المكاشفات...خطوة نحو تأسيس التعارف المذهبي في بلادنا

مكتب الشيخ حسن الصفار

نشرت صحيفة المدينة في ملحقها (الرسالة) ليوم الجمعة 26 ذو القعده 1425 - الموافق - 7 يناير 2005 - ( العدد 15234) مقالة لسماحة الشيخ عبدالله أحمد اليوسف (حفظه الله) بعنوان (المكاشفات...خطوة نحو تأسيس التعارف المذهبي في بلادنا) وهذا هو نص المقالة:


قرأت باهتمام مكاشفات سماحة الشيخ حسن الصفار مع الأستاذ عبدالعزيز القاسم في جميع حلقاتها وبعض الردود عليها ، وقد عكست هذه الخطوة مبادرة غير مسبوقة في صحافتنا المحلية،وهي مبادرة جريئة من الأستاذ عبدالعزيز القاسم ومن ملحق الرسالة ، ونأمل أن تتبع هذه الخطوة خطوات أخرى للحديث عن المسكوت عنه في صحافتنا المحلية.
وانطلاقاً من هذه المكاشفات الجريئة والممتعة ... أسجل بعض الملاحظات الهامة:

1/إن هذه المكاشفات قد فتحت الباب واسعاً نحو فهم أفضل للمذاهب الإسلامية الموجودة في بلادنا؛ فالمواطنون الشيعة الموجودون في المملكة العربية السعودية هم جزء لايتجزأ من هذا الوطن الكبير، ومن الضروري أن يتعرف أخوتهم من أهل السنة والجماعة على معتقداتهم وأفكارهم ، وقد ساهمت هذه المكاشفات في توضيح وتصحيح بعض الأفكار الخاطئة العالقة في أذهان بعض أخوتنا نتيجة للصورة النمطية الخاطئة عن الشيعة، و لعدم الاطلاع المباشر على فكر الشيعة من خلال كتبهم وعلمائهم ، وقد جاءت هذه الخطوة من الأستاذ عبدالعزيز القاسم لتضع القارىء لملحق الرسالة أمام مايراه الشيعة من خلال ماقاله أحد رموزهم في السعودية.

فهذه المبادرة التي قادها الصحفي اللامع عبدالعزيز القاسم تعد خطوة نحو تأسيس معرفي للتعارف المذهبي ، ونأمل أن تكون البداية نحو انفتاح حقيقي لمعرفة مختلف المذاهب الاسلامية والتعرف عليها من خلال مصادرها، إذ كثيراً مايساء فهم كل مذهب للآخر نتيجة للاعتماد على ماكتبه خصوم ذلك المذهب وليس أتباعه. ولذلك أدعو كل مهتم بمعرفة عقائد وأفكار المذاهب الأخرى أن يتعرف عليها من خلال ماكتبه علماء المذهب نفسه وليس بواسطة خصومهم.

2/ إن هذه المكاشفات الجديدة من نوعها في صحافتنا المحلية قد فتحت ملف التعددية المذهبية في مجتمعنا السعودي، فالمجتمع السعودي ولله الحمد ينتمون إلى دين واحد وهو الإسلام، وفي دائرة الإسلام توجد مذاهب إسلامية، وظاهرة التعدد المذهبي ليس بالشيء الجديد ؛ فقد بدأت المذاهب الإسلامية في التكون منذ بداية القرن الأول الهجري، ويحكي لنا التاريخ عن نشوء الكثير من المذاهب والفرق والمدارس الفقهية، ولكن بعضها لم ينتشر ولم يكثر أتباعها، مما أدى إلى انقراضها، أما الذين تأصلت مذاهبهم وبقيت إلى يومنا هذا.. فأهمها ما يلي:

1-السنّة بمذاهبها الأربعة: الحنفي، الشافعي، المالكي، الحنبلي.

2- الشيعة بطوائفها الثلاث: الإمامية الاثني عشرية، الزيدية، الإسماعيلية.

