الفقر ليس قدرًا

 

ورد عن الإمام الحسن أنه قال: «المَعْرُوفِ مالَمْ يَتَقَدَّمْهُ المَطْلُ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ مَنُّ، والإعطاءُ قَبلَ السُّؤالِ مِن أكبَرِ السُّؤدُدِ»[1] .

يحتفل العالم في (17من أكتوبر) باليوم العالمي لمكافحة الفقر، وقد بدأ الاحتفاء بهذا اليوم بمبادرة شعبية في باريس سنة 1987م، وتفاعلت شعوب العالم مع هذا اليوم، وأصبحت تقيم الاحتفاء به كلّ عام إلى أن تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1992م، ليكون يومًا عالميًا لمكافحة الفقر، حيث تدعو الحكومات والمنظمات الأهلية والإعلاميون وكل الجهات المؤثرة، لمناقشة مشكلة الفقر في المجتمعات البشرية، وكيف يمكن محاصرة هذه المشكلة ومكافحتها.

وبهذه المناسبة نستحضر هذه الكلمة المروية عن الإمام الحسن ، خاصة وأنه في هذا العام يصادف اليوم العالمي لمكافحة الفقر ذكرى وفاة الإمام، ولذلك اخترنا هذه الكلمة الرائعة.

يركز الإمام في هذه الكلمة على عنصر المبادرة، لتفقد أوضاع الفقراء والمحتاجين، فلا ينتظر الإنسان أن تصله شكواهم أو يلحوا عليه في طلب الدعم، بل يفترض في الإنسان أن يكون يقظًا في وجدانه وإحساسه الإنساني، فيشعر بأوجاع الفقراء وآلام المحتاجين، ويندفع بذاته دون طلب، لذلك يقول حسب هذه الرواية «الإعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد»، فلا تنتظر أن يطلب منك صاحب الحاجة، أو أن الجمعية الخيرية تدعوك للمساهمة، بل بادر أنت وتحسس آلام الفقراء من حولك، وإيّاك أن تقع في فخ التسويف والمماطلة، ففي بعض الأحيان يطلب من الإنسان أكثر من مرة، وهو يعد بالغد أو ما بعده، لكن الإمام يقول: «المعروف ما لم يتقدمه مَطْل» والمَطْل هو التسويف وتقديم الوعود.

فحتى يكون معروفك صادقًا خالصًا، له القيمة المطلوبة، يجب ألّا يكون فيه تسويف ومماطلة، بل عليك أن تبادر لتقديم المساعدة للفقراء والمحتاجين أو للجهات المعنية بمساعدتهم، وإذا أعطيت فعليك أن تعتبر ذلك نعمة من الله، فلا تحبط عملك بالمن، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ لذلك يقول : «ولم يتبعه منٌّ».

مكافحة الفقر وعلاجه

لموضوع الفقر زوايا عديدة يمكن مناقشتها:

السياسات الاقتصادية لكلّ بلد فبعض السياسات تنتج حالات الفقر وتنعشها، بحيث تجعل نسبة من المواطنين يعيشون البطالة والحاجة. 

مستوى التكافل الاجتماعي، فبعض المجتمعات لديها مستوى متقدم من التكافل، بحيث تتم محاصرة حالات الفقر والحاجة، وبعض المجتمعات يقل فيها مستوى التكافل الاجتماعي وقيام المؤسسات الخيرية التطوعية.

موقف الفقير من المشكلة.

تارة نتحدث مع الغني كي يبادر للعطاء، وتارة نوجه الحديث للفقير، كيف يتعامل مع حالة الفقر التي يعيشها؟!!

ما هي مسؤولية الفقير؟

هل له دور في مكافحة الفقر؟

إنّ الله زوّد الإنسان بمواهب وقدرات وطاقات، وإذا ما التفت إلى هذه الطاقات وفجّرها وضاعف الجهد، يمكنه أن يتغلب على الفقر، لكنّ بعض الفقراء يتصور أنّ الفقر قَدَرٌ لا يمكن تجاوزه وكأنه يقول: «ولدت فقيرًا وسأموت فقيرًا»، ويحمّل الظروف العائلية والاجتماعية مشكلة فقره.

صحيح أنّ بعض الظروف الصحية كوجود إعاقة جسدية، أو بعض الظروف العائلية أو الاجتماعية قد تفرض حالة الفقر على الإنسان.

ولكن السؤال المهم: كيف يتعامل الإنسان مع هذه الحالة؟!

تارة يتكيف معها ويستسلم لها، وتارة يتحدّاها ويقاومها.

فكم من الأشخاص لديهم إعاقات جسدية، لكنّهم بالعزيمة والإصرار استطاعوا أن يفجروا مواهبهم وطاقاتهم، فأصبحوا أثرياء بارزين!

وكم من أشخاص ولدوا في ظروف عائلية صعبة؟!، لكنهم تعبوا على أنفسهم بالدراسة والاجتهاد والعمل فتغيّر وضعهم، وطوروا وضع عوائلهم.

