان يتوفر على معرفة في رؤية الإسلام في البعد السياسي، وكان مطلعاً على التجربة البشرية في مجال العمل السياسي فينبغي أن يثري المنبر، وأن يثري جمهور المنبر الحسيني بما يحتاجون إليه من وعي سياسي.

ومن الأمثلة التي يستطيع الخطيب الحديث عنها موضوع حقوق الإنسان، هذا موضوع مهم، وهو موضوع مطروح، ويلامس الشأن السياسي.

ماذا تعني حقوق الإنسان؟ ما هي مواثيق حقوق الإنسان؟ كيف يستطع الإنسان أن يطالب بحقوقه حسب ظروف بيئته والوضع الذي يعيش فيه؟

إن إعطاء رؤية وفكرة عن حقوق الإنسان في الإسلام، ومدى التوافق أو الاختلاف بين تعاليم الاسلام وبين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، بإمكان الخطيب لو توفر على معرفة جيدة في هذا الموضوع أن يفيد المجتمع.

كذلك مسالة الدستور؛ وحاجة كل بلد، وكل شعب إلى دستور ينطلق منه الحاكم، وتتقيد به الحكومة، ويعرف الناس من خلال هذا الدستور ما لهم وما عليهم، ماذا يعني الدستور؟ من يضع الدستور؟ ما هي أنواع الدساتير القائمة في العالم؟

ما هي ضرورة وجود الدستور في الوطن؟ أنت هنا لا تتحدث عن بلد أو حاكم أو حكومة معينة، ولكنك تعطي وعياً سياسياً للجمهور.

يذكرون في هذا السياق أن وفداً جاء من الجامعة العربية في بداية التحول في العراق، أي بعد سقوط النظام الزائل، وقابلوا المرجع السيد السيستاني "حفظه الله"، وكان الحديث حول الانتخابات والاستفتاء وتكوين مجلس أو برلمان يضع الدستور للحكم في العراق، قالوا: إن هؤلاء دهشوا حينما تحدث لهم السيد السيستاني عن رؤيته، وإطلاعه على تاريخ وضع الدساتير واختلاف توجهاتها، وعن تجارب الدول المتقدمة في هذا السياق، ووضع الدستور في أمريكا وفرنسا وغيرها، وماذا يحتاج العراق في هذا المجال؟ بعضهم قال حينما خرج من عند السيد: ما كنا نتوقع أن رجلا في هذا السن، ويعيش في النجف، وبعد هذه الفترة من القمع والعزلة والحصار، أن يتحدث عن هذا الموضوع بهذا الشكل المنهجي المعرفي.

بإمكان الخطيب أن يعطي رؤية حول موضوع الدستور، وماذا تعني الديمقراطية والمشاركة الشعبية؟ كفكرة وكرؤية.

ماذا يعني الفصل بين السلطات (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية)؟ ماذا تعني هذه السلطات؟

وماذا يعني الفصل بينها؟ وسائر المواضيع السياسية المطروحة في الساحة اليوم.

ينبغي أن نقدم الوعي والمعرفة لأن الناس إذا سادهم الشعار، وامتلكهم الحماس والاندفاع فقط دون أن يتوفروا على الوعي السياسي فقد يضرون قضيتهم أكثر من نفعهم لها.

ونحن نعرف الآن أن المنطقة العربية في مرحلة تحول وانتقال، سمعت من بعض العلماء في العراق أنهم فوجئوا بالتحول الذي حصل في العراق، قالوا: كنا نعيش الخوف والقمع والرعب، لذلك ما كنا نقترب كثيراً من هذه المواضيع السياسية حتى على مستوى التثقيف الذاتي، وحين تغير الوضع في العراق، ووجدنا أنفسنا في وسط المعمعة، ماذا نقول؟ وما هو الرأي الذي نعطيه؟ لذلك نجد البعض حينما يتحدث حتى من خلال فضائياتنا، يتحدث عن قضايا لم يهضمها، ولم يتوفر على معروفة ورؤية سليمة حولها، لأن هذا الموضوع لم يكن متداولا في الساحة، وهكذا في المناطق الأخرى.

المنطقة  العربية مقبلة على تحولات وتغيرات لذلك يجب أن نهيئ أنفسنا، ونهيئ جمهورنا بالوعي، وبالثقافة السليمة التي تنطلق من تعاليم ديننا، وتستفيد من منجزات المجتمعات البشرية.

كلمة ألقاها سماحة الشيخ حسن الصفار في الملتقى الأولى لرابطة المنبر الحسيني في القطيف والدمام في حسينية السنان بتاريخ 17/11/1433هـ، الموافق 3/10/2012م.