التطرف والإرهاب خطر قائم

 

بعد انتهاء معركة النهروان مع الخوارج، قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب : هلك القوم بأجمعهم.

فقال : «كَلَّا واللهِ، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وقَرَارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَّابِينَ»[1] .

انحسار موجات التطرّف والإرهاب، على الصعيد الوطني والإقليمي، لا ينبغي أن يوحي لنا بالاطمئنان بانتهاء المعركة مع الإرهاب والانتصار عليه، ذلك أنّ هذا التوجه له جذور فكرية واجتماعية، وما لم تعالج وتستأصل هذه الجذور، فستؤتي ثمارها المرة بين وقت وآخر.

وهو ما يشير إليه الإمام ، وكأنه يقول لأصحابه: هؤلاء المتطرفون لهم جذور فكرية وتربوية تستمر في إفراز هذه الثمار المرة!!

وقد رأينا ما حدث في مدينة القصيم، مؤخرًا، حيث تعرضت نقطة للضبط الأمني لإطلاق نار من ثلاثة إرهابيين[2] ، وكما يحدث مكررًا في بلدان أخرى، كالجزائر وتونس ومصر، بين فترة وأخرى نسمع عن نشاط لهؤلاء الإرهابيين، رغم أنّ تلك الدول حققت نوعًا من السيطرة على الوضع الأمني، لكن الإرهاب لم يستأصل بالكامل، فالجذور لا زالت موجودة، هذا عدا عن البلدان الملتهبة كسوريا وليبيا والصومال وأفغانستان.

بداية العنف في العهد الإسلامي

لم يبدأ العنف في العهد الإسلامي الأول على يد الخوارج، فليسوا هم أول من  مارس العنف، فقد تم  اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب سنة 23هجرية، وفي سنة 35 للهجرة حوصر الخليفة الثالث عثمان بن عفان في بيته وقتل، كما حدثت معركة الجمل و صفين، لكنّ المعركة مع الخوارج في النهروان تعني شيئًا آخر، فقد كانت هي المؤشر الأخطر، رغم أنّها ليست المعركة الأضخم، ولا الأطول وقتًا، ولا الأكثر ضحايا، ذلك أنّ العنف قبل الخوارج حدث في إطار الصراع السياسي، فلم يأخذ  صبغة دينية، فالخوارج هم من أسسوا نهج التكفير والتطرف الديني في الأمة، كفروا الطرف الآخر واستحلوا واستباحوا الدماء!!

الجذور الفكرية للإرهاب

وهنا تكمن خطورة الخوارج في أنهم أسسوا للفكر التكفيري، والتطرف بالصبغة الدينية، فيمارس العنف باعتباره وظيفة دينية، وواجبًا يتقرب به إلى الله، ولذلك فإنّ المعركة مع الخوارج هي الأشدّ والأصعب.

أمير المؤمنين لم يفاخر بانتصاره في (الجمل) أو (صفين)، لكنه افتخر بمواجهة الخوارج، قال : «أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، ولَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي، بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا واشْتَدَّ كَلَبُهَا»[3] .

فالخوارج جماعة قائمة على أساس عقدي، ولديهم مزايدة دينية، معروفون بأنهم أهل الركوع والسجود، وأصحاب الجباه السود، وهم قرّاء القرآن، وهنا تكمن صعوبة مقاتلتهم؛ لأنّ صبغتهم دينية، وينطلقون من مبررات عقدية يدَّعونها!

إنّ خطورة الإرهاب الذي تواجهه أوطاننا ومجتمعاتنا في هذا العصر، تكمن في انطلاقه من جذور فكرية دينية، وهي الجذور التي تُـخَرِّج أجيالًا من الإرهابيين المعتنقين لهذا الفكر، وما دامت محاضنها قائمة تُمارس دورها، فإنّها ستخرِّج للأمة إرهابيين يتربون على تكفير مجتمعاتهم.

هذه الفئة تكفّر الحكومات، ومؤسساتها الدينية، وأجهزتها الأمنية، وتستبيح دماء المواطنين والمقيمين، بشبهات واهية، كما كتبوا وكما قالوا في بياناتهم، هذا الإرهاب يختلف عن أيّ لون آخر من العنف، وهذه التوجهات المتطرفة تستهدف شباب الأمة، حيث استقطبت منهم مجاميع كبيرة في مختلف البلدان، أصبحوا وقودًا في معارك العنف والإرهاب على مستوى العالم، وقد رأينا في بلادنا أنّ معظم من قام بأعمال العنف والإرهاب والعمليات الانتحارية، والمواجهات مع رجال الأمن، ومعظم من ألقي القبض  عليهم، في ريعان شبابهم، ومجتمعاتنا مجتمعات شابة، نسبة الشباب فيها كبيرة  وعالية.

هاتان الحقيقتان: التطرّف الفكري، واستهداف شريحة الشباب، تؤكّدان البعد الفكري والاجتماعي للمعركة مع التطرّف والإرهاب، وهذا يستلزم اليقظة المستمرة.