وكم من أشخاص واجهوا ظروفًا اجتماعية قاسية في بداية حياتهم، لكنهم حينما قرروا تحدّي الظروف وشحذ الهمم استطاعوا تجاوزها فأصبحوا من أهل الثراء.

كلّ ذلك يدلّ على أنّ الفقير بإمكانه تجاوز حالة الفقر، لكن البعض يستسلم لهذه الحالة ويتكيف معها، وتنشأ لديه حالة من الكسل والتواني والاعتماد على الغير، فما دام العطاء والمال يصل إليه دون عناء، فلماذا يتعب نفسه؟!!

وبذلك يكرّس حالة الفقر في حياته!

مشاهد متباينة

في سفري إلى الدنمارك والسّويد رأيت بعض العرب والمسلمين اللاجئين، وحسب نظام اللجوء يحصلون على مساعدات شهرية وتتكفل الدولة المستضيفة بحاجاتهم كلاجئين.

البعض منهم يعتمد على هذه المساعدات، فلا يبحث عن عمل أو وظيفة، ويختلق لنفسه المبررات، ليعيش على هذه المساعدات التي تقدمها الدولة، وهي تؤمن له الحدّ الأدنى من العيش فقط!!

وفي مقابل ذلك هناك من تجاوزوا هذه الحالة، ودخلوا سوق العمل وأصبحوا تجارًا أثرياء، والتحق أبناؤهم بالمدارس والجامعات وتفوقوا وتميزوا وشغلوا مواقع وظيفية بارزة.

كلاهما إنسان، قدما من ظروف واحدة!

فلماذا يعيش أحدهما على الصدقات، وما يقدمه له الآخرون، ويصبح الآخر تاجرًا أو صاحب مصنع؟! 

الفارق هو القرار، هل يتحدى حالة الفقر أو يستسلم لها ويتكيف معها؟!

توارث الفقر

من الحالات المؤلمة ما تتحدث عنه إدارات الجمعيات الخيرية، من توارث بعض العوائل حالة الفقر بين أجيالها!!

أخبرني أحد العاملين في جمعية خيرية، أنّ بعض العوائل المستفيدة لا تزال منذ (40 سنة) وهم في حالة فقر يتلقون المساعدات، ويتوارثون الفقر من جيل الأجداد إلى الأحفاد!!

والسبب عدم وجود اهتمام بتعليم الأبناء وتأهيل أفراد العائلة، وهذا ما بدأت الجمعيات الخيرية الانتباه إليه، وأصبح لديها برامج للتأهيل والتوظيف، ومساعدة أبناء العوائل الفقيرة للحصول على المنح الدراسية لتجاوز حالة الفقر.

إذًا فالفقير مسؤول عن مكافحة الفقر، ولا ينبغي له أن يستمرئ حال الصدقة والعطاء من الآخرين، فذلك يعني تجميد قدراته وطاقاته، وتحمّل ذلّ الحاجة والمسألة، وأكثر من ذلك يكون مسؤولًا أمام الله تعالى!!

فالإنسان القادر على توفير لقمة عيشه ونفقات عياله إذا تكاسل واعتمد على الصدقات يكون محاسبًا مسؤولًا يوم القيامة. لأنه ترك واجبًا وقد ورد عن النبي : «ملعون ملعون من ضيع من يعول»[2] .

وهناك عدد من الأحاديث من الأحاديث والنصوص الواردة في هذا المجال، ورد عن النبي أنه قال: «يا أبا ذَرٍّ، إيّاكَ والسؤالَ فإنّهُ ذُلٌّ حاضرٌ، وفَقرٌ تَتَعَجَّلُهُ، وفيهِ حِسابٌ طَويلٌ يَومَ القِيامَةِ»[3] .

هذا المبلغ الذي يأخذه الفقير من المحسنين، يجب ألّا يعتبره غنيمة سائغة، بل سيتبعها سؤال يوم القيامة إذا كان الفقير متمكنًا مستطيعًا، عليه أن يجد ويجتهد للبحث عن فرص عمل، كما عليه أن يفجّر طاقاته، ويستثمر قدراته، حتى يستغني عن الآخرين.

وعنه قال: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا ـ أي لزيادة وكثرة ماله ـ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»[4] .