3- الخوارج والمعروف منهم حالياً: الأباضية.
نستنتج من ذلك ...أن ظاهرة (التعددية المذهبية) ظاهرة طبيعية، وسمة لازمة في جميع الأديان والعقائد، وأن الإسلام ليس بخارج عن تلك القاعدة، كما يؤكد على ذلك التاريخ الماضي والواقع المعاصر، وأنه لا يمكن إلغاء تلك المذاهب، ولكن من الممكن الاتفاق على (القواسم المشتركة) التي تجمع بين المذاهب الإسلامية المتعددة، والتسامح في شتى الفروع الفقهية ووجهات النظر المذهبية الأخرى.

ومن الطبيعي جداً أن يكون هناك تعدد في المذاهب، ومن ثم في الآراء والأفكار والتصورات، ولكن الشيء غير المنطقي هو أن يدّعي أحد أن له وحده حق فهم الإسلام، ومصادرة هذا الحق من الآخرين، وأن له حق تفسير النصوص حسب فهمه، وليس للآخرين إلا أن يكونوا نسخاً مكررة عنه، واتهام مخالفيه بمخالفة السنّة، والخروج من دائرة الدين، والوقوع في حبائل الشرك والكفر والضلال!!
إن التعصب بجميع أشكاله، ومحاربة فكر وآراء الآخر، والعمل على فرض آراء الذات بأي وسيلة لن يحقق إلا تمزيق الأمة وتفتيت وحدة المجتمع المسلم، وإضعاف الروح المعنوية، وخلق الفتن والصراعات والمعارك الجدلية، والحروب العبثية.. وهي عملية هدم لكيان الأمة كله.

ولا خيار أمام الأمة الإسلامية كي تتوحد، إلا بالتزام التعددية، ووحدة التنوع، فالأمة الإسلامية وحدة واحدة، تتفق كلها على أن دينها الإسلام؛ من هنا يمكن القول بأن الوحدة بين أبناء الأمة ممكنة ولكن في إطار التعددية فهي وحدة واحدة في الدين ومتعددة مذهبياً في إطار هذه الوحدة!
فالتعددية المذهبية تعني: التعدد المذهبي في إطار الدين الواحد.

ومفهومها يعني أولاًً: الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء المذهبي في مجتمع واحد أو دولة تضم مجتمعاً أو أكثر.

ويعني ثانياً: احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في الفروع أو غيرها.

ويعني ثالثاً: إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك في إطار مناسب وبشكل يحول دون نشوب صراعات مذهبية تهدد سلامة المجتمع.

ومفهوم التعددية المذهبية يتضمن الإقرار بأن (أحداً لا يحق له نفي أحد) و (ضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي للجميع) و(المساواة في ظل سيادة القانون(
ويجب التأكيد هنا على أن تعدد الفرق والمذاهب داخل الدين الإسلامي يشكل ظاهرة طبيعية بل هي سمة ثابتة في جميع الأديان السماوية والوضعية.

3/ مادام إن التعددية المذهبية شيء واقع في الأمة الإسلامية، فيجب ألا ينظر لهذه الحقيقة على أنها مشكلة أمام وحدة الوطن، أو وحدة الأمة، كما يحاول البعض إثبات ذلك، بل إن التعدد المذهبي هو عنصر إثراء وتكامل في الفكر الإسلامي، والمشكلة ليس في الاختلاف المذهبي وإنما في كيفية التعامل مع المخالف، وإدارة الاختلاف، فبدلاً من البحث المستميت عما يثبت خطأ المذهب المخالف دعونا نبحث عن القواسم المشتركة بين جميع المذاهب الإسلامية، فما يجمع بين مختلف المذاهب الإسلامية كثير وما هو محل خلاف قليل، ومن المؤسف حقاً أن يتمسك البعض بهذا القليل ويتجاهل نقاط الاتفاق بين مختلف المذاهب!

إننا بحاجة كمواطنين يجمعنا هذا الوطن الكبير أن ننفتح على بعضنا البعض ، وأن نزيل الحواجز الوهمية التي تأسست بفعل التقاطع والجفاء، وقد ساهمت هذه المكاشفات فيما أظن، وكذلك تأسيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في فتح الباب أمام مختلف المذاهب والمدارس الفكرية في مجتمعنا للتعبير عن نفسها، ونأمل ألا يتوقف الأستاذ عبدالعزيزالقاسم عن مكاشفاته الجريئة، آملين أن يفتح لنا مكاشفات أخرى مع رأي آخر وليكن بنكهة أخرى!