مسؤولية العائلة

للعائلة دور كبير ومسؤولية بالغة ينبغي أن تضطلع بها، تجاه أبنائها، لا بُدّ من الانتباه والحذر، ومراقبة أيّ تغيّر فكري أو سلوكي يطرأ على الأبناء، من خلال علاقاتهم مع الأقران، أو انفتاحهم على مواقع التواصل الاجتماعي،  فالتقارير تفيد بأنّ الجهات الإرهابية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على هذه المواقع، ومن خلالها يستقطبون ويجنّدون الشباب، ويبثون أفكارهم، وخاصة في العطل الصيفية، حيث يعيش الأبناء نوعًا من الفراغ وفائض الوقت، مما يمثل فرصةً لذوي الاتجاهات المنحرفة، فلا بُدّ من استيعاب الأبناء، وتوفير أجواء النشاط الإيجابي لهم، ليوظّفوا وقت فراغهم فيما ينفعهم، وينمّي مواهبهم وطاقاتهم، إنّ الغفلة عن  الأبناء قد تسبب وقوعهم في أحضان التطرّف أو الفساد الأخلاقي، فمرحلة الشباب والمراهقة تطغى عليها حالة العواطف والأحاسيس، فتستغل ذلك تيارات الفساد والانحراف.

وتشير الأخبار والمعلومات إلى النشاط المكثف لمروجي المخدرات في أوساط البنين والبنات، فقد نشرت الصحف محاولات الترويج بين أبناء وبنات المدارس الثانوية والمتوسطة!! وهذا يحتاج إلى يقظة واهتمام، فحين يقع الشاب في براثن المخدرات تصعب استعادته، صحيح أنّ ذلك ليس مستحيلًا، لكن تكتنفه الصعوبات، فكثيرًا ما يتأخر اكتشاف الحالة، ويكون الشاب قد ألف واعتاد التعاطي.

من جانب آخر فإنّ من طبيعة الشاب التحفز لإظهار قوته وفتوته، فتستهويه المغامرات، وهذا هو مدخل جهات التطرّف والإرهاب.

دور الجهات الدينية

الجهات الدينية واللجان الثقافية الأهلية تدعو الشاب إلى المسجد والحسينية، لحضور المواعظ والمحاضرات، والبرامج الثقافية في جوٍّ هادئ، أما الجهات الأخرى فتحفّزه لإظهار قوته وفتوته، فتستميله بشعارات دينيه وثوريه براقة، وبالتالي فإنّ عددًا من الشباب ينخدعون بهذه الدعوات، ويتفاعلون مع هذه التوجهات، وتشير بعض التقارير إلى استقطاب صغار السنّ وتدريبهم على استخدام السلاح وممارسة العنف، فيتوافق ذلك مع ميل الشاب إلى إظهار قوته وفتوته، من هنا فإنّ على الجهات الدينية التربوية والثقافية أن تكثف نشاطها، وخاصة في فترة الصيف، عبر استقطاب الشباب، والانفتاح عليهم، وتهيئة الفرص لنشاطاتهم المفيدة، من خلال إقامة الدورات التربوية التوعوية، وإتاحة الفرصة للشباب حتى يمارسوا دورًا إيجابيًّا، كي لا يقتلهم الفراغ، أو يصبحوا فريسة الفساد والتطرف.

مسؤولية الخطاب الديني

تتحمل الجهات الدينية مسؤولية كبيرة في إنتاج خطاب يربي الشباب على الانفتاح وعلى التسامح، فلا يمكن القضاء على الإرهاب والتطرف، وهناك جهات دينية تنشر فتاوى التطرّف وتكفير الناس والتشدد والتعصب، فهذه أرضية التطرّف والتعصب، يضاف إلى ذلك المزايدون الذين يرفعون الشعارات الثورية البراقة، ويدفعون الشباب إلى الحماس من دون حكمة.

لا بُدّ وأن نقول للشباب بشكل صريح: إنّ توجهات العنف والتطرف منبوذة ومحرمة شرعًا، فكثيرًا ما تكون الصورة مشوّشة أمامهم، ويظنون أنّ هذه حالة بطولة وتضحية وجهاد، عليهم أن يدركوا أنّ نتائج العنف وبالٌ ودمار على المجتمع والبلاد.

مسؤولية المؤسسات الحكومية

مع التقدير لدور الأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب، إلّا أنّ على سائر الأجهزة والمؤسسات الوطنية أن تهتم بشباب الوطن، وتستوعبهم في الجامعات، وبرامج الابتعاث، وتوفر لهم فرص العمل، كما ينبغي الإسراع في حلّ مشاكل الإسكان، ودعم الأندية الرياضية، وافتتاح مجالات الترفيه، لاستقطاب الشباب، حتى لا يقعوا في براثن التطرّف والإرهاب، فالتوجهات المتطرفة تستفيد من مشاعر الإحباط، ومن حالة الأزمات التي قد يعيشها الشاب في توجهه التعليمي أو الوظيفي، فلا بُدّ من تضافر جهود كلّ الأجهزة والمؤسسات لحلّ هذه المشاكل، فهذا ركن أساس في معركة الوطن ضد الإرهاب والتطرف.

علينا ألّا نترك أبناء الوطن وشبابه فريسة لمشاعر الإحباط، وارتداد الأزمات المعيشية، والضغوط الاقتصادية، والكبت الاجتماعي، فتوجيهات قيادة البلاد، والميزانيات الضخمة المرصودة لمختلف الوزارات والقطاعات الخدمية، تحمّل المسؤولين دورًا كبيرًا في تحقيق تطلعات المواطنين، وخاصة شريحة الشباب، فالإجراءات الأمنية وحدها لا تكفي.

حمى الله أبناءنا وشبابنا من كلّ مكروه، ومنحهم التوفيق والاستقامة، والصلاح في دينهم ودنياهم، وحفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين والعالم أجمع من مكائد الإرهاب والفساد.