جريدة الحياة تنشر قراءة لكتاب سماحة الشيخ الصفار: الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان

مكتب الشيخ حسن الصفار
« الصفار » في كتاب جديد فرق فيه بين النص والخطاب

هناك تيارات إسلامية سياسية أغفلت حقوق الإنسان...


* الدمام - منير النمر

يقدم الباحث والداعية الإسلامي حسن الصفار في كتابه الجديد «الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان» أنموذجاً جديداً للخطاب الإسلامي يعالج فيه قضية حقوق الإنسان شبه المهملة من جانب التيارات الإسلامية، والكتاب يقدم رسالة ليس للمسلمين فحسب وإنما يوجه رسالته إلى الغرب عبر الخطاب التنويري الذي يسير فيه الكتاب.

ويرى الكاتب أن مراحل الاستبداد في التاريخ سمحت بتقديم الإسلام كغطاء لأبشع ممارسات القمع ومصادرة الحريات وانتهاك الحقوق في حقب طويلة من تاريخ الأمة، كما يشير إلى تعطيل مفعول النصوص الدينية الواضحة الداعية إلى العدل والإحسان واحترام إرادة الشعوب، ورعاية حقوق الإنسان، إذ تم تجاهلها أو تأويلها بما لا يتنافى مع واقع الاستبداد وممارسات الظلم.

ولا يقتصر الكاتب على تقديم النظرة التشاؤمية التاريخية التي أسهمت في ترسيخ حالة الاستبداد عبر ومضات من النور في تاريخ الأمة، بل أشار إلى فقهاء أحرار، ومفكرين شرفاء، وأدباء ثوار، رفضوا كل الانتهاكات التي مورست في التاريخ الإسلامي.

ويناقش الكاتب عبر فصول كتابه قضايا عدة، حساسة في جانب نصيب حقوق الإنسان من الفكر الإسلامي، وحاول تقديم صورة شاملة، انتقد فيها عدم اهتمام الخطاب الإسلامي بحقوق الإنسان وتركيزه على العقائد والأحكام الشرعية، والتعامل السياسي، كما يتطرق الكاتب إلى بعض القضايا المعاصرة ذات الصلة بحقوق الإنسان، ويرى أن حقوق البشر هي أقدس قضية تستحق النضال، فهي القضية الأم والعنوان الشامل لكل قضايا الإنسانية العادلة.


ويتناول مسألة الشرائع الإلهية وحقوق الإنسان، معتبراً أن هدفها الأساس إحقاق حقوق الإنسان وتحرير إرادته من أي هيمنة جائرة، حتى أنه عندما يريد أن يخضع إلى ربه يكون بملء حريته واختياره، ضارباً المثل الأعلى بالأنبياء الذين كانوا قادة حركة الدفاع عن حقوق الإنسان عبر التاريخ بدعوتهم الناس إلى رفض الطغيان ومقارعة الفساد، ولم يكونوا يجبرون الناس على اتباعهم.

ويبين الكاتب أهمية الخطاب الإسلامي في التوعية الاجتماعية فهو يوجه السلوك العام، معللاً ذلك بارتباط المجتمعات الإسلامية بالدين، ويتطرق في هذا المجال إلى نقطة حساسة للغاية لدى المسلمين، إذ يؤكد أن الرأي العام العالمي يرى صورة الأمة بطريقة مهزوزة وهذا يستوجب مراجعة الخطاب الديني فهو إما «أن يكون مسؤولاً عن حصول هذا الواقع السيئ أو مهادناً له مكرساً لوجوده».

ولم يفته التفريق بين الخطاب الديني والنص الديني معرفاً النص الديني بـ «كل ما ثبت وروده عن الله سبحانه وتعالى، وعن الكتاب والسنة الشريفة، وهي كل ما ثبت وروده بالضوابط العلمية المقررة عند الفقهاء» ويعرف الكاتب الخطاب الديني بكونه «ما يستنبطه ويفهمه الفقيه، والعالم، والمفكر من النص الديني، أو من مصادر الاجتهاد والاستنباط المعتمدة».

ويرى الصفار أن الخطاب الديني فيه فتاوى الفقهاء، وكتابات العلماء، وأحاديث الخطباء، وآراء ومواقف القيادات والجهات الدينية.

وبهذا فهو ليس خطاباً مقدساً أو معصوماً فالاجتهاد يصيب ويخطئ، والمـجتهد يعـبر عن مقـدار فهـمه وإدراكـه.

كما قد يتأثر بمختلف العوامل النفسية والاجتماعية التي تنعكس على آرائه وتصوراته.

ويفسر الكاتب ظاهرة العجز والخلل في واقع الأمة المعاصر بتدني العناية بالإنسان وانخفاض مستوى الاهتمام بقيمته وحقوقه وحماية كرامته حتى أصبحت الأمة تحتل الصدارة في تقارير انتهاكات حقوق الإنسان على مستوى العالم. ليس من جهة السلطات السياسية فحسب، وإنما على الصعيد الاجتماعي العام.

ويشير إلى انتشار ما وصفه بـ «الإرهاب الفكري» الذي يصادر حرية التعبير عن الرأي، ويمارس التمييز ضد المرأة محولاً إياها إنساناً من الدرجة الثانية، ويقسو على الأبناء إذ تسحق شخصياتهم، والنظر إلى الآخر المختلف بشكل متطرف ضمن أي دائرة من دوائر الاختلاف.

ويعتقد الكاتب أن تلك الأرضية هي التي كانت وراء التوجهات الإرهابية التي تمارس العنف وإزهاق الأنفس وقطع الرؤوس واختطاف الأبرياء، وكل ذلك يرتكب باسم الدين، وتحت شعار الإسلام، وبعنوان الدفاع عن مقدسات الأمة.

واعتبر أن هذه الانتهاكات في العالم الإسلامي وضعت الخطاب الديني موضع المساءلة والاتهام.

وتطرق الكاتب إلى التطورات التي يشهدها العالم الإسلامي، مشيراً إلى تأسيس «الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان» في السعودية التي رآها خطوة تستجيب إلى تحد كبير يواجه الوسط الإسلامي، كما أثنى على النخبة الواعية التي أنشأتها من أجل حماية حقوق الإنسان والوقوف ضد الظلم والتعسف والتعذيب وعدم التسامح، وللتعاون مع المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال، بحسب ما ورد في النظام الأساسي للجمعية.

يذكر أن الكتاب طبعه «المركز الثقافي العربي» في بيروت والدار البيضاء ويقع في 191 صفحة من الحجم الوسط، وهو مطبوع في العام 2005.