وورد عن الإمام الصادق أنه قال: اِشتَدَّتْ حالُ رجُلٍ مِن أصحابِ النبيِّ فقالَتْ لَهُ امرأتُهُ: لو أتَيتَ رسولَ الله فَسَألتَهُ، فجاءَ إلى النبيِّ فلمّا رآهُ النبيُّ قالَ: مَن سَألَنا أعطَيناهُ ومَنِ استَغنى أغناهُ الله، فقالَ الرَّجُلُ: ما يَعنِي غَيرِي، فَرَجَعَ إلى امرأتِهِ فَأعلَمَها، فقالَت: إنّ رسولَ الله بَشَرٌ فَأعلِمْهُ، فَأتاهُ فَلَمّا رآهُ رسولُ الله قالَ: مَن سَألَنا... حتّى فَعَلَ الرجُلُ ما ذَكَرَتْهُ ثلاثا، ثُمَّ ذَهَبَ الرجُلُ فاستَعارَ مِعْوَلًا ثُمّ أتَى الجَبَلَ فَصَعِدَهُ فَقَطَعَ حَطَبا، ثُمّ جاءَ بهِ فَباعَهُ بنِصفِ مُدٍّ مِن دَقيقٍ فَرَجَعَ فَأكَلُوهُ، ثُمّ ذَهَبَ مِنَ الغَدِ فَصَعِدَهُ فجاءَ بأكثَرَ مِن ذلكَ فَباعَهُ، فلَم يَزَلْ يَعمَلُ و يَجمَعُ حتّى اشتَرى مِعْوَلًا، ثُمّ جَمَعَ حتّى اشتَرى بَكرَينِ وغُلامًا، ثُمّ أثرى حتّى أيْسَرَ، فجاءَ إلى النبيِّ فَأعلَمَهُ كيفَ جاءَ يَسألُهُ و كيفَ سَمِعَ النبيَّ فقالَ : قد قُلتُ لكَ: مَن سَألَنا أعطَيناهُ ومَنِ استَغنى أغناهُ الله[5] .

ينبغي أن يستفاد من جوهر هذا المثل لو فكر الفقير في السبل والوسائل لتغلب على الفقر. وأفضل ما يقدمه المجتمع إلى فقرائه هو مساعدتهم لتجاوز حالة الفقر.

كيف نساعد الفقراء حتى يتجاوزوا حالة الفقر؟

إنّ ذلك يكون بالتعليم والتأهيل والتدريب ومساعدتهم في الحصول الفرص الوظيفية، هذا ما يجب أن يحدث وعلى الفقراء التجاوب مع مثل هذه البرامج.

نموذج مشرق 

افتقدت ساحة العمل الخيري والديني في المنطقة الخليجية هذه الأيام شخصية نبيلة في مجال العمل الخيري، وهو الحاج كاظم عبد الحسين رحمه الله، من دولة الكويت وهو رجل أعمال عصامي من أهل الخير توفي يوم الثلاثاء 7 / 2 / 1440هـ عن عمر يناهز86 عامًا.

يعتبر من النماذج المشرقة في العمل الديني الخيري، كان مؤمنًا واعيًا، يحمل حسًّا دينيًّا منذ بداية حياته، فبعد أن وفقه الله في التجارة، (ولم يكن تاجرًا كبيرًا)، اتّجه لمساعدة الفقراء وخدمة الدين، وأهم ما كان يميزه الوعي، فقد كان يحمل همًّا حضاريًّا، لم يكن تدينه تقليديًّا بسيطًا، بل كان يحمل درجة عالية من الوعي والإدراك، لذلك كانت نشاطاته ومؤسساته تعبّر عن وعيه الرسالي وفهمه الحضاري.

أسس دار التوحيد ومؤسسة البلاغ لنشر الثقافة الدينية العصرية الواعية، وعبر نشاط هاتين المؤسستين طبع أكثر من 300كتاب، في ما مجموعه (14مليون نسخة) في (25لغة)، وكانت توزع مجانًا في أكثر من(130بلدًا)، وهذا يكشف عن وعي واهتمام، خاصة وأنّ هذا العمل بدأ في أواسط الستينيات من القرن المنصرم!.

أسّس دار الزهراء التي تضم عدة لجان ومؤسسات خيرية ودينية، في مختلف مناطق العالم الإسلامي، وشارك في تأسيس أكثر من (100 مسجد وحسينية) وفي بعض المناطق بنى مدنًا سكنية للفقراء، يسكنها عشرات العوائل من الفقراء وهذه المدن مؤثثة بالخدمات في مناطق كثيرة من العالم كان يهتم بالأيتام والعوائل الفقيرة المحتاجة في مختلف أنحاء العالم.

كان مؤيدًا للعلماء المصلحين التنويريين، يبحث عن أيّ عالم يحمل همًّا حضاريًّا ووعيًا رساليًّا فحينما يذكر أحد العلماء بمحضره يسأل عن وعيه الرسالي، هل لديه أيّ اهتمام أو إدراك للوضع المعاصر؟

إذا سمع أنه كذلك يقصده لدعمه والوقوف لجانبه متجاوزًا حديث الناس عنه.

كان يقول إذا تحدث البعض ضد أحد العاملين فتبينوا، فلعلّ الكلام عليه لنشاطه وتميزه والمتميز يُستهدف بالحسد.

نسأل الله أن يتغمّده بالرحمة والغفران ويعظم لذويه الأجر والصبر والسلوان، وأن يعوّض الساحة بمثله من الواعين العاملين المخلصين.

* خطبة الجمعة بتاريخ 10 صفر 1440هـ الموافق 19 اكتوبر 2018م.
[1]  بحار الأنوار. ج 78، ص113.
[2]  محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي. من لا يحضره الفقيه. ج2، ص68، حديث1741.
[3]  المصدر نفسه. ج 4، ص375، حديث5762.
[4]  مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري. صحيح مسلم. كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، حديث 1041.
[5]  الكافي. ج 2، ص